كأس العالم: دروس للحكومات والشعوب

بقلم: فرانسوا باسيلي

ما الذي يجعل لعبة كرة القدم تحظي بذلك الهيام الجنوني من كافة شعوب الارض قاطبة – باستثناء الشعب الامريكي – وبدرجة تجعل هذه الشعوب تنحي كل شيء جانبا لمتابعة مباريات كأس العالم – بالاضافة الى مباريات انديتها المحلية؟
لكل ظاهرة طبيعية او انسانية – اجتماعية أسبابها. فما أسباب القوة السحرية للظاهرة الكروية؟ وكيف إستطاعت البشرية التي لم تجمع على شيء آخر في تاريخها – فهي لم تجمع على دين ولا مذهب سياسي ولا نظام إقتصادي ولا لغة ولا ثقافة ولا مبدأ ولا أي شيء آخر واحد وحيد، أن تجمع على العشق الجنوني لهذه اللعبه الفريدة؟
ولماذا يشذ المجتمع الامريكي وحده عن هذا العشق؟
إن لعبة كرة القدم مسألة بالغة الجدية – وهي ليست "لعب عيال" بالتعبير المصري، ولذلك تستحق منا أن نقوم بدراستها دراسة مقارنة محللة لا تقل عن دراستنا المقارنة للأديان أو المذاهب السياسية والاقتصادية – أو للظواهر الطبيعية والأعراض النفسية. إن أي أمر يشغل الجماعة الانسانية بهذا القدر ويأخذ منها كل هذا الوقت والاهتمام والاستثمار والمناقشة والحزن والفرح بل والهوس الجماعي يستحق أن نفهمه ونستوعب اسبابه وخصائصه لكي نفهم – عن طريقه – أنفسنا وطبيعتنا البشرية بشكل أعمق وأكمل. العدل في الأرض يكمن السر الفلسفي الأساسي في هيام البشر بلعبة كرة القدم أنها تحقق للبشرية حلمها الإنساني القديم في تحقيق العدل المطلق على الارض. فالإنسان بكل عبقرية إنجازاته الحضارية حتى اليوم
لم يستطع أن يحقق العدالة الكاملة المطلقة في أي مجتمع بشرى. فرغم الاديان والمبادئ والقيم
والقوانين المختلفة التي تطمح الى تحقيق أقصى درجة من العدالة في الارض تظل
قوى مناوئة كثيرة تمنع ذلك.. إذ يظل الغني والقوي في معظم الآحيان فوق العدل و خارج القانون. وتظل السرقة والبلطجة والعنف والجريمة والخديعة والمحسوبية والرشوة والجبن والخسة تعمل جميعها على النبل من سلطة العدالة وتمنع تحقيق حلمها النبيل على الارض.
أما في لعبة كرة القدم فيجلس عشرات الالوف من البشر في مدرجات ملعب مكشوف - ويتابع الملايين من الاخرين على شاشات التلفزيون، لعبة محكومة بمنظومة علنية من المبادئ والقواعد والقوانين متفق عليها من الجميع، يخضع لها جميع اللاعبين بنفس الدرجة وبنفس القياس، وتطبق فيها القوانين بشكل مكشوف وبصرامة لا ترحم، وينزل فيها الثواب والعقاب في نفس لحظة الفعل وليس بعده بسنوات وسنوات، ويكون فيه الفوز للأصلح فقط، للكفاءة والتفوق والمهارة والاجتهاد فقط – فهنا لا تنفع محسوبية ولا تجدي واسطة، ولا تنفع القربي لأمير أو لوزير. فاللاعب الماهر يفوز ولو كان ابن غفير فقير. واللاعب السيئ يخسر ولو كان ابن ملك. فهنا تنتفي كل العوامل التي تفرق تفريقا ظالما بين البشر، وتسقط القوة والسلطان والنفوذ وتصبح بلا قيمة ولا جدوى. ونجد أمامنا حالة إنسانية فريدة باهرة تنتصر فيها الكفاءة وحدها، ويتحقق العدل على الأرض بشكل مطلق نقي مجرد من الشوائب والمثالب. الإنسانية المثالية بجانب تحقيق لعبة كرة القدم للعدل في الأرض. توحد اللعبة بين الإنسانية جمعاء في اطار واحد من المثالية التي تلغي كافة العوامل التي تفرق بين البشر.. من ايدلوجيات ومعتقدات ومذاهب وأديان. ففي ساحة الملعب يقف – أو يجري – الجميع على قدم المساواة المطلقة، فالملعب لا يعرف مسيحيا ولا يهوديا ولا مسلما ولا بوذيا ولا ملحدا. الجميع سواسية امام العدالة الكروية المطلقة.
وكرة القدم لعبة لا تتدخل فيها الآلهة، وقد يصلي اللاعب قبل المباراة عشرات المرات، ويسجد مئات الركعات ويقدم الغالي والثمين من المحرقات والقرابين فتذهب كلها دون جدوى امام الالهة التي هي أحكم وأعظم من أن تتدخل لصالح هذا اللاعب أو خصمه لمجرد انه يحاول رشوتها بركعتين هنا او قرابين هناك.
وليرسم اللاعب على وجهه علامة الصليب كما يحلو له فلن يجديه هذا شيئا.
فنحن امام نظام كروي صارم العدالة بالغ الكمال ورفيع المثال، لا تجدي معه محاولات الانسان البائسة في رشوة قوي الغيب بالصلوات او الادعية لتتدخل لصالحه فتعفيه من تبعات العمل الشاق والاجتهاد الدائب المتصل الذي هو وحده طريقه للنجاح والفوز.
وهكذا يأتي البشر أفرادا وفرقا وجماعات من دول اسلامية او عبرية – فارسية او عربية او لاتينية، ديمقراطية او ديكتاتورية، علمانية او دينية، رأسمالية او اشتراكية او اقطاعية، فاذا بكل مذاهبهم وايديولوجياتهم وعقائدهم تتساقط عنهم ليقفوا في النهاية عرايا الا من فانلاتهم الملونة على أرض ملعب لا تجدي فيه مذاهبهم شيئاً. فهنا يقف الانسان انسانا مجردا، انسانا مطلقا كاملا، فريدا، وحيدا. فتتحقق له انسانيته المطلقه الممثلة فيما يقدمه هو كإنسان وكموهبة، وليس كوعاء ديني او مذهبي او سياسي. حتى حين يموت الانسان، يموت مسربلا بأرديته الدينية والاجتماعية والطبقية التي لا تتخلى عنه ولا تعتقه منها حتى في موته. فقط حين يلعب كرة القدم يتجرد من قبيلته ودرجات طبقته و مراسم ثقافته ويقف إنسانا حرا كاملا متساويا مع كل إنسان آخر مع كل لاعب وكل متفرج آخر في طقس كروي مثير تتجلى فيه كما لا تتجلي في اي طقس آخر إنسانيته المثالية الحرة الفريدة. العولمة المحبوبة إختلف البشر حول مفهوم العولمة الاقتصادية والسياسية فدافع عنها البعض وهاجمها الاخر. وتخوف منها آخرون. واتهموا مروجيها بالدوافع الاستعمارية العدوانية وخشوا معها فقدان هويتهم وذواتهم. إلا في لعبة كرة القدم. فقد حققت الكرة فلسفة العولمة في كامل ابعادها ولم يعترض عليها أحد ولم يشكك فيها أحد. وتدافعت دول العالم حكومات وشعوبا ترغب الدخول في العولمة الكروية بكاملها دون تعديل يلاءم طبيعتها المحلية. أقبل الجميع – مثقفين وأميين – أغنياء وفقراء، اذكياء وبسطاء.. على هذه العولمة الكروية المدهشة فدخلوا فيها أفواجا دون تردد او تخوف او تشكك. فأثبتوا بذلك وحدة الموهبة البشرية وإمكانية النظام الانساني الواحد. فلم يقل أحد أن نظام الجزاء الكروي قد يناسب المانيا ولا يناسب أنجولا.
وهاهو النظام الكروي العالمي الجديد يقدم لنا مفهوما متحررا للمواطنة والانتماء. فإذا بنا نشاهد الفريق السويدي يلعب بحارس مرمي من اصل مصري اسمه رامي شعبان. وإذا به يصد كرة خطيرة كانت تهدد مرماه السويدي فيهتف له الجمهور السويدي الحاشد ملوحاً بالأعلام السويدية صارخين: رامي.. رامى! رامى.. رامى!!
