في التوازن الجديد للقوى: شعبية التنظيمات المسلحة الفلسطينية واللبنانية

إذا كان للمواجهات الدائرة الآن في لبنان وفلسطين من أهمية فهي بالتأكيد ما توفره من تصعيد كافي لتكشف بشكل غير مسبوق الطبيعة الجديدة لتوازن القوى في المنطقة وتحديدا في المواجهة بين القوى العربية والاسلامية المعنية والطرفين الاسرائيلي والأميركي. وليس الجديد هنا بالضرورة ما أشار اليه السيد نصر الله أو رئيس الوزراء الاسرائيلي وبقية أعضاء "المكتب الأمني الموسع" حول "تغيير قواعد اللعبة". ما هو جديد لم يطرأ هذه الأسابيع أو الأيام الأخيرة. ما هو جديد كان يتشكل منذ سنوات عديدة والآن ليس الوقت إلا لاكتشافه. وسيأخذ التعرف على ميزان القوى الجديد وقتا طويلا على الأرجح حتى تأخذ باعتباراته القوى المعنية وربما تعدل على أساسه تكتيكاتها وربما حتى استراتيجياتها. ولكن هذا الجديد سيكون ذي تأثيرات عميقة وربما حتى غير متوقعة أراد هذا البعض التعديل أم لم يرد.
لتفهم التوازن الجديد من الممكن البدء باستذكار نصيحة قدمها منذ فترة طويلة أحد حكماء السياسة والحرب الأكثر تأثيرا في القرن الماضي للمعنيين بالصراع في المنطقة. كان ذلك في بكين في السنين الأخيرة من حياة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ عندما التقى عددا من قيادات المقاومة الفلسطينية الناشئة. عندما سأل أعضاء الوفد الفلسطيني ما الذي يمكن أن ينصحهم به الزعيم الصيني في خصوص الطابع العسكري للصراع حدد لهم الأخير مجموعة من النقاط كان أهمها التخلي عن الجيوش النظامية والتركيز على خلق جيش شعبي مترسخ في المناطق المحتلة قادر على خوض مواجهات طويلة بأسلوب حرب العصابات. وفي الحقيقة عندما نرغب أن نلخص طبيعة الصراع العسكري على الجبهات الاسرائيلية في الوقت الراهن فإننا لن نجد أفضل من الوصفة الماوية أعلاه.
ليس هناك شك أن الوضع الراهن لم يتحقق لأن القادة الفلسطينيين أخذوا بنصيحة الزعيم الصيني. إنما تحقق لأنه كان الخيار الضروري الوحيد المتبقي في الصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي. كان الوضع الراهن، في الأساس، الوضع غير المتوقع وغير المنتظر، وفي النهاية، الوضع الذي لا يستطيع أي كان في المجال العربي أن يزعم أنه خطط له بعناية. وهنا لا أتحدث عن أسلوب حرب العصابات، فذلك كان بمثابة التكتيك العسكري الثابت منذ نشوء المقاومة الفلسطينية، وهو تكتيك تم تبنيه بكل حرص وحتى في إطار كثير من الجعجعة الايديولوجية والتي جعلت من الحديث عن حرب العصابات أحيانا أكثر حدوثا وترددا من تنفيذها. ما كان غير متوقع وعفوي بشكل بالغ هو "خلق جيش (جيوش) شعبي(ة) مترسخ(ة) في المناطق المحتلة".
ما كان موجودا حتى ثمانينات القرن الماضي تحديدا هو سلسلة من الجيوش النظامية العربية المستندة لجدار من الأنظمة القومية (الى هذه الدرجة أو تلك) والتي كانت تقود وتحدد متى يمكن أو لا يمكن أن تسخن أو تتفجر جبهات المواجهة. على أطراف وفي ثنايا وبفضل هذه الجيوش النظامية كانت تنشط تنظيمات حرب العصابات. غير أنها لم تكن تفعل ذلك إلا في الظل النظامي للجيش الرسمي وقيوده غير المحبذة بالنسبة لأي جيش شعبي، والأهم من ذلك، كانت تلك التنظيمات خارج المناطق المحتلة التي تسعى لتحريرها. كان الأمر دائما، حتى ثمانينات القرن الماضي، مجموعة من الجيوش النظامية التي تعرفت بعد الكثير من الألم و"الوهم المتبدد" أنها لا تستطيع من حيث القدرة العسكرية إلا "تحريك" الصراع لا غير. كان إعلان الحرب سوى الفترة الغير العادية للبحث عن هدنة جديدة.
