المقاومة واسرائيل... 'قرصات البعوض'

يقول الاسرائيليون انفسهم ان "ضربات" المقاومة الفلسطينية او اللبنانية لاسرائيل لا تعدو كونها "قرصات بعوض".
ويذهب النظر الاسرائيلي الى "قرصات البعوض" الى انها لا تساوي شيئا حيال القوة العسكرية الاسرائيلية، كما انها لا تغير شيئا في موازين القوى في المنطقة، ولا تشكل تهديدا لوجود اسرائيل، ولا تلحق أضرارا جادة باقتصادها، ولا تضعف حجم التعاطف الامريكي-الاوروبي معها، ولا يمكنها ان تجبر اسرائيل على تقديم تنازلات لا ترغب بتقديمها.
فاذا كان كل هذا صحيحاً، فما هو مبرر ردود الفعل الهستيرية التي ترد بها اسرائيل على كل قرصة من هذه القرصات؟
هناك عدة تفسيرات.
الأول، هو ان اسرائيل ليست قوية بالفعل كما توحي قدراتها العسكرية.
صحيح ان اسرائيل تملك ترسانة هائلة، لا تخلو حتى من أسلحة الدمار الشامل، تستطيع من خلالها تدمير أي عاصمة عربية، الا انها كيان ضعيف، مهزوز، يفتقد الشعور، جوهريا، بالانتماء الى المكان الذي يوجد فيه، ويدرك ان القبول الرسمي المزيف بوجوده ليس سوى تسليم مؤقت بالأمر الواقع، الا انه مرفوض وشاذ وناتئ وقميء في نظر الغالبية العظمى من شعوب المنطقة. وما يزال أي شكل من أشكال التعامل معه مبعثاً لمشاعر الخزي والعار حتى بالنسبة للقليل من المغامرين الذين وجدوا انفسهم واقعين في غرام مشاريع السلام.
ولانها لا تملك، من مبررات الوجود، سوى القوة العسكرية، فانها تستخدمها بإفراط، من ناحية للقول "انها كيان قادر على الدفاع عن نفسه"، ومن ناحية أخرى، للقول ان هذه القوة هي مبعث الأمل الوحيد لتوسيع دائرة التسليم بوجوده، لانها لا تملك، بالأحرى، أي سبيل آخر "للتفاهم" مع محيط معاد.
ولكن، بما ان الصراع مع العرب والفلسطينيين هو في النهاية صراع "جغرافي" على قطعة أرض هنا وأخرى هناك، فان "الجغرافيا" (الضيقة والتي لا تليق حتى بلقب كبير كهذا) هي ذاتها كعب أخيل.
فاسرائيل، حتى ولو رفضت تسليم شبر واحد من الأرض بين النهر والبحر للفلسطينيين، فانها كيان فاشل جغرافيا وغير قادر على الدفاع عن نفسه. إذ تكفي عصبة مقاتلين مزودين بصواريخ يمكن تصنيعها في كراج للسيارات لدفع ربع "شعب الله المختار" الى النوم في الملاجئ.
وهكذا فان وجود اسرائيل، برغم كل قوتها العسكرية، منوط، فقط، برضا الآخرين. فان لم يرضوا، لأي سبب من الأسباب، أصبحت حياة هذا الكيان، بكل جبروته، على كف عفريت، واصبحت القوة العسكرية هي المعادل الموضوعي الوحيد لوجوده.
لهذا السبب، تحديدا، يزعج اسرائيل الى حد الغثيان، ان تكون هناك قوى فلسطينية، او عربية، او اسلامية ترفض التسليم بحقها بالوجود. وحتى ولو لم تكن هذه القوى مسلحة بأكثر من بنادق صيد، فانها تظل تخيف اسرائيل لانها تعيد تذكيرها بان وجودها في هذا المكان طارئ وهزيل.
