شيفرة دافنشي بين التحقيق والعولمة

بقلم: أحمد فضل شبلول
اسئلة كثيرة تطرحها رواية دان براون

لم يطلب الكاتب الأمريكي دان براون من أحد تصديق ما جاء في روايته "شيفرة دافنشي". ولكن من ناحية أخرى يعترف مؤلفا كتاب "شيفرة دافنشي: التحقيق" وهما: ماري فرانس أتشغوان وفردريك لونوار (ترجمة د. سليم طنوس، وإصدار دار الخيال ببيروت في 264 صفحة) أن الرواية من الوهلة الأولى تبدو أنها رواية بوليسية مليئة بالإثارة والمفاجآت، إلا أن جوهرها بعيد جدا عن هذا.
فلا أحد ينكر أن مقوماتها تدل على أنها رواية بوليسية غامضة لما فيها من رموز، وتضم ماسونيين صادقين وكذبة، حملة الصليب الوردي، أتباع العهد الجديد، الهيكلية (أي فرسان هيكل سليمان) الخيلانيين، علماء صوفيين، مشعوذين، متعصبين، شعراء معادين للسامية، تروتسكيين، كل هؤلاء وغيرهم اجتمعوا في الرواية التي تشدك إلى إكمال قراءتها بشغف ونهم.
ثم يكشف كتاب "التحقيق" أن براون استعار اسم "جاك سونيير" ـ مدير متحف اللوفر في روايته ـ من اسم كاهن كنيسة "رين ـ لو ـ شاتو"، "بيرنغر سونيير" الذي عُين بها عام 1885، وهي الكنيسة المهداة إلى مريم المجدلية، والي زارها الرئيس الفرنسي ميتران بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 1981، وكان سونيير الكاهن كثيرا ما ينقب في أعمدة الكنيسة وفي مقبرة القرية للحصول على ملفات مفقودة، ثم فجأة تضخمت ثروته، وقد استغل براون أسطورة هذا الكاهن، ليصنع منها أسطورته "شيفرة دافنشي"، ويتساءل "التحقيق": هل ما تم العثور عليه، ملفات سرية، أم وثائق مزورة؟ دافنشي لم يسمِّ أعماله الفنية ويؤكد كتاب "التحقيق" أن موقف ليوناردو دافنشي ـ الذي جعله براون من حملة أسرار الكأس المقدسةـ لم يكن متناقضا مع المعتقد المسيحي، وأن دافنشي لم يعط أي عنوان لأعماله القليلة (خمسة عشر عملا)، ولم يسمِّ لوحته "موناليزا" ـ ومن ثم فإن اشتقاق اسمها من الآله المصري آمون (مونا) والربة المصرية إيزيس (ليزا) ليس له أي معنى، وإنما فازاري هو الذي أطلق عليها هذا الاسم في عام 1550. ويؤكد "التحقيق" أن الرسم الموجود على اللوحة هو لزوجة فرانشيسكو دل جيوكوندو (مونا) وهي اختصار لـ (مادُّونا) التي تعني "مدام" أي سيدة.
كما يؤكد "التحقيق" أن ليوناردو لم يُخرج الجثث من القبور ـ كما يدعي براون ـ بل كان يذهب إلى كليات الطب بغية تشريح أجساد المجرمين، ودراستها.
أيضا يؤكد كتاب "التحقيق" أن الموناليزا التي سرقت مرتين، ليست اللوحة الأكثر شهرة لدافنشي، لكنها اللوحة الأكثر شهرة في العالم. وأن الرموز الموجودة في لوحة "العشاء الأخير" لدافنشي لا تعني أن أعماله مشفرة، على طريقة الرسائل السرية، كما يُستشف من كلام براون، وإنما كان دافنشي يريد التعبير عن (الله) بوسائل جديدة، وشفرات واضحة من تلقاء ذاتها ليفهمها المؤمنون في عصره. وأن مريم المجدلية ليست موجودة إلى جانب المسيح في لوحة العشاء الأخير، وإنما القديس يوحنا هو الموجود إلى جواره، ومن المعروف أن هذا القديس لم يكن يتمتع برجولية كبيرة، وأن له رأسا جميلا، وأن المسافة التي تفصل المسيح عن القديس يوحنا في اللوحة، تعني التباعد الشاسع الذي يفصل الطبيعة البشرية عن الطبيعة الإلهية للمسيح، فالبشرية خاصة بتلميذه المفضل. ويضيف "التحقيق" قائلا: هذا ما يريد دافنشي إثباته في اللوحة، وأن يسوع هو ابن الله.