وهكذا نجد الفرق العربية والأوروبية واللاتينية تستعين بلاعبين ومدربين من دول آخري تختلف في الدين والشكل واللغة والثقافة، ولكن تنتمي مثلهم للنظام الكروي العالمي الواحد، للعولمة الكروية التي حطمت الحدود وأذابت الفروق الشوفينية ومحت الإختلافات الجنسية والقطرية وأدخلت الجميع في عولمة إنسانية شاملة. السلام والجمال بجانب تحقيق العدالة والمساواة على أرض الملعب الكروي وما يثيره هذا من أشواق الجمهور في رؤية نفس هذا العدل المطلوب والمساواة الكاملة تتحقق في حياتهم على الارض، تحقق لنا كرة القدم أحلام الإنسان الآخري في السلام والجمال. ففي كأس العالم 2006 بألمانيا رأينا فريق ساحل العاج يحقق على أرض الملعب وحدة وطنية لا تعرفها بلاده التي تعاني من حرب أهلية رهيبة تسيطر فيها الحكومة على نصف البلاد ويسيطر المتمردون على النصف الآخر. ولكن أمام سطوة كرة القدم ومثاليتها الشاهقة وتبشيرها بروح انسانية أجمل وأنبل. نجد ساحل العاج يتوحد بشطريه المتحاربين في مساندة فريقه الدولي. فيكف عن القتال لفترة تسمح للفريق بالتجمع من أطراف البلاد للتدريب. وتسمح للجميع بالاستمتاع بمشاهدة الحدث الدولي الأرفع. فيتحقق بذلك السلام المفتقد.فتقدم كرة القدم النموذج الأجمل للصراع الحضاري السلمي والمنافسة الشريفة الحرة التي تخلو من أساليب العنف والبطش والحروب.
كما تقدم الكرة لعشاقها جرعة من الجمال البديع الذي يثيره الابداع الفني في لعب كرة القدم، من خطط الدفاع والهجوم الى القدرات والمهارات الفنية الفردية الى اللعب الجماعي وعمل الفريق الى الجماليات التشكيلية لحركة الفريقين الى فنون المراوغة والترقيص والسبق والتسديد والصد والرد والتحكم في الكرة وفي الجسد وضبط الايقاع وتسخير القدرات البشرية للقوانين الطبيعية للسرعة وللوقت..عملا بمبادئ علم التوقيت والتحرك الذي درسناه في هندسة القاهرة على يد عالمنا الجليل المهندس الدكتور حسن فهمي – وهو العلم – والفن – الذي ورثته عنه ابنته المبدعة فريدة فهمي الراقصة الاولي لفرقة رضا للفنون الشعبية في ستينات مصر الذهبية – وهكذا نجد الجمال في كل شيء على الأرض، في العلم وفي الفن وفي كرة القدم، فإذا كانت العلوم والفنون هي مجالات إشباع الرغبة في الجمال لدي الخاصة والمتعلمين، فإن كرة القدم هي مجال إشباع التوق الى الجمال لدي عامة البشر أجمعين.
لقد إستطاعت كرة القدم أن تحقق السلام والجمال على الأرض، ففي منظومة الأخلاق الكروية لا توجد دار حرب ودار سلام، ولا يوجد مؤمنون وكفار، ولا يوجد أنصار إسلام ولا أعداء الله، ولا يوجد وطنيون وعملاء خونة، ولا يهبط فرد الى أرض الملعب فيستحوذ عليها لسنوات طوال ثم يورثها لإبنه من بعده، ولايستغل غوغائي الدين في ترهيب البسطاء وترويع الابرياء، ولا يستغل غني ماله ولا قوي نفوذه للحصول على ما ليس من حقه.
ان جنة النصر في عالم كرة القدم لا يدخلها الذين يحاولون رشوة السماء بالدعاء ولا الهاربون من أعباء التدريب الشاق منفقين أوقاتهم في التقرب الى آلهة الكرة من أعضاء الفيفا بتقديم إبتهالات المديح أو رشوتهم بالمال كما حاول بعض المسئولين في مصر فعاقبتهم آلهة الكرة العادلة بمنحهم صفراً كاملاً وطردهم من جنة الحالمين بتنظيم الدورات العالمية التي لا يدخلها سوي المجتهدون بالعرق والموهبة. الشذوذ الأمريكي كيف إذن نجد المجتمع الأمريكي وحده يشذ عن بقية المجتمعات العالمية في موقفه البارد من كرة القدم؟ ورغم تقديمه هذه اللعبة لأطفال المدارس حتى الإعدادية، فسرعان ما تختفي اللعبة في المدارس الثانوية والجامعات والحياة العامة والإعلام. رغم محاولات البعض المستميتة طوال العقود الماضية لبعث هذه اللعبة في الحياة الأمريكية. وليس الامر أن الأمريكيين لا يعشقون الرياضة، فهم يعشقون العاب البيسبول والفتبول (الأمريكية) والباسكتبول والهوكي. ونجد أن المجتمع الأمريكي يصر على تسمية لعبة كرة القدم المعروفة في العالم كله بهذا الاسم اسما غريبا مختلفا هو (ساكر) SOCCER فيما يسطو على إسم كرة القدم ليسمي بها لعبة أخرى هي في أساسها لعبة الرجبي البريطانية التي لا تلعب فيها القدم دورا بارزا على الاطلاق فيسمى هذه كرة القدم. فلماذا هذا الاختلاف المتعمد الغريب؟
ربما تقع الاجابة في ان المجتمع الامريكي – منذ بداية تكوينه – هو مجتمع تعمد الاختلاف الجذري عن المجتمعات الأوروبية القديمة التي جاء منها. وليس صدفة أن وصفت أمريكا بأنها "العالم الجديد" فقد أراد المهاجرون الهاربون من العالم القديم بكل عاهاته وتقاليده التي إضطهدتهم وقهرت حرياتهم الدينية والفردية والفكرية أن يبنوا لهم عالما جديدا في كل شئ. بما في ذلك العابهم الرياضية المفضلة.
