سوريا.. إيران.. وحزب الله.. أكثر من سيناريو

بقلم: شادي جابر

رغم أن التقرير الأخير لرئيس لجنة التحقيق باغتيال الرئيس الراحل "رفيق الحريري" لم يخلص إلى معطيات جديدة فيما يخص الكشف عن المتورطين بارتكاب هذه الجريمة النكراء، فإن هذا التقرير الذي يحمل الرقم "4" أعاد عملية التحقيق إلى نقطة الصفر، ووضع الكرة في منتصف الملعب معيداً المباراة إلى مطلع شوطها الأول ومعلناً نعي تقريري الرئيس السابق للجنة "ديتليف ميليس".
الفوارق بين "ميليس" و "براميرتز" واضحة وضوح الشمس.. فالأول لم يكن دقيقاً ولا مهنياً من الناحية القضائية بتقييم الكثير من المختصين في السلك القضائي بما فيهم قضاة ومحققون ألمان، فضلاً عن اتفاق الناس العاديين بمختلف اختصاصاتهم على استغلال الولايات المتحدة لجريمة الاغتيال.
افتقرت تقارير "ميليس" إلى الأدلة والبراهين واستندت إلى أقوال شهود من اتجاهات وتيارات سياسية، فحملت طابعاً سياسياًَ أكثر منه جنائياً.. بينما اعتمد "براميرتز" منهجاً مغايراً لسلفه فانطلق من أسس موضوعية مهنية تقوم على تجميع الأدلة والمعطيات المتوفرة عن الجريمة وأبعادها ودوافعها، ومن ثم استكشاف خيوطها من خلال تراكم تلك المعطيات والأدلة وصولاً إلى وضع مشهد مكتمل لعملية الاغتيال.
أما النقطة الأهم فكانت انطلاق "براميرتز" من أكثر من احتمال وفرضية في المبدأ العام لتحقيقاته، وهذا ما كشفه التقرير الأخير الذي وضع فرضيات ودوافع متعددة لعملية الاغتيال، فيما اعتمد "ميليس" على فرضية واحدة هي تورط ضباط سوريين ولبنانيين كبار مستبعداً الفرضيات والاحتمالات الأخرى.
وفي هذا السياق جاء اكتشاف الجيش اللبناني للشبكة الإسرائيلية في لبنان، ليثير الكثير من الجدل حول حقيقة الدور الإسرائيلي في لبنان، ويطرح العديد من التساؤلات حول احتمال وجود شبكات أخرى مماثلة.
ما أعلن عنه حتى الآن أن الشبكة الإسرائيلية التي يترأسها "محمود رافع" نفذت بالفعل عمليات اغتيال لقياديين لبنانيين في حزب الله، إضافة إلى اغتيال فلسطينيين في الجبهة الشعبية القيادة العامة "كجهاد" نجل أحمد جبريل، وآخر هذه الاغتيالات كان تفجير سيارة "محمود المجذوب" القيادي في حركة الجهاد الإسلامي.
اللافت في هذه الحادثة أن اعترافات "رافع" كشفت عن اشتراك طائرة استطلاع إسرائيلية في تنفيذ عملية اغتيال "المجذوب"، وهذا ليس مستغرباً إذا ما علمنا أن الأجواء اللبنانية لم تخلُ يوماً من الطائرات الإسرائيلية التي تخرق جدار الصوت في لبنان من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه، حتى بات الأمر شيئاً عادياً تعايش معه اللبنانيون.
في ظل تلك المعطيات الجديدة لا يمكن استبعاد احتمال تورط إسرائيل في عملية اغتيال الرئيس الراحل "رفيق الحريري"، لا سيما أن تسلسل الاغتيالات بدءاً بمحاولة اغتيال الوزير "مروان حمادة" ثم اغتيال الرئيس "الحريري" وصولاً إلى اغتيال الصحفي والنائب "جبران تويني" يؤشر إلى عطايا ثمينة حصل عليها الجانب الإسرائيلي أكثر من أي طرف آخر.
ويبقى استكمال تنفيذ القرار "1559" الجانب الأكثر أهمية عند الإسرائيليين.. وإن كانت عملية تصفية الرئيس "الحريري" كلفت السوريين الخروج من لبنان تطبيقاً للشق الأول من القرار فإنها لم تكن كافية لتنفيذ الشق الثاني المتمثل بنزع سلاح "حزب الله" والفصائل الفلسطينية في لبنان حتى الآن.
ربما تكتمل الصورة ولا يبقى منها سوى أجزاء صغيرة فيما لو عدنا إلى تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين في تعليقهم على القرار "1559" مثل "شمعون بيريز"، و"سيلفان شالوم" حين أشادا بالقرار وأشارا إلى الدور الإسرائيلي والجهود الكبيرة التي بذلت لاستصداره، ما أحرج البيت الأبيض حينها ودفعه إلى الطلب من المسؤولين الإسرائيليين عدم الخوض في هذا الموضوع.
أكثر ما يثير الهواجس الإسرائيلية هو تلك العلاقة الوثيقة التي تربط حزب الله بإيران، وهذا ما قد يدفع البيت الأبيض إلى منح الإسرائيليين الضوء الأخضر للغداء بحزب الله قبل أن يتعشى بهم على المائدة الإيرانية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال الإقدام أو مجرد التفكير بضرب إيران دون إقصاء حزب الله عن معادلة الصراع.
وبين حزب الله وإيران تقف دمشق محاولة التمسك بأوراقها، ومدركة لأهمية تلك الأوراق في البازار الأمريكي، ولكن الفرق بين سوريا وإيران أن الأولى لا تردد عبارات مثل محو إسرائيل عن الخارطة... وغيرها من عبارات "نجاد" الشهيرة، فيكفي سوريا أن تنسحب إسرائيل من أراضيها في الجولان لتوقع اتفاق سلام معها.. وهذا ما طرحه مؤخراً رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "إيهود باراك" كجزء من تسوية مع سوريا لفك المحور الإيراني السوري، وذلك خلال اجتماع مع رئيس الحكومة الجديد "إيهود أولمرت" ونظرائه السابقين، وربما جاءت زيارة الرئيس السوري إلى "القاهرة" في هذا السياق.
إن الهدف الإسرائيلي الأمريكي الحالي يتمثل في منع إيران من المضي قدماً لامتلاك السلاح النووي من جهة، وتنفيذ الشق الثاني من القرار "1559" من جهة ثانية، ولا يمكن استبعاد أي سيناريو يترتب على ذلك الهدف إلا في حال قبلت إيران بالشروط الغربية لتسوية أزمتها النووية سلمياً، وهذا ما سيعرف في الثاني والعشرين من آب ـ أغسطس المقبل وهو الموعد الذي حدده الرئيس الإيراني "أحمدي نجاد" للرد على العرض الغربي. شادي جابر