كوميديا 'تعقُّلنا' وتراجيديا جنونهم!

إلى إسرائيل يعود الفضل في مَنْعِنا، أي في منعهم، من التحدُّث عن ضرورة وأهمية تمييز "المقاومة الشرعية" من "الإرهاب"، فحكومة اولمرت فضَّلت، هذه المرة، أن تَنْظر إلى ما قام به حزب الله من عمل عسكري بطولي، عقلاني، مُتْقَن حتى في جانبه السياسي، على أنه "عمل حربي"، أي اعتداء من دولة مستقلة ذات سيادة هي لبنان على دولة مستقلة ذات سيادة هي إسرائيل.
بفضل امتناعها هذا امتنعنا، فدعونا إذ تسربلنا بحكمة تضر ولا تنفع إلى تمييز "المقاومة الشرعية" من "المغامرة غير المحسوبة" العواقب، وكأن المقاومة التي نفشل في إنهائها من خلال تصويرها على أنها "إرهاب" يمكننا وينبغي لنا أن ننجح في إنهائها من خلال تصويرها على أنها "مغامرة غير محسوبة" العواقب، مع أن المقاومة، أكانت في فلسطين أم في لبنان، بذلت جهدا جهيدا لجعل أعمالها العسكرية فوق الشبهات، لا يُرى فيها حتى بالمجهر الإلكتروني شيء من "الإرهاب".
إننا في زمن "الجنون الإسرائيلي"، الذي بين مطرقته وبين سندان "التعقُّل العربي" تقع شعوبنا وقضايانا القومية، فإسرائيل بات لديها من القوة، أي من الضعف العربي الذي هو من صنع أيادينا في المقام الأول، ما يسمح لها بشراء حقوقنا ومصالحنا وقضيانا القومية "الغالية جدا" بثمن بخس يشبه تلك الثلاثين من الفضة التي بيع بها المسيح، وما يرغمنا على أن نشتري "نصراً" صغيرا، وصغيرا جدا، عليها (كمثل أسر جندي واحد من جنودها في غزة أو أسر جنديين اثنين من جنودها في لبنان) بثمن غالٍ، وغالٍ جدا (كمثل تدمير البنية الأساسية والمنشآت المدنية الحيوية.. في غزة ولبنان).
إنني شخصيا لا أستطيع فهم نبذ "المغامرة غير المحسوبة" العواقب إلا على أنها نبذ لـ "المقاومة الشرعية" التي "يمجِّدون"، فماذا يبقى من مقوِّمات لـ "المقاومة الشرعية"، غير مقوِّم "الصلاة" و"الدعاء"، إذا كان القيام بعمل عسكري كمثل الذي قام به حزب الله يُعَدُّ "مغامرة غير محسوبة" العواقب، ولا يمت إلى "المقاومة الشرعية" بصلة؟!
هل "الحكمة"، أو "العقلانية"، تكمن في منع، أو امتناع، حزب الله عن القيام بمثل العمل العسكري الذي قام به حتى نكفي البنية الأساسية اللبنانية شر الجنون العسكري الإسرائيلي (الذي هو الوجه الآخر للتعقُّل العربي) أم في أن يُظْهِر "الحكماء" و"العقلاء" العرب، وما أكثرهم في زمن الجنون الإسرائيلي، من القوة السياسية والاقتصادية.. ما يمنع إسرائيل من الإفراط في جنونها العسكري؟!
قد تسألون "كيف؟" مع أن مصلحتكم لا تغريكم بأن تسألوا مثل هذا السؤال. ومع ذلك أجيبكم قائلا: قولوا للولايات المتحدة وللمجتمعين في سان بطرسبرغ إننا لن ندمِّر البنية الأساسية في إسرائيل، ولن ندعوها إلى أن تعيد بناء ما دمَّرته من البنية الأساسية في لبنان. نحن سنقوم بذلك؛ ولكننا نحتاج إلى المال، ولسوف نحصل عليه من خلال إجراءات تؤدي إلى رفع سعر برميل النفط . ويحق لكم، أيضا، أن تستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فلماذا لا تَحلون محل إيران في تسليح حزب الله؟! لماذا لا ترسلون، سرا، بعضا من صواريخكم إلى تلك الأيدي التي أثبتت أنها تُحسن الاستعمال العسكري والسياسي للصواريخ وغيرها من الأسلحة؟!
لقد قاموا بأعمال عسكرية تؤكِّد، كما تقولون، أن القائمين بها أناس لا يملكون ما تملكون من "الحكمة" و"التعقُّل"، وأنها، أي أعمالهم العسكرية، ليست سوى "مغامرة غير محسوبة" العواقب. ولكن، ماذا فعلتم حتى نقف مع "حكمتكم" و"تعقُّلكم" ضد "طيشهم" و"مغامرتهم"؟!
كل ما تفاخرون به من "حكمة" و"تعقل" لم يحل مشكلة شاليت بما يلبي ولو قليلا، وقليلا جدا، مطالب فلسطينية محقَّة وعادلة. لم يُمكِّنكم من أن تجعلوا جامعة الدول العربية "أونروا" تُرسل الطحين والدواء إلى شعب يُقتل ويجوَّع ويُعطَّش من أجل أن يشبهكم، "حكمة" و"تعقلا". ولم يمكِّنكم من أن تحموا "بيان الحكمة"، أي مشروع القرار العربي، من جنون "الفيتو". حتى "آيتكم" في بيروت، أي مشروع السلام العربي، داستها إسرائيل، وداسها حتى الذي دعاكم إلى كتابتها، وصوَّر لكم عجزكم الذي بمداده كُتِبت على أنه "إعجاز سياسي".
أنتم لم تُخلقوا لا للحرب ولا للسلام. عن قتال إسرائيل كنتم تمتنعون؛ واليوم تريدون منع غيركم من قتالها. أما النتيجة المترتبة على ذاك "الامتناع" وهذا "المنع" فهي أنكم أصبحتم أنتم، وليس إسرائيل، العقبة الكبرى في طريق السلام!
بالله عليكم لا تعملوا في سبيل تمكين إسرائيل من القضاء على حزب الله لتتمكَّنوا بعد ذلك من القول: ألَمْ نَقُل لكم كان عمله مغامرة غير محسوبة العواقب؟! جواد البشيتي