وينتهي هذا الجزء الخاص بليوناردو دافنشي، من كتاب "التحقيق"، بسؤال جوهري لا تطرحه الرواية، مفاده: لو أن ليوناردو كان مقتنعا لهذه الدرجة من الأهمية، بأهمية مريم المجدلية في الدين المسيحي، فلماذا لم يضعها في أي من لوحاته الأخرى؟ مخطوطات البحر الميت أما عن مخطوطات البحر الميت التي عَثر عليها عام 1947 أفراد من البدو، ثم تم العثور على مخطوطات أخرى عام 1955، التي ورد ذكرها في الرواية على لسان السير تيبينغ، فيؤكد "التحقيق" أنه لا يوجد في هذه الكتابات أو المخطوطات، أي كشف مرتقب عن يسوع ومريم المجدلية، بل إنها تؤيد طرحا مناقضا لطرحه، وأن الطرح القائل بمؤامرة الكنيسة لمنع نشر هذه المخطوطات لا يرتكز على أساس من الصحة. بل يتساءل "التحقيق": أين وجد دان براون إذن فكرة احتواء مخطوطات البحر الميت على سر مميت بالنسبة للفاتيكان، وتوضيح مدوٍّ حول يسوع وأصل المسيحية؟ محور الدسيسة في "شيفرة دافنشي" ويستمر كتاب "التحقيق" في تفكيك التحليلات التي قدمها براون، وفي كشف الأخطاء الواردة في روايته، إلى أن يصل إلى محور الدسيسة الموجودة في شيفرة دافنشي، وهو أن الكنيسة مستعدة للقتل بغية المحافظة على إخفاء سر زواج يسوع ومريم المجدلية؟ فبالنسبة لبراون، فقد جرى تنظيم المؤامرة في مجمع نيقية الديني المنعقد عام 325 م، بدعوى من الإمبراطور قسطنطين، وفيما بعد أقدمت الكنيسة على اضطهاد بربري لجميع الذين يحاولون تكذيب الحقيقة الرسمية، وأن اللوم الذي وجهته شخصيات رواية دان براون إلى الكنيسة الكاثوليكية، هو أنها أرادت مكافحة الأنثوي المقدس لتنشيء دينا ذكريا فقط، وأن النسوة مبعدات نهائيا عن الكهنوتية في العالم. ويرد "التحقيق" قائلا إنه من الخطأ رد هذا الأمر إلى قسطنطين، فالسلطة الأبوية سابقة له بكثير. إجابات الأب رومانيت لم يكتف كتاب "التحقيق" بالرد على مزاعم براون، بل إنه يتحدث عما قام به آخرون في سبيل الكشف عن هذه المزاعم، حيث انتهى الأب رومانيت من ترجمة نص مطبوع على جدار قريبا من السكرستية، وجد فيه قائمة بأسماء كل المزاعم الكيفية للرواية، ومن ثم يتابع رومانيت الإجابة على كل الأسئلة، كأن يقول لأحد السياح: انظر إلى شمعدان المذبح الرئيسي الذي أراد الراهب سيلاس أن يضرب الأخت ساندرين به، إن حمله يتطلب ثلاثة رجال، إلى جانب ذلك فهو غير مصنوع من الحديد العادي. وكأن الأب رومانيت يتعامل مع أحداث الرواية على أنها أحداث حقيقية، وليس متخيلة، أو رامزة. الرواية والعولمة أخيرا يصل "التحقيق" إلى كلمة فاصلة، هي أن الهدف النهائي للرواية هو القضاء على الديانة الكاثوليكية، والتحكم بالعالم عن طريق تأسيس دولة عالمية واحدة، ونظام دولي علماني جديد، مبني على العلم، وهو ما يتضح أكثر في رواية دان براون السابقة "ملائكة وشياطين".
غير أنه في جميع الأحوال هناك اقتناع بأن "شيفرة دافنشي" تطرح أسئلة حقيقة في مقدمتها مكانة الجنس والسلوك الجنسي في المسيحية، ورفض المؤنث في الأديان. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية