عراقيون يهربون من الواقع القاتم الى سينما الزمن الجميل

بغداد
المآسي تنسي بان للعراق قدرات سينمائية هائلة

تجمع عدد من رواد السينما العراقية ومسؤولون حكوميون يحيط بهم حراس مسلحون وعدد قليل ممن يتملكهم الحنين الى الماضي، للمشاركة في احتفال فني خاص اقيم الاسبوع الماضي في مسرح بغداد الوطني.
وعلى الرغم من انه تم الاعلان عن هذا الاحتفال باعتباره "اول مهرجان للسينما العراقية" منذ الغزو عام 2003، الا انه في الواقع لم يكن سوى محاولة لاستذكار "سينما الزمن الجميل".
وبدا ان غالبية المشاركين يريدون ان يتناسوا ولو للحظات واقعهم اليومي القاتم ليستمتعوا بلحظات الفرح التي عاشها هذا البلد رغم تاريخه المليء بالحروب والعقوبات والضربات.
وكان من المفترض ان يكون هذا الاحتفال الذي عرضت خلاله مقاطع من افلام عراقية قديمة مثل "المنعطف" والمسألة الكبرى"، "امسية سينمائية" غير انه بسبب المخاطر الامنية وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر وحظر التجول الليلي المفروض في بغداد، اضطر المنظمون الى اقامته في الفترة الصباحية.
وعلى جدران قاعة الاستقبال في المسرح، تم تعليق صور قديمة لمخرجين وممثلين ومنتجين عراقيين.
وفي حين كانت مشاهد من افلام قديمة انتجت في الخمسينات والستينات تعرض على شاشة صغيرة في احد الاركان، قام فريق موسيقي صغير بعزف اغان فولكلورية.
واخذت امراة خط الشيب شعرها تتمايل مع النغمات وهي تغمض عينيها وقالت وقد ارتسمت ابتسامة على وجهها "كنت اكثر جرأة من الرجال، كنت احمل الكاميرا على كتفي واصور في كل مكان حتى على الحدود الايرانية في مواقع مليئة بالالغام".
وتقدم سناء علي عباس (61 عاما) نفسها بفخر على انها "اول مصورة سينما عراقية" وتؤكد انها اخرجت 20 فيلما وثائقيا.
وللتدليل على صحة ما تقول، تحمل سناء مقالا كتب عنها ونشر في الثامن من ايار/مايو 2001 في صحيفة "الجمهورية" التي اختفت بعد ذلك مع سقوط نظام صدام حسين.
وجاءت سناء التي تقيم في حي بغداد الجديدة المضطرب مع ابنتها نبراس (37 سنة) لحضور الاحتفال. وترفض الام وابنتها الحديث عن العنف كما ترفضان الكشف عما اذا كانتا تنتميان الى الطائفة الشيعية ام السنية.
وتؤكد سناء بتفاؤل انه "بعد الظلمة ياتي دائما نور الصباح".
ومند ثلاث سنوات، وضع التراث المتواضع للسينما العراقية في المسرح الوطني بعد ان دمر ونهب مسرح الرشيد الواقع على الضفة الغربية لنهر الفرات، ابان الغزو عام 2003.
ويقول قاسم محمد (53 سنة) الرئيس الحالي لادارة السينما في وزارة الثقافة العراقية "فقدنا 12 فيلما اصليا من اجمالي 99 فيلما انتجتها السينما العراقية كما ان الكثير من الافلام الاخرى اصابها تلف".
ويحاول محمد مع مساعده حسين علوان (52 سنة) ترميم الافلام القديمة بوسائل بدائية.
ويقول المخرج عبد الهادي مبارك (73 سنة) الذي يعتبر عميد السينما العراقية انه "يامل في استعادة فيلمه عروس الفرات".
وكان هذا الفيلم جريئا في زمنه اذ تناول قصة فتاة تتحدى والدها والتقاليد وتصر على استكمال دراستها الجامعية.
واخذ يتذكر مبتسما وهو ممسك بملف بلاستيكي يضم اجزاء من اشرطة سينمائية قديمة، كيف انه شارك في صناعة اول فيلم عراقي وهو "فتنة وحسن" الذي انتجه ستوديو بغداد عام 1947، مؤكدا ان الاخير كان مملوكا لثلاثة شركاء احدهم مسلم والثاني مسيحي والثالث يهودي.
وياخذ مبارك على نظام صدام حسين انه فرض هيمنته على الانتاج السينمائي والتلفزيوني في العراق واصر على انتاج افلام تحمل رسائل سياسية او ذات طابع تاريخي.
ويقول "لم تكن للسينما العراقية جاذبية السينما المصرية التي كانت تظهر فيها الممثلات منطلقات بلباس البحر".
ولتوضيح نوعية الافلام التي انتجت في عهد صدام حسين، يشير المخرج بيده الى اللافتة الدعائية القديمة لفيلم "بطل الصحراء" الذي يروي قصة بطل وطني شجاع يهزم الغزاة، في اشارة واضحة الى الرئيس العراقي السابق.
وعن الوضع الحالي يقول مبارك "انه مؤلم جدا بالنسبة لي (..) انني لا اكاد اخرج من بيتي".