الشباب والتسطيح الثقافي

بقلم: فاطمة البريكي
الموسيقى تحكم الكثير في سلوك الشباب

يعيش شبابنا موجة تهميش وتسطيح ثقافيين، فهم محاصرون بالغث من كل جانب، ولا يكادون يرون سمينًا أبدًا، مما جعلهم منكبّين على الغث، مستمتعين به، آلفين له، غير مستنكرين لأي شيء فيه. وفي المقابل فإنهم معرضون عن أي شيء خارج دائرة هذا الغث، وإذا أجبرتهم الظروف على معايشته للحظات فإنها تكون عليهم أطول من الدهر، ولا يبقى شكل من أشكال الرفض، أو لفظة من ألفاظ التذمر، أو وسيلة من وسائل التهرب والتملص إلا تخطر على بالهم خلال تلك اللحظات.
ووسائل التسطيح الثقافي المحيطة بنا كثيرة جدا، ومعظمها قابل لأن يكون وسيلة تثقيف أو وسيلة تسطيح ثقافي في آن، ولكن كثيرًا من شبابنا –للأسف- يميلون إلى استثمار الجانب الثاني منها فقط، وإغفال الجانب الأول الذي يبدو في نظرهم كئيبًا أو داعيًا إلى الكآبة، وثقيلا على العين والقلب والروح.
ولكثرة هذه الوسائل سأتوقف عند أشهرها، كالبرامج الإذاعية، وبرامج الفضائيات، وشبكة الإنترنت، والمسابقات الترفيهية.
إن جانب التسلية والاستمتاع وتزجية الوقت بأكثر الوسائل ترفيهًا هو الغالب على علاقة شبابنا بهذه الوسائل، مع إغفال الجانب الأهم، وهو جانب الفائدة، نتيجة إعراضٍ متراكم في نفوسهم منذ سنوات تنشئتهم الأولى التي أهملت هذا الجانب، أو لم تمنحه قدرًا كافيًا من الاهتمام، لأي سبب كان.
ولا يمكن الزعم بأن الشباب هم المسؤولون عما هم عليه من ضحالة ثقافية، مصحوبة بإعراض يصل حدّ الاشمئزاز أحيانًا من كل ما هو ثقافي؛ لأنهم كما قال شاعرنا القديم:
وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوّده أبوه
فهم لم يختاروا أن يكونوا كما هم اليوم، إنما نشؤوا على هذا، وكبروا ووجدوا أنفسهم لا يعرفون شيئًا عن الثقافة، ولا يجدون فيها ما يجذبهم أو يثير فضولهم أو حب استطلاعهم، فمن الطبيعي ألا يستجيبوا بعد ذلك لأي محاولة لجذبهم إلى هذا الفضاء الغريب عليهم.
كما أنه من الطبيعي أن يكون ميل الأطفال والناشئين والمراهقين وحتى الشباب إلى الألعاب والموسيقى والرياضة والمسابقات أكثر من ميلهم إلى القراءة والمطالعة والكتابة ومتابعة البرامج الإذاعية أو الفضائية الهادفة، ولكن ماذا عن أولئك الذين يمتلكون نواة ثقافية تحتاج إلى من يرويها وينميها ويعطيها من وقته واهتمامه ورعايته لتخرج من تحت السطح إلى أعلاه، وتتخذ لنفسها مكانًا بين غيرها من المتشابهين والمختلفين عنها؟ إنهم –للأسف- لا يجدون الرعاية ولا الاهتمام اللذين يحتاجون إليهما، فتُدفَن تلك الموهبة وتلك الرغبة وذلك الشغف -الذي قد يتولد في نفوسهم في مرحلة مبكرة وحرجة من عمرهم- في المهد، ليس لعدم توافر الرعاية فقط، إنما أيضًا بسبب المغريات الكثيرة التي تحيط بهم من كل حدب وصوب، مما يضيع الموهبة الأدبية في غياهب هذه المغريات المتنوعة.
ولو توقفنا عند بعض الوسائل السابقة الذكر سنجد أنها تشترك فيما بينها في أنها وسائل مفيدة للأطفال والمراهقين والشباب والناضجين على حد سواء، إن أُحسِن استثمارها، وضارّة –أو على الأقل غير نافعة- إن أُسيء استخدامها، لأنها تستهلك الوقت دون أن تقدم فائدة حقيقية. إن الاحتمالين واردان ومتوافران، وتقع مسؤولية الاختيار على الفرد ذاته إن كان في سن يسمح له بالاختيار، أو على أولي أمره إن كان في سن لا يسمح له بالاختيار الصحيح والموفّق.
البرامج الإذاعية -على سبيل المثال- تقدم كل شيء، ابتداء من البرامج الترفيهية، وصولا إلى الدينية، مرورًا بالثقافية، والعلمية، والإخبارية، ولكن كثيرًا من القنوات الإذاعية تجعل للبرامج الترفيهية والغنائية نصيب الأسد من ساعات بثّها، ولا يكاد المستمع يجد فيها ساعة واحدة تقدم له المعلومات الثقافية أو التعليمية، ولعل السبب في هذا هو جذب أكبر عدد ممكن من المستمعين على حساب أي شيء آخر؛ فماذا يمكن أن يستفيد المراهق أو الشاب بالتواصل أربعًا وعشرين ساعة مع قناة إذاعية تتيح له الاستماع إلى الأغاني وإرسالها إهداءاتٍ لمستمعين آخرين طوال اليوم؟! أليس هذا هدرًا لوقت الشباب الذين يبحثون عن المتعة دون أن يجدوا من يبصّرهم بأهمية الوقت، وبأنه كالسيف إن لم يقطعوه قطعهم؟ وأن هذه المتعة تأخذ من وقتهم ولكنها لا تعطيهم شيئًا في المقابل؟
الأمر نفسه يُقال على البرامج الترفيهية التي تتيحها كثير من الفضائيات. لقد كانت هذه البرامج تعتمد في السابق على المادة المعرفية التثقيفية التي تقدمها للجمهور، والتي يكسب فيها المشترك الجائزة بحسب معلوماته العامة أو المتخصصة على حسب طبيعة البرنامج نفسه، فلا يُقْدِم على المشاركة في هذه البرامج إلا من يأنس في نفسه ثقافة معرفية تخوله لخوض غمار معركة ثقافية علنية أمام الملأ، فيتميز أصحاب الثقافة العالية عن غيرهم. ولكن الذي يحدث الآن هو هرج أقرب إلى الجنون؛ فالكثير من الفضائيات تقدم برامج لا علاقة لها بالثقافة ولا بالمعلومات العامة، تقدمها مذيعات لا حظ لهنّ لا من ثقافة، ولا من جمال، ولا من سرعة بديهة أيضًا، كما أن مهاراتهن القرائية ضعيفة غالبًا، مما يجعل هذه البرامج غثّة، ثقيلة، والغريب أنها تجد من يتفاعل معها، ويتصل بها، ويشترك فيها، ليصبح كل أفراد المجتمع –بميزان هذه البرامج- مثقفين.
ومن المعروف أن كثيرًا من الفضائيات الهادفة تقدم برامج هادفة، ولكن عدد المتفاعلين معها لا يكاد يُقارَن بأعداد المتفاعلين مع كثير من الفضائيات الأخرى التي تقدم برامج لا يبدو أنها تبيّت خيرًا لشبابنا.
أما المسابقات الترفيهية الفنية المتنوعة التي تُقام في مهرجانات خاصة، وترصد لها ميزانيات ضخمة تعادل –أحيانًا- ميزانيات بعض الدول، وتُوزَّع فيها الجوائز دون حساب فلا يبدو أنها تقدم فائدة حقيقية للشباب المشاركين فيها، ولا لذويهم، ولا لمجتمعهم، بل على العكس من هذا، فإنها تشغلهم عن الاهتمام بالأمور الجادة، والمهمة، كدراستهم ومستقبلهم، وتفتح أعينهم على ما لا فائدة منه، وربما تكون أضرارها عليهم أكثر بكثير من فوائدها.
