خلافات الفلسطينيين وخطط الإسرائيليين

كان من البديهي أن تدخل إسرائيل مباشرة على خط التوتّرات الداخلية بين الفلسطينيين، بتنشيط عمليات الاغتيال والقتل ضدهم، كما حدث مؤخرّا، وذلك لاستدراجهم، إلى مواجهات عسكرية، غير محسوبة، وليست في صالحهم.
معلوم أن إسرائيل انتهجت هذا الطريق، منذ سنوات، لإبقاء الفلسطينيين في دائرة التوتّر، لاستنزافهم وإنهاكهم وإضعافهم، وأيضا لتعزيز الشرخ السياسي بينهم، بينما هي تمضي في ترسيم البيئة المناسبة لفرض املاءاتها، خصوصا بشأن التقرير بمستقبل الأراضي المحتلة.
اللافت أن الساحة الفلسطينية كانت، على الدوام، سهلة في استجابتها لهذا الاستدراج الإسرائيلي، بدل أن تفوّته، بسبب تبايناتها وفوضاها وتنافسات فصائلها، وأيضا بسبب ضعف إدراكها لمعطيات واستحقاقات البيئة السياسية، الإسرائيلية والدولية والإقليمية، وطغيان النزعة الإرادوية والعاطفية والشعاراتية في وسائل عملها وخطاباتها.
وكما هو معروف فقد تجلّت هذه الاستجابة، المشوبة بالتسرّع وبلوثة التحدي، أولاً، باللجوء إلى عمليات القصف الصاروخي، أو إلى العمليات التفجيرية، كما بالدعوة إلى وقف ما يسمى بالهدنة، أو التهدئة، وكأنه ثمة نوع من التكافؤ في ميزان القوى في الميدان العسكري، أو كأن الفلسطينيين يملكون ترف وإمكانية فرض الهدنة، أو نقضها! وثانياً، في بعث الخطابات التي تحضّ على نبذ عملية التسوية، وتبيان عدم جدواها، وكأنها مجرد عملية فلسطينية ـ إسرائيلية، في جزيرة معزولة، أو كأنه ثمة خيارات أخرى (من نوع التحرير مثلا)، مازالت على الأجندة العربية والدولية، تتطلّب من الفلسطينيين، فقط، أن يمتطوا أعنّتها!
على أية حال فإن إسرائيل تتوخّى، من دخولها على خط الأزمة الناشبة بين الفلسطينيين (عدا عن إبقائهم في دائرة التوتّر)، توظيف هذه الأزمة في تكوين البيئة السياسية المواتية، أو الفرصة السانحة، لفرض الحل الأحادي في الضفة الغربية (خطة "الانطواء")، وفق ادعاءات مفادها، أن لا شريك فلسطيني للتسوية، وأن الفلسطينيين غير مؤهلين لإدارة أوضاعهم، وأن مشكلة هؤلاء لا تنبع من الاحتلال! وهنا تكمن خطورة هذه الأزمة، وضرورة تداركها وتجاوزها.
هكذا فبدلاّ من قيام الفلسطينيين بإيجاد توافقات سياسية وسط بينهم، لتقويض هذه الادعاءات، وقطع الطريق على خطة أولمرت التصفوية، التي تعني التنصّل من استحقاقات عملية التسوية، وفرض املاءات إسرائيل فيها، وتحميل الفلسطينيين (الضحية) مسؤولية ما يحصل لهم، إذا بهم يتصرّفون (على الأغلب)، وكأن لديهم فائضاً في الوقت والقوى والرصيد السياسي والمعنوي، ومن دون استشعار الخطر الذي يتهددهم، خصوصا جراء احتمال تطبيق هذه الخطة.