بعد الكثير من التواكل غير الموفق على "الصديق السوفياتي" وعدم توفيق برامج التنمية بما في ذلك "التصنيع العسكري" لم يعد من الممكن التغافل عن استحالة تحقيق "التوازن الاستراتيجي". على ذلك الأساس توصل البعض الى الاستنتاج العقلاني (غير الموفق أيضا بقدر عدم توفيق استراتيجيا التعويل على "التوازن الاستراتيجي") القاضي بضرورة السلام وفق الشروط الحالية. ضمن هذه الاستراتيجيا النظامية (عسكريا وسياسيا) كان على تنظيمات حرب العصابات، والتي كانت تمارس خطف الطائرات أحيانا أكثر من المواجهة المباشرة مع الاحتلال، التصرف كـ"جيوش شعبية" في قواعد معادية أو غير متحمسة على الأغلب على احتضانها. وهكذا، شيئا فشيئا، كان من الممكن استئصالها وتكفل بذلك أحيانا النظام العربي الرسمي وحده (أيلول الأسود وطرد التنظيمات الفلسطينية المسلحة من الأردن) أو نهجا تكافل فيه الأخير مع الآلة الاسرائيلية الظافرة بشكل مباشر (طرد غالبية التنظيمات الفلسطينية من لبنان).
قام النظام العربي الرسمي سواء المعني بمواجهة جدية أو غير المعني بذلك بتأثيث بطيء ولكن ناجع للتركيبة الجديدة القاضية أساسا بنزع الغطاء العربي عن "الصراع العربي الاسرائيلي". وهكذا تم منح منظمة التحرير الفلسطينية "وحدها" حق الافتاء والحل والربط في الموضوع الفلسطيني وبدأت سلسلة من اتفاقات الصلح المنفردة التي أعلنت رسميا "فشل الخيار العسكري" ولكن الأهم من ذلك أعلنت فشل استراتيجيتها النظامية. في الوقت نفسه، وبالتوازي مع اهتراء الغطاء العربي الرسمي، تبددت بشكل متسارع التنظيمات "الشعبية" المسلحة، والتي لم تكن، إلا لوجودها في قواعد أخرى خارج مناطقها المحتلة وإلا لأنها تلقى دعما من أحد الأطراف الرسمية المعنية.
لم يكن لأي من هذه التنظيمات "الشعبية" أرادت ذلك أم لم ترد أن تكون شعبية مادامت بؤرتها الشعبية المعنية والمؤهلة قبل غيرها للمواجهة المباشرة والموجعة مع الاحتلال غير منخرطة بشكل كامل وجدي في العمل العسكري: يتعلق ذلك بجمهور المناطق المحتلة. هنا من الضروري استحضار أمر أساسي: لقد بقي جمهور الأراضي المحتلة غائبا عن الفعل المسلح وبالأساس متفرجا من بعيد كأنه يشاهد صراعا في قارة أخرى. بقي هذا الوضع ما يقارب الأربعين عاما. وفي الواقع كان ذلك، أي غياب الجمهور القابع تحت الاحتلال عن العمل المسلح ورهن التنظيمات "الشعبية" بأنظمة لا تملك نفسا طويلا، تحديدا نقطة الضعف الأساسية في استراتيجيا الصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي. وكان ذلك، في المقابل، نقطة القوة الأساسية للاسرائيليين. لم يكن على الأخيرين إلا الاستمرار في القيام بكل ما يمكن عمله لتذكير الأطراف الرسمية العربية باستحالة تحقيق"التوازن الاستراتيجي" ومن ثمة بـ"الفشل المحتوم" للخيار العسكري، لكي يتم طرد وتهميش الأطراف الفلسطينية المسلحة. بمعنى آخر، لم تكن التنظيمات "الشعبية" تسبح في مائها.
