بعض من السمات الجديدة للصراع

بقلم: جواد البشيتي

في لبنان نرى الصراع بين العرب وإسرائيل في نموذج (عربي وإسرائيلي ودولي) جديد. الجيش اللبناني يقاتِل إلى جانب المقاومة التي تكاد أن تَعْدِل "حزب الله". يُقاتِل؛ ولكنَّ قتال إسرائيل له أكبر، حتى الآن، من قتاله لها. مَنْ يَسْنِد مَنْ؟ في الدفاع عن لبنان، ليست المقاومة هي التي تَسْنِد الجيش، وإنما الجيش هو الذي يَسْنِد المقاومة. هذا هو الجديد الأول، والمفيد، الذي نراه تحت شمس الصراع في لبنان، والذي ينبغي لغيرنا، أي لحكوماتنا، أن يراه.
لو كان لبنان بلا مقاومة من نمط وخواص "حزب الله"، ولو أرادت إسرائيل جعله كويكبا يدور في فلكها، لاحتلته كله في "زمن حزيراني"؛ ولكنْ في حجم من التدمير والقتل أقل كثيرا.. لاحتلته من غير أن تحتاج إلى كل هذا الجنون الحربي، ومن غير أن تُلْحِق كل هذا الدمار ببنيته التحتية المدنية.
لبنان هذا، أي لبنان الذي نراه في جواره العربي ولا نراه في لبنان ذاته، كان في مقدوره أن يدرأ عن نفسه كل هذا الجنون الحربي الإسرائيلي، وكل هذا الدمار الذي يجيء به؛ ولكن بـ "وسيلة دفاعية" واحدة لا غير هي أن "يتحلى" بـ "روح انهزامية"، يُلْبِسها لبوس "التعقُّل" و"الحكمة"!
وافتحوا أعينكم الآن لتروا الجديد الثاني، فإسرائيل يعود إليها الفضل في اختراع احتلال من نمط لم يُعْرَف مِنْ قبل. الاحتلال كان لـ "الأرض" و"السكان" معا؛ أمَّا الآن فأصبح لـ "أرض بلا سكان".
وأحسب أن "حزب الله" لا يجهل الأبعاد الحقيقية للاحتلال الإسرائيلي الجديد الذي يَحْبل به جنون الحرب الإسرائيلية في لبنان، وعلى فكرة وخيار المقاومة، لبنانيا وفلسطينيا وعربيا. الجيش الإسرائيلي، على قوته وجبروته، مصاب الآن بعجز شبه مطلق عن خوض حرب برية في جنوب لبنان، فحرب كهذه تَحْمل في أحشائها أسباب هزيمة عسكرية يمنى بها، وهزيمة سياسية تُمنى بها إسرائيل وحكومتها.
هذا الجيش يقوم الآن بالتدمير والقتل عن بُعْد حتى يضطَّر المدنيين اللبنانيين في المناطق الجنوبية إلى المغادرة شمالا، أي إلى شمال نهر الليطاني. وبين مجزرة ومجزرة يرتكبها في حق المدنيين عن عمد، وبين جولة وجولة من حرب التدمير والقتل وإرهاب والترويع، يدعو المدنيين إلى المغادرة والنزوح.
هدفه الأوَّلي إنما هو جعل المناطق الجنوبية المأهولة شبه خالية من المدنيين. بعد ذلك، وبفضله، يصبح الجيش الإسرائيلي قادرا على دخول واحتلال تلك المناطق، فإذا قاتله مقاتلو "حزب الله" في داخلها ومن داخلها، أي في الشوارع وبين المنازل والمباني ومن منزل إلى منزل، خرج منها ليُمعن فيها تدميرا عن بُعْد. ولن يتورع، عندئذٍ، عن استخدام المواد السامة وغيرها من أسلحة الإبادة، فالمناطق تلك ما عادت تعج بالمدنيين، وإنما بـ "الإرهابيين" الذين يستحقون الإبادة.
وعندما يتحقَّق له ذلك يُرسِل بقواته البرية لاحتلال المناطق الجنوبية، مشترِطا لخروجه منها ولعودة أهلها المهجَّرين إليها، نشر الجيش اللبناني (مع قوَّة دولية من نمط جديد) فيها. وإذا ما تحقَّق له ذلك يمكن أن يتحوَّل الدمار الذي ألحقه بالبنية التحتية المدنية وفي أنحاء لبنان كافة إلى قوَّة سياسية وشعبية لبنانية ضد "حزب الله"، فيُنْجَز، بالتالي، تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1559 بما يتَّفق مع الأهداف والمصالح الإسرائيلية في لبنان.
وفي هذا السياق، يُنْجَز، أيضا، الهدف السياسي ـ الإستراتيجي النهائي لإسرائيل والولايات المتحدة وهو نبذ اللبنانيين والفلسطينيين والعرب لفكرة أو لخيار المقاومة، وجعل خيار "التعقُّل" خيارا إستراتيجيا للعرب، دولا وشعوبا.
عندئذٍ، لن نلوم "حزب الله" فهذا الحزب إنَّما فعل ما كان ينبغي له أن يفعله كل عربي حريص على منع الأمَّة من التحوُّل إلى عبيد في روما الجديدة التي تتوفَّر إسرائيل والولايات المتحدة على إقامتها من أجلهما وضد العرب أجمعين. لن نلوم، في المقام الأوَّل، إلا سورية وإيران، ثمَّ دول "التعقُّل" العربية، ثمَّ الشعوب العربية التي لم يتعدَ دورها حدود المشاهَدة عبر "الجزيرة"، مع التألُّم والغضب! جواد البشيتي