وتنبع خطورة خيار إسرائيل المتمثل بالانسحاب الأحادي، من أجزاء من الأراضي الفلسطينية، من أنها وجدت فيه ضمانة لها، ليس فقط للحفاظ على طابعها كدولة يهودية، والتخلّص من "الخطر الديمغرافي" الفلسطيني، وإنما للتخلّص، أيضا، من وقائع احتمال تحوّلها لدولة "ثنائية القومية" (مستقبلاً)، وصدّ الشبهات حول وضعها كدولة استعمارية محتلة، والتحرر من تبعات سيطرتها على حياة الفلسطينيين، وضمن ذلك ممارستها التمييز العنصري ضدهم، وتحسين صورتها كدولة ديمقراطية (بالنسبة لمواطنيها)، وهذه هي الفلسفة الإسرائيلية الكامنة في هذا الحل. وبمعنى أخر فإن هكذا حلّ سيشكّل، من وجهة نظر إسرائيل، مخرجاً لها من معظم مداخلات الصراع في هذه المنطقة، وسيمكّنها من الادعاء بأنها انسحبت من معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وأنها لم تعد تسيطر على حياة غالبية الفلسطينيين، وأنها لم تعد معنية بهم، ولا تتحمّل أية مسؤولية عنهم.
وفي الحقيقة فإن الفلسطينيين، جرّاء تطبيقات هذه الخطّة، سيجدون أنفسهم في وضع جدّ حرج ومعقّد، ففي ظلّ وضع كهذا لن يكون ثمة مجال للفلسطينيين للاحتكاك بإسرائيل، للتخلص من احتلالها، بالانتفاضة أو بالمقاومة، أو باتهامها بالمسؤولية عن تردّي أوضاعهم، أو ممارسة التمييز ضدهم، مايصعّب من كفاح الفلسطينيين، ويضعف من صدقيّة قضيتهم على الصعيد الدولي.
لكن التجربة أكدت بأن الصراع ضد إسرائيل سيتواصل، بشكل أو بآخر، أما الشكل الأبرز له فربما سيتجلّى حينها بالعمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية، أو بالقصف الصاروخي، للمناطق المتاخمة للتجمعات الفلسطينية. وفي هكذا حال سيبدو الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بنظر العالم، وكأنه مجرد صراع حدودي، وبمثابة صراع بين كيانين وشعبين، أو بين طرفين متكافئين، ولو نسبيا، وليس بين دولة محتلة وشعب يخضع للاحتلال، بحكم وجود السلطة وانفصال الفلسطينيين في كيان مستقل. والنتيجة فإن أي هجوم قد تتعرض له إسرائيل ستردّ عليه بأعنف ما يمكن، وستظهر نفسها أمام العالم وكأنها باتت "ضحية" لاعتداءات الفلسطينيين، وأن السلطة هي التي تتحمّل مسؤولية هذه الأعمال!
النتيجة فإن إسرائيل، بعد انسحابها المفترض من الضفة (بحسب الخطة)، ووفق المناخات الدولية والإقليمية التي ستنجم عنه، ستكون في وضع أحسن حالاً، في بيئتها السياسية والبشرية والأمنية، وبالنسبة لصورتها الخارجية.
على ضوء ذلك ربما أنه مازال ثمة فرصة لتفويت هذا الحل الأحادي التصفوي، للقضية الفلسطينية، من خلال حث الجهود لبلورة توافقات سياسية فلسطينية، على قاسم مشترك مناسب، يقطع الطريق على خطة أولمرت، وربما من خلال إعادة تعويم مبادرة السلام العربية، والدعوة إلى مؤتمر جديد للسلام.
وعلى الرغم من الخشية بأن الزمن فات على هكذا توجهات، إلا أنها على الأقل يمكن أن تحرج إسرائيل، ومعها الإدارة الأمريكية، ويمكن أن تعطي نوعاً من الحراك للسياسة العربية والفلسطينية.
في ظروف مختلفة كان يمكن القول بأنه بإمكان الفلسطينيين طرح مبادرة تتمثل في تحول حركتهم الوطنية من هدف الدولة الفلسطينية إلى هدف الدولة الديمقراطية العلمانية أو الدولة ثنائية القومية، ولكن يبدو أن الزمن فات على هكذا تصورات، أو مناورات، لاسيما مع استعداد اولمرت للانسحاب من الضفة وترك الفلسطينيين لصراعاتهم وخلافاتهم وفوضاهم.
وفي زمن أخر، أيضا، كان يمكن الدعوة إلى حلّ السلطة، ووضع إسرائيل أمام مسؤولياتها، كدولة احتلال، واستعادة الحركة السياسية الفلسطينية لطابعها كحركة تحرر وطني، ولكن يخشى أن هذه الدعوة لن تعن شيئا اليوم سوى تعزيز الفوضى والنزاعات الداخلية وانعدام الثقة بين أطراف الساحة الفلسطينية. ماجد كيالي