اسرائيل، ليست بهذا المعنى سوى مخزن أسلحة، فاذا اصيب احد جدرانه بشرارة، قد يمكن مشاهدة الكثير من الألعاب النارية، الا ان هذه الألعاب ليست دليل قوة. انها بالضبط، وحصرا، دليل ضعف، واعتراف صريح ليس بالفشل الجغرافي فحسب، وانما بالفشل الوجودي نفسه، حيث لا سبيل للعيش في هذا المكان، إلا بأحد إثنين: كسب قبول الآخرين بضربهم، او ضربهم لكسب قبولهم. وهناك مليار سبب ثقافي وتاريخي وسياسي واجتماعي وجغرافي، تجعل من العسير على شعب الله المختار ان يعيش على ثقافة القوة وحدها.
وبصراحة، فهذه ليست عيشة.
***
والثاني، هو ان اسرائيل تشعر بالتعالي والتفوق العنصري على كل من حولها، الامر الذي يبرر لها ان تعربد وتدمر وتقتل وتهدد حياة بشر كثيرين لمجرد انها فقدت جنديا او جنديين او ثلاثة.
وحسب شعور التعالي هذا، فقد يجدر التساؤل: اذا كانت اسرائيل تفعل كل ما تفعله الآن من اجل جنديين او ثلاثة، فماذا ستفعل اذا وقع اختطاف كتيبة جنود؟
هل ستقصفنا بالقنابل النووية؟
هل سترسل الفلسطينيين الى المحرقة؟
وفي الواقع، فان غطرسة التعالي والتفوق العنصري، قد تكون مفيدة، لكي يشعر الاسرائيليون بالإمتلاء بانهم يستطيعون ان يسحقوا كل "البعوض" الذي من حولهم، الا ان هذا الشعور لا يمكنه ان يفسر سبب حاجة هذا الكيان لاعتراف البعوض بوجوده...
فما لم يكن الاسرائيليون يدركون ضمنيا ان تعاليهم وتفوقهم العنصري ليسا سوى خدعة مظاهر، فان الجمع بين قصفنا بوحشية ومطالبتنا بالاعتراف بهم، ينم بوضوح عن إضطراب ذهني صريح.
وبطبيعة الحال، ففي مقابل كل شعور بالتفوق، ثمة شعور داخلي بالضِعة والانحطاط.
التعالي العنصري، من الناحية السيكولوجية، لا يعدو كونه آلية دفاعية لتغطية شعور مضاد، او لتعويض نقص.
وهكذا فان "شعب الله المختار"، لا يفعل بحماقاته وألعابه النارية، سوى أن يثبت لنفسه، قبل الآخرين، انه شعب يعاني من شعور دفين بالوضاعة، فيعوضه باستخدام طائرات أف-16 انتقاما من هجمات بصواريخ "القسام-1" (التي تكاد لا تكفي لعمل حفرة بقطر مترين، حتى بعد تطويرها في "كراجات غزة للابحاث النووية".) وفي الواقع، فانه لا يضير الفلسطينيين او اللبنانيين انهم يطورون صواريخهم في كراجات. فعلى قدر أهل البعوض تأتي البواعضُ. ولكن رد فعل الحمار او الفيل الاسرائيلي على القرص هو الفضيحة.
وهو رد مفيد بالأحرى، لانه صار يكشف للعالم بأسره، شيئا فشيئا، أي نوع من البشر الهائج هم شعب الله المختار هذا، وبأي نوع من الغطرسة الوحشية يتعاملون مع جيرانهم، وبأية وسائل يريدون ان يُملوا على هؤلاء الجيران الاعتراف لهم بحقهم في الوجود.
وسواء امكن وقف الهجمات الاسرائيلية على غزة ولبنان، ام لا، وسواء شبع المتفوقون شعورا بالتفوق بعد سفك دماء المئات او الآلاف، أم لا، فان السؤال الذي يجدر تذكره دائما هو: كيف يمكن لهذه المنطقة ان تعيش مع مخلوقات كهذه؟ وهل يمكن بالفعل إقامة أي نوع من السلام، ولو المزيف، معها؟ بل، لماذا السلام أصلا؟ ما حاجتنا اليه؟
***
والثالث، هو ان إسرائيل كيان هائج، مريض، فاسد، هستيري، بطبعه.