وليس صدفة أنه ظهرت في هذا العالم الجديد ظواهر اجتماعية وانسانية فريدة لم يعرفها العالم القديم.
فقد قام المستوطنون الجدد بإبادة المستوطنين الأصليين – الهنود الحمر- بشكل لم يمارسه غزاة لأرض قبلهم. كما كون المهاجرون الجدد شخصية إنسانية فريدة لم تعرفها البشرية من قبل هي شخصية الكاوبوي أو راعي البقر- بما تنفرد به من فردية مفرطة ونزعة للكشف والنزوح وتوسيع الأرض المملوكة وترويض الحيوانات الوحشية والاعتماد على العنف والسلاح كلغة تسبق الكلمات والنفور من العاطفية والضعف واعلاء القيم الذكورية. ثم قام المهاجرون الاوائل بعد ذلك بالاعتماد بشكل مفرط على نظام العبودية فقاموا بخطف او شراء البشر من إفريقيا واستعبادهم ومعاملتهم معاملة الحيوانات في العالم الجديد.
كرست هذه الممارسات المبكرة في المجتمع الأمريكي نزعات النرجسية واعتماد العنف والفردية المفرطة وتسخير الآخر من أجل الذات والملكية التوسعية ورفض القديم وتحقير عاداته وتقاليده. ولايعني هذا كله أنه لم تظهر في المجتمع الامريكي قوي مناقضة لهذه تناصر العدل والمساواة والاخاء.. ولكن هذه جاءت كلها متأخرة في التكوين التاريخي للنفسية الجمعية الامريكية. وراحت تتصارع معها صراعا مريرا بلغ ذروته في الحرب الأمريكية الأهلية ثم أستمر حتي مرحلة تحرير السود وتحرير المرأة في الستينات والسبعينات من القرن العشرين. وبعدها راح المجتمع الامريكي يسابق ثم يسبق نظيره الاوروبي في ارساء قواعد المجتمع العادل المتحرر المحترم للانسان وحقوقه.
في اطار هذا المفهوم للتفرد الاجتماعي نجد من الطبيعي ان تدفع رغبة التفرد بالانسان الامريكي الى تأسيس رياضة جديدة خاصة به هي كرة قدمه هو وليس كرة قدم اجداده الاوروبيين. كما نجد من الطبيعي ان تكون هذه اللعبة الجديدة معتمدة على تمجيد واضح للقوة والضخامة الجسدية المفرطة بما يصحبها من عنف جسدي في الجوهر والمظهر.
ولعل من الملفت ان فريق النساء الامريكي قد سبق الرجال في العودة الى كرة القدم العالمية حيث حاز على بطولة العالم. كما نجد من الطبيعي ان يكون للمرأة الأمريكية السبق في هذا لأن خصائصها الأنثوية الأكثر نزوعاً للسلام والإخاء والانسانية والأكثر رفضاً للعنف والعدوانية تجعلها المرشحة للسبق في رفض كرة القدم الامريكية المعتمدة على القوة الجسدية المفرطة وتفضيل كرة القدم العالمية المعتمدة على الجماليات الرومانسية والسلام والعدالة والعولمة الانسانية في منظومة تقبل الآخر وتخضع للنظام العالمي ولا ترفضه وتشذ عنه كما فعلت السياسة الامريكية في خروجها على اجماع العالم في إحتلالها المأساوي للعراق.
وكم في كرة القدم من دروس للحكومات والشعوب والأفراد. فرانسوا باسيلي
كاتب من مصر يقيم بنيويورك fbasili@gmail.com