بيروت تتحول الى مدينة اشباح

بيروت - من نايلة رزوق
بيروت تعيش الحرب من جديد

بدت بيروت بعد اسبوع من الهجوم الاسرائيلي الواسع على لبنان "مدينة اشباح" بعدما كانت موعودة باستقبال مئات الاف السياح هذا الصيف.
كورنيش عين المريسة او "جادة الفرنسيين" كما كان يسمى والذي تظلله اشجار النخيل على شاطىء المتوسط افتقد زحمة السيارات وضجيج ابواقها، وحلت محله اصوات انفجارات القنابل التي تلقيها الطائرات الاسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية، معقل حزب الله اللبناني.
لكن المفاجاة ان قلب بيروت نال الاربعاء نصيبه من القصف الاسرائيلي للمرة الاولى، وذلك في اليوم الثامن من الهجوم الذي شنته اسرائيل في 12 تموز/يوليو ردا على قيام حزب الله باسر جنديين اسرائيليين.
في اقل من اسبوع، عاد شبح الحرب ليخيم على العاصمة اللبنانية التي خيل لقاطنيها انهم تنفسوا الصعداء بعد حرب اهلية استمرت 15 عاما (1975-1990) واعتداءين اسرائيليين لم يوفرا البلد من التدمير عامي 1993 و1996.
فعلى غرار زمن الحرب ابان السبعينات والثمانينات تعرض مطار بيروت للقصف وانقطعت الكهرباء واجتاح المواطنون المتاجر واستولوا على كميات هائلة من المواد التموينية.
ونزح مئات الالاف من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية هربا من الغارات الاسرائيلية فضاقت بهم المدارس وحتى الحدائق العامة.
وفي المقابل تم الغاء مهرجانات الصيف وابرزها في بعلبك، المدينة البقاعية المعروفة باثارها الرومانية، وفي قصر بيت الدين بجبل الشوف (جنوب شرق بيروت).
اما وكالات السفر التي انهمرت عليها حجوزات السياح حتى فاق عددهم المليون، فباتت منشغلة باجلاء من لا يزالون في البلاد، ومثلها الفنادق التي فرغت فجأة من نزلائها وتدنت نسبة الحجز فيها الى اقل من عشرة في المئة.
حياة الليل في بيروت ماتت بدورها مع اغلاق معظم المطاعم والملاهي، باستثناء قليل منها لا يجرؤ على فتح ابوابه حتى ساعة متأخرة لان الشوارع تفتقر الى الانارة.
ويعلق كريم حمادة الموظف في احد المصارف بدهشة "لا اقوى على التصديق ان الاسرائيليين نجحوا في قتلنا في اسبوع واحد، لقد عدنا الى زمن الحرب والتدمير".
ويضيف بمرارة "ما كادت بيروت تستعيد وجهها المشرق وتجتذب نجوم الغناء والفرق الموسيقية والسياح حتى عدنا اعواما الى الوراء".
فندق فينيسيا رمز النهضة السياحية في بيروت لا يزال هنا، ولكن لا نبض في اروقته وغرفه ومطاعمه التي ودعت الرواد حتى اشعار اخر.
المراكز التجارية في بيروت، العاصمة الاقليمية للاناقة، يصر قسم منها على فتح ابوابه ولكن اين الزبائن؟
ويقول شربل بجاني باسف "اقفلنا حتى الان تسعة من متاجرنا الـ16 لبيع الملابس، لقد راهنا على موسم قياسي وقمنا باستثمارات ضخمة، انها كارثة".
لعل الادوية المهدئة هي السلعة الاكثر مبيعا ويقول صيدلي "تلك كانت الحال ايام الحرب".
وسط بيروت تحول بعد اعادة بنائه قبلة انظار الرواد من كل انحاء الشرق الاوسط، لكنه "صامت" اليوم ولا يخرق هدوءه القسري سوى اجراس الكنائس واذان المساجد.
المشهد نفسه يصادفه المرء في الجامعة الاميركية في بيروت، فالاساتذة الاجانب غادروا البلاد وسلموا غرفهم داخل الحرم الى زملائهم اللبنانيين الذين يخشون على حياتهم، ويقول احدهم "عشنا اياما مماثلة في زمن الحرب ولم نعد نستطيع الاحتمال".
على مقربة من الجامعة مطعم صغير فيه حفنة من الزبائن.
مهدي وكيل مالي صار بلا عمل اثر اغلاق بورصة بيروت ويشكو من اقفال المطعم مساء، وفي الجانب الاخر طلاب يلوذون بالصمت ويقول احدهم "لا شيء نقوله، اذا تكلمنا فلنصف الفظائع التي نعيشها والافضل ان نسكت".