'مغامرات غير محسوبة'

لا ريب أن ما يجري هذه الأيام بين إسرائيل وحزب الله أخذ شيئاً فشيئاً يتعدى حدود التصعيد المفتعل من أجل رفع سقف المطالب في أي مفاوضات غير مباشرة لتبادل الأسرى بين الجانبين. فالمستجدات الأخيرة المتسارعة منذ تنفيذ عملية "الوعد الصادق" تجاوزت موضوع أسر الجنديين لتتحول إلى حرب فعلية شملت جميع مناطق لبنان وامتدت لتطال العمق الإسرائيلي.
تطورات دراماتيكية بدأت بتحميل إسرائيل مسؤولية ما جرى للحكومة اللبنانية.. ثم إطلاقها شرارة الحرب على لبنان.. فإعلان الأمين العام لحزب الله السيد "حسن نصر الله" الحرب المفتوحة مع إسرائيل بعد ساعات قليلة على قصف الأخيرة لمنزله في الضاحية الجنوبية من بيروت.. إضافة إلى تدمير مقرّ الأمانة العامة للحزب، وما ترتب عن ذلك من قصف للبارجة الإسرائيلية وإطلاق الصواريخ على مدن إسرائيل.
وإذا أضفنا إلى ما سبق استمرار تبادل الاتهامات والتهديدات بين إسرائيل من جهة وكل من سوريا وإيران من جهة ثانية.. بدءاً من إعلان الرئيس الإيراني "أحمدي نجاد" أن أي اعتداء على سوريا هو اعتداء على العالم الإسلامي.. مروراً بتحميل الرئيس الأمريكي لسوريا وإيران مسؤولية التصعيد، فتلويح وزيرة خارجية إسرائيل بقصف سوريا، وصولاً إلى إعلان وزير الإعلام السوري أن أي عدوان إسرائيلي سيقابل برد سوري حازم ومباشر... فإن مجمل هذه الأمور تؤشر إلى اقتراب انفجار البركان بعد أن تجاوز فعلياً درجة الغليان.
لا يمكن تصور حجم المخاطر التي تتهدد الاستقرار الإقليمي وربما العالمي في ظل استمرار ما يحدث في لبنان وفلسطين، وأيضاً في العراق الذي أثبت احتلاله للمحتلين قبل غيرهم أن الأمور لا تجري في الشرق الأوسط بهذه البساطة التي يتخيلونها، وأنهم كانوا متفائلين أكثر من اللازم بمستقبل احتلالهم لهذا البلد، وبمشاريعهم لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير... وهذا ما كشفت عنه اعترافات "كوندوليزا رايس" بارتكاب آلاف الأخطاء في العراق.
إن أكثر ما يضاعف من سيناريوهات الانفجار هو تلك الذهنية "الحربجية" الإسرائيلية القائمة على إثبات التفوق العسكري وتأكيد القدرة على التدمير الفعلي بقصد بثّ الإرهاب الحقيقي في نفوس جميع شعوب المنطقة وحكامها.. والتاريخ يثبت أن الإسرائيليين لم يترددوا مرة في تضييع أي فرصة لإثبات هذه المقدرة وذاك التفوق.
هذه الفوبيا الإسرائيلية الأمنية تأتي من رعب الإسرائيليين من مجرد التفكير بالهزيمة، وأكثر ما يخيفهم اليوم هو احتمال تكرار هزيمتهم في لبنان للمرة الثانية على التوالي.. مما قد يقلب استراتيجية الأمن القائمة على القوة العسكرية، والمعتمدة من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رأساً على عقب، وينسف مصطلح "الجيش الذي لا يقهر".. لا سيما أن قوة الردع التي يمتلكها حزب الله تتأكد من خلال تحريره للجنوب اللبناني أولاً، وعبر المواجهة الجديدة الدائرة اليوم ثانياً. فوعود السيد "حسن نصر الله" تتحقق وعداً بعد الآخر، وصواريخه تتساقط على المدن الإسرائيلية واحدة تلو الأخرى، وبشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. أما طريقة إدارة الصراع من قبل حزب الله فهي تثبت مدى التكتيك العسكري، وآفاق الفكر السياسي الذي يتمتع به قادة هذا الحزب.
إن ما يجري اليوم من أحداث يؤكد أن مصطلح "الجيش الذي لا يقهر" ليس أكثر من كذبة اخترعها الإسرائيليون وصدقوها، ثم صدّروها وروجوا لها حتى صدقها العرب أيضاً، وباتت من المسلمات غير القابلة لأي شك. لكن مدرسة التاريخ تعلمنا أن لا وجود لجيش لا يقهر، وأن أقوى الجيوش وأعظم الإمبراطوريات سبق وأن هُزمت واندثرت بقوة الحق والإيمان والإرادة.. كما أن قوة إسرائيل لا تنبع من أمر واقع بالفعل بقدر ما هي انعكاس لضعف العرب وتخلفهم في شتى المجالات.
لا شك أن إعلان الأمين العام لجامعة الدول العربية "عمرو موسى" أن عملية السلام قد ماتت هو انعكاس لواقع الحال، وإقرار بهزيمة جميع مشاريع التسوية السلمية مع إسرائيل، وقد عبّر عن ذلك النائب الأردني السابق "ليث شبيلات" أفضل تعبير عندما رأى أن عملية السلام لم تولد أصلاً.. حتى تموت.
أما تحميل البعض حزب الله مسؤولية تدهور الأوضاع في لبنان فهو مردود على أصحابه، وقد سقط بعد انكشاف القناع الإسرائيلي من خلال ردّ الفعل العدواني غير المتناسب على الإطلاق مع عملية أسر الجنديين. والتطورات الأخيرة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن إسرائيل كانت تُبيّت استراتيجية ضرب لبنان وتستعد لتهديمه على رؤوس كل من يفكر بمقاومتها. كل ما في الأمر أن توقيت العدوان جاء أبكر قليلاً من الزمن المحدد لإطلاقه.
وإذا اعتبرنا أن المغامرات غير المحسوبة هي السبيل غير الملائم وأنها تجلب على العرب المزيد من الهزائم، فما هو السبيل الملائم إذاً كي يتمكن العرب من استرداد أراضيهم المحتلة وكرامتهم المهدورة يومياً.. لا سيما بعد أن أثبت الحكام العرب فشل جميع حساباتهم ومبادراتهم السلمية، وسقوط رهاناتهم على دور المجتمع الدولي في تحقيق السلام.. وأستذكر هنا قول أحدهم قبل أيام من الغزو الأمريكي للعراق أن لديه شعوراً قوياً بأن الحرب على العراق لن تقع.. لكن الحرب وقعت ودمّر العراق على مرأى ومسمع من توقع بأن الحرب لن تقع.
فلتسقط الحسابات الخاطئة وليسقط معها الذلّ والهوان والضعف والتخلف، ولتحيا "مغامرات" الشعوب المقاومة "غير المحسوبة"، لأن حسابات الأنظمة العربية لم ولن تثمر عن منح مجرد الشعور بالسلام لطفل فلسطيني أو عربي واحد.
فهل يصحو الحالمون والواهمون بإمكان تحقيق السلام مع عدو السلام الأزلي؟ ومتى يعي هؤلاء بأن ليس عليهم أكثر من أن يصمتوا ويترحموا على السلام؟! شادي جابر Shadi2000sa@yahoo.com