سواء صدم ذلك البعض أم لم يصدم فإن الحقيقة الماثلة أمامنا الآن لا يمكن إنكارها: كان تحول الصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي من صراع تقوده جيوش نظامية عربية ومجموعات غير نظامية من خاطفي الطائرات الى صراع أطراف راسخة في قطريتها من حيث ثقلها الشعبي ومجال المواجهة هو الطريق الأمثل، في النهاية، لجعل الاحتلال غير محتمل للاسرائيليين أنفسهم، ومن ثمة تحقق الشرط الأساسي للتحرير. حصل هذا التحول على مدى الثمانينات. أولا، ومع نشوء احتلال جديد في لبنان سنة 1982، أصبح من الممكن وقتها فقط نشوء جيش شعبي حقيقي على الأرض اللبنانية جعل ما تبقى من التنظيمات "الشعبية" الفلسطينية الضيفة في لبنان مجرد امتداد لوجستي لللصراع العسكري. هكذا، تطور حزب الله، بعد تراجع بقية التنظيمات اللبنانية التي شاركت في اندلاع الحرب اللبنانية على الاحتلال، وأصبح نموذجا من حيث التركيبة والأسلوب والعلاقة بمحيطه الشعبي والقطري للجيش الشعبي الراسخ في أرضه المحتلة والقادر واقعيا على انهاء الاحتلال.
بعد سنوات قليلة من اجتياح بيروت اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى لتعلن معها نشأة تنظيمات وأطر محلية من داخل المناطق الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي لأول مرة منذ عشرات السنوات وتظهر معها حركتي حماس والجهاد الاسلامي. وحتى حركة فتح كان عليها المرور بمرجل جديد أعطى أهمية غير مسبوقة لقيادات الداخل لتصل عملية إعادة التركيب الى خلق تنظيم عسكري محلي يعوض "جيش التحرير الشعبي الفلسطيني" من خلال تأسيس "كتائب الأقصى" عبر الانتفاضة الثانية. وهكذا تمترس الفلسطينيون بمختلف فصائلهم في إطار محلي وقطري لا يعتمد بالأساس على أي طرف عربي إلا للمساندة الاعلامية. هكذا تكونت، أخيرا، تنظيمات شعبية فلسطينية مسلحة راسخة في مائها.
تم ذلك خاصة من خلال أطراف، للمفارقة، غير قطرية بالمرة في أجندتها الاستراتيجية. تم ذلك من قبل أطراف متعلقة بخارج القطر الى ما هو حتى عابر للرابطة القومية الى الرابطة الاسلامية. ليس هناك ما يمكن أن يخفي التحالفات شديدة الوثوق بين التنظيمات الشعبية المعنية وأنظمة رسمية عربية واسلامية. ولكن لم يعد من الممكن البتة استئصال هذه التظيمات الشعبية من خلال "الضغط" أو الاحتراب مع الأنظمة المعنية. تبدو الأطراف الاسرائيلية والأميركية والأوروبية غير مدركة تحديدا لهذا الوضع الجديد أو على الأقل لتأثيراته العميقة لتوازن القوى في المنطقة وشروط تسييره.
الآن مثلا يركز جميع هؤلاء، ويا للمفارقة، على تلبيس الصراع طابعا قوميا واسلاميا، طالما تمت محاربته، ولكن هذه المرة مبالغ فيه وعن قصد. حيث لا يبدو أسهل، كما كانت العادة دوما، من أن يتم "تدمير" تنظيم مسلح مادام موجودا إلا بفضل "الدعم الايراني والتسهيلات السورية". كما لا يوجد أسهل من "انهاء" حماس مادامت محكومة وموجودة فقط عبر دمشق. الآن هناك رغبة اسرائيلية في التعلق بتقاليد ذلك الماضي الغابر المتمثلة في تنظيمات "شعبية" معلقة بين أيدي جيوش نظامية غير واثقة من نفسها. الآن هناك رغبة أميركية في استعادة الجيوش النظامية القومية وترسيخ تلك الاسلامية فقط لتجد على من تضغط. يبحث هؤلاء بالتحديد على احياء من عملوا على تفكيكهم. غير أن ذلك جزء من الماضي البعيد. مجرد "وهم متبدد". الحقيقة غير المتوقعة للكثيرين عربيا ودوليا هي الآتية: بالرغم من قومية واسلامية حزب الله وحماس فإن قطريتهما، لبنانية الأول وفلسطينية الثاني، من حيث الثقل الشعبي ومجال المواجهة، تجعلهما متحررين بشكل غير مسبوق من إطار "الضغط" المعهود.
كل الذي تبقى من تفصيلات عسكرية جديدة من نوع الصواريخ والمعدات العسكرية غير المعهودة التي تتوفر عليها التنظيمات الشعبية الفلسطينية واللبنانية في غاية الأهمية من حيث تقرير طبيعة الصراع. ولكنها جميعا لم يكن من الممكن أن تكون فعالة لولا توفر التنظيمات المعنية على مجال تسبح فيه بكل تحرر من تعقيدات النظام العربي الرسمي. وبالمناسبة حتى لو لم يبعث الايرانيون بصواريخ الرعد والزلزال لوجد حزب الله طريقه الى ما شابهها مثلما وجدت حماس طريقها الأكثر وعورة الى صواريخ القسام.
الأمر الذي لا يقل إثارة هو أن حتى "الضغط" المعتاد عبر الأنظمة الرسمية المعنية (سوريا إيران) أصبح في ظل التوازنات الراهنة مجرد خطوة بعيدة المنال. ليس فقط بسبب المحدودية الفعلية لقدرات الأنظمة المعنية على الضغط، الأمر الذي لن يصدقه حتى أمد بعيد الطرفين الاسرائيلي والأميركي، بل لأن الطرف الأخير تحديدا لن يسمح بأي مغامرات عسكرية تجاهها. الآن هناك معطى لم يكن الأميركيون على استعداد حتى على تخيله في أشد كوابيسهم سوداوية في علاقة بأمن اسرائيل: لقد أصبح الأميركيون منذ احتلال العراق جزءا من جغراسياسية النظام العربي الرسمي. وعوضا عما كان يحدث دائما، عندما يعكف الطرف الأميركي على مراقبة تطور الأحداث من على سطح أساطيله البحرية في البحار المحيطة بالمنطقة ومن ثمة في مأمن من أي انفلاتات اقليمية، فإنه الآن مطوق في مسنتقع عراقي شديد الحساسية لما يحدث الآن في لبنان، بل وأكثر لما يمكن أي يحدث في سوريا وإيران. حيث لا يفصل بين الأميركيين والانسحاب الفوري من العراق سوى انفلات الحليف الشيعي الموالي ايرانيا وحتى سوريا من تحت مظلة العملية السياسية وتوسيع رقعة المواجهة بالشكل الذي لن يكون ممكنا للجيش المنهك أساسا أن يواصل فيه "عملية البناء الديمقراطي" الجارية حاليا على قدم وساق.
هل ستحقق التنظيمات الشعبية اللبنانية والفلسطينية انتصارات تحرير فورية وخالية من هزائم موضعية أو اصطدامات محلية في شكل "حروب أهلية مصغرة"؟ لا أعتقد ذلك. هل ستحقق "تحريرا شاملا"؟ لا أعتقد ذلك. ستكون المعركة بالتأكيد طويلة وموجعة وشديدة التعرج. كما ستتجه بالضرورة الى نسق من المفاوضات الطويلة ولكن الجدية هذه المرة وليس على منوال "غزة أريحا" أو "17 أيار" ويمكن أن تنتهي الى أرضية مؤتمر مدريد ولكن من دون المرواغة عبر اتفاقيات انتقالية كما حدث حتى الآن. ولكن هل ستهزم أو تتفكك هذه التنظيمات الشعبية قبل تحقيق أهدافها؟ أعتقد أن ذلك أمر مستحيل ولن يغير في الأمر شيئ إذا أعلن "المكتب الأمني الموسع" للسيد أولمرت الرغبة في "تدميرها". في المقابل يقف السيد نصر الله وبخطاب يصعب على سامعه أن يفهم أن المتحدث راسخ في روابطه القومية والاسلامية حين يقول للباقي العربي الرسمي "فكوا عنا!". ولكن ذلك تحديدا عنوان نجاح التنظيمات الشعبية المواجهة للاحتلال. الطاهر الأسود
باحث تونسي يقيم في أميركا الشمالية