وقد يكون من المفيد بالنسبة لكيان كهذا ان يحال الى أقرب مستشفى للمجانين، الا أن العقبات اللوجستية التي تعرقل هذا الخيار، لا تحول دون التعامل مع المجانين كما يحلو لهم.
فعندما اختطف الفلسطينيون ذلك الجندي البليد، في اليوم ذاته الذي تم التوصل فيه الى اتفاق بشأن "وثيقة الأسرى"، بدا الأمر للكثيرين ان العملية، حتى وان كانت "بطولية" و"نوعية"، الا انها كانت خطأ تكتيكيا وتصرفا عديم الحكمة سياسياً.
الحقيقة ليست كذلك.
إذ لم يسبق للحكمة أن أثبتت نفعها، في العلاقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
التعقيدات الايديولوجية والجغرافية والدينية والسياسية ما تزال تعمل بين الطرفين ضد الحكمة، وضد المنطق وبل وضد حتى الاستعداد لتقديم تنازلات.
هناك الكثير من الدم ما يزال يتوجب ان يسيل قبل ان يقتنع الطرفان بامكانية قبول العيش وفقا لنوع التراضي على تقاسم الأرض وسبل الحياة عليها. ويعرف الاسرائيليون انهم، كلما تنازلوا عن شبر، كلما ضعفت القيمة الجغرافية والسياسية والدينية لوجود دولتهم.
ولكن، بالنظر الى ردود الفعل الهستيرية بالذات، وبالنظر الى المعرفة المسبقة بما يمكن ان يفعله المجانين من اعمال وحشية مبالغ فيها، فان دفع اسرائيل لتمارس جنونها ربما يكون السبيل الوحيد لاعادة تحريك البركة الآسنة التي انتهى الفلسطينيون اليها.
حال اللاسلام واللامفاوضات واللادولة واللاأمن واللارواتب، وحال العيش في سجن مؤبد، كانت تقتضي عملا كهذا، بل وأي عمل مماثل.
أهي قرصة بعوض؟ لا بأس.
اذا كان ليس مطلوبا، في الواقع، لتحريك الهياج الاسرائيلي أكثر من قرصات بعوض، فقرصات بعوض تكون.
ردود فعل المجانين، هي أكثر ما يضر بهم.
المسألة لا تتصل بتأثيرات الرأي العام الدولي، او بضغوط تمارسها هذه المجموعة الدولية او تلك، فهذه كلها لا تعني شيئا بالنسبة للمجانين، ولكنها تدفعهم، كما تدل الوقائع الجارية الآن، الى تكسير الطاولة وضرب الجدران وتحطيم الأبواب والذهاب الى الملاجئ. أي إثارة مقدار من الفوضى يفرض على الجميع، بعد استعادة القليل من الهدوء، العودة الى الأسئلة الجوهرية المهملة وهي ان هناك حاجة لسلام عادل ودائم يقوم على مقررات الشرعية الدولية ويرد للضحايا قدرا مرضيا من حقوقهم، وإلا فان الأمر لن يخلو، بين الفينة والأخرى، من قَرصةٍ هنا، وقرصةٍ هناك.
والحال، فاذا كان السجن المؤبد هو كل ما تقترحه اسرائيل على الفلسطينيين، فليس كثيرا على السجناء ان يثيروا جنون سجانهم ويحولوا هياجه بالذات الى مناسبة للبحث عن مدخل للهدوء.
"وداوها بالتي كانت هي الداء"، يقول الشاعر.
فكلما أمكن جعل الاسرائيليين أكثر هستيريا، كلما أصبحت تصرفاتهم أكثر صلة بواقعها، وكلما أثبتت نظرية داروين صحتها.
فاذا ذهبت الى مجلس الأمن الدولي، حيث يوجد أكثر من حليف لاسرائيل، فلسوف يكون من المستحيل ان تعرف، من أين تنهمر على رأسك حبات جوز الهند.
مع ذلك، فاذا لم تكن تملك علاجا للهستيريا، دعها تعالج نفسها بنفسها. شجعها على المزيد حتى تفطس تعباً وانهاكاً.
الفلسطينيون لا يخسرون، في لعبة قرص البعوض هذه، أكثر من أغلالهم. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com