كم أحسدك يا شاليت!

هذه المرة، قام "إرهابيون" فلسطينيون بعمل عسكري أعجز حتى إسرائيل والولايات المتحدة على وصفه بأنه عمل إرهابي. هذا العمل العسكري الفلسطيني البطولي، والجيد جدا بحسب كل المعايير العسكرية والقتالية والسياسية الجيدة، إنما هو المقاومة العسكرية الفلسطينية الشرعية بنسبة 100% والتي لا يجرؤ حتى أولئك الذين يبحثون بالمجهر عن أصل "الإرهاب" في النفوس والنصوص على إدراجها في الإرهاب، فهي، بكلام جامع مانع، فوق الشبهات.

لقد حفروا تحت سطح الأرض، لينشئوا نفقا، يصلون عبره إلى موقع عسكري إسرائيلي على مقربة من معبر كرم سالم (كيريم شالوم) لعلَّهم ينجحون في القيام بعمل عسكري "نظيف".. وقد نجحوا.

على أن نجاحهم هذا يُظهِر ويؤكِّد، في الوقت نفسه، أن الوصول إلى جنود إسرائيليين، وقتالهم قتالا منزَّه تماما عن "الإرهاب"، هما من الصعوبة بمكان، وكأن هذا الأفق من المقاومة العسكرية الفلسطينية شبه مسدود، إن لم يكن مسدودا تماما.

إسرائيل والولايات المتحدة، على وجه الخصوص، في حيرة من أمرهما، فكلتاهما تُظهِر عجزا عن "تسمية" ذاك العمل، أو "وصفه"، فهل هو "اعتداء عسكري" فلسطيني، أم "حادث"، أم "عمل لا مبرِّر له"، أم "عمل غير مناسب لجهة توقيته"، أم "عمل من أعمال العنف"؟ ومع ذلك، تقرَّرت معاملته على أنه "جريمة"، ليست "إرهابية"، ارتكبها "إرهابيون" فلسطينيون في حق إسرائيل وجيشها.

أما الجندي "الشهير" جلعاد شاليت فهو "مخطوف محتجَز" وليس بـ "أسير"، فجنود إسرائيل الذين يقعون في أيدي مقاتلين فلسطينيين في أثناء القتال إنما هم "مختطفون محتجَزون" ولا يمكن أن يكونوا "أسرى". وكذلك الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية. إنهم "إرهابيون" سجناء، أو معتقلون، وليسوا بـ "أسرى حرب"!

إنني أحسد شاليت، فإن لديه من الأهمية والمكانة لدى دولته وشعبه، ولدى عدوه الفلسطيني، ولدى "دولته الثانية"، أي فرنسا، ولدى العالم، وحتى لدى العرب "الوسطاء"، ما يحملني على حسده، وعلى حسد الدم الذي يجري في عروقه، والذي لا دم أغلى منه في هذا العالم الرخيص!

الكارثة حلَّت، ولكن متى؟ ليس قبل، وإنما لدى مهاجمة مقاتلين فلسطينيين ذاك الموقع العسكري الإسرائيلي، فكل ما ارتكبته إسرائيل، قبل ذلك، من جرائم في حق الأطفال الفلسطينيين على الشواطئ وفي الشوارع، أصبح نسيا منسيا؛ وليس لدى الفلسطينيين من خيار يدعونهم إليه الآن سوى أن يرفعوا الراية البيضاء عبر الإفراج الفوري وغير المشروط عن شاليت.

وقد يتشدَّد اولمرت أكثر في شروطه ومطالبه، فيدعو السلطة الفلسطينية، رئاسة وحكومة، إلى تسليمه "قتلة" الجنود الإسرائيليين، و"خاطفي ومحتجزي" شاليت، فإذا استخذى الفلسطينيون لشروطه ومطالبه فقد يأمر جيشه بجعل الهجوم العسكري الواقع لا محالة، والذي أُعِدَّ له قبل الهجوم العسكري الفلسطيني، "غير واسع النطاق"، و"قصير الأجل"!

"الأسير" ليس شاليت فحسب، فآسروه هم الآن أسرى أيضا. إنهم أسرى لـ "حق فلسطيني بسيط"، هو الحق في شيء من المقايضة، فالإفراج الفوري وغير المشروط عن شاليت إنما هو الآن رجس من عمل الشيطان ينبغي للفلسطينيين جميعا اجتنابه.

إننا مع معاملة شاليت المعاملة الإنسانية التي يستحقها كل أسير ولو كان الأسير هو إبليس ذاته. وإننا ضد قتله على أيدي آسريه. وإننا مع الإفراج عنه في مقابل الإفراج عن بعض من الأسرى الفلسطينيين الذين لأسباب إنسانية يمكن ويجب أن تشملهم المقايضة إذا ما قبلتها حكومة اولمرت.

أما إذا استمرت حكومة اولمرت في رفضها مقايضة كهذه فلتكن المقايضة الإفراج عن شاليت في مقابل اتفاق على وقف شامل ومتبادل للأعمال العسكرية، فإسرائيل هي وحدها التي لها مصلحة الآن في رفض اتفاق كهذا.

وإننا، بالتالي، ضد المقايضة الوهمية كمثل الإفراج الفوري عن شاليت في مقابل امتناع إسرائيل عن شن هجومها العسكري الواسع النطاق، وطويل الأجل، فهذا الهجوم إنما هو جزء لا يتجزأ من جهد إسرائيلي شامل لتذليل العقبات من طريق تنفيذ "خطة الانطواء"، فلنفهم الأمور في سياقها الطبيعي، ولنزن مواقفنا في ميزان الحقيقة الموضوعية ولو كانت مرة المذاق!