وإذا أخذنا في الحسبان أننا لا نزال في طور البناء المجتمعي، فإننا سندرك أننا لا نزال في حاجة شديدة وماسّة إلى وجود بناة مجتمع في التخصصات العلمية والإنسانية والتربوية المختلفة، لأن هؤلاء هم الأساس في بناء المجتمعات ونهضة الدول، ثم تأتي مرحلة الترف المجتمعي التي نعيشها الآن، وتشغلنا وتشغل شبابنا عن الأمور الأساسية والجوهرية في حياتهم وفي مستقبل مجتمعهم؛ فهذه المسابقات تعدّ –في رأيي- شكلاً من أشكال التسطيح الثقافي الذي يتعرض له أبناؤنا، جعلت هدف الكثيرين منهم أن يصبح فنّانًا، وليس شرطًا أن يمتلك الموهبة في زمننا هذا، فكل من يظهر على الشاشة ضمن نمط معين يمكن أن يصبح فنانًا، وأن يحشد عددًا من المعجبين والمعجبات الذين أصبحوا أيضًا لا يميزون بين الغث والسمين في ظل وفرة الغثّ وندرة السمين.
وإذا انتقلنا إلى فضاء العالم الافتراضي، سنجد أن شبكة الإنترنت نفسها تقدم كل شيء، وتغري بكل شيء، ولكنها بحر خضم، لا ينجو منه إلا المبحر الماهر فقط، والمهارة هنا لا تُقاس بالثقافة الحاسوبية التي يتمتع بها المبحر في الشبكة، ولا بعدد المواقع التي يعرفها، ولا بعدد من يعرف من خلال منتدياتها ومواقعها وبرامج المرسال الكثيرة فيها، إنما تُقاس بنوع ما يعرفه فيها ومن خلالها من مواقع وأشخاص، وبطبيعة اهتماماتهم، وبدورهم الحقيقي في مجتمعاتهم الواقعية والافتراضية في آن.
ومما لا شك فيه أن هذه الشبكة تمثل بؤرة مغريات من كل الأصناف والأنواع الممكنة، وقد أصبحت متاحة جدًا، وشبه مجانية، يستطيع معظم أفراد المجتمع الوصول إليها والاشتراك فيها، ومن أي مكان خاص أو عام يمكن لأي فرد الاتصال بها، مما يعني سهولة الاتصال بالعالم كله، بكل ما فيه من منافع ومضار، وبكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات، في لحظة، وبمقابل لا يكاد يُذكر.
ومع كل هذا اليسر وهذه المجانية في الاتصال بالشبكة في مجتمعنا على الأقل، فإننا نفاجأ بأن عدد الذين يقضون ساعات طويلة متواصلة أمامها لا يفعلون شيئًا مفيدًا غالبًا، فهم يتنقلون بين غرف الدردشة، ومواقع الأغاني والفيديو كليبات، ومواقع الألعاب الإلكترونية، مختزلين فوائد هذه الشبكة التي تأبى أن تُحصى في هذه الأمور السطحية التي تقع على هامش الفوائد الجمّة التي تتيحها.
وأمام هذا التواطؤ العلني والمضمر على شبابنا، وعلى كل ما من شأنه أن يجعل منهم عدّة حقيقية للمستقبل، هل يكفي أن نقف مكتوفي الأيدي، مكتفين بالمشاهدة أو بالرفض الكلامي؟
إن علينا التفكير جديًا في كيفية إنقاذ شبابنا من هجمة التسطيح الشرسة التي يتعرضون لها في عصر منفتح بمكرٍ، يغريهم بأنهم يستطيعون أن يكونوا كما يريدون، ولكنه لا يترك لهم فرصة أن يكونوا كما يريدون حقيقة، كما أنه لا يترك لهم فرصة أن يعرفوا ماذا يريدون أن يكونوا، أو كيف يكونوا كما يريدون، لأنه يقدم لهم من المغريات ما لا يدع لهم مجالا للتفكير في شيء آخر غير ما يُقَدَّم لهم. فاطمة البريكي
جامعة الإمارات sunono@yahoo.com