أمل التحول الديمقراطي وخيار الوفاق الوطني السوري

يستمر التصعيد بين النظام السوري وقوى المعارضة الداعية إلى إطلاق الحريات السياسية، وتتقلص الآمال تدريجيا بإمكانية تحقيق إصلاح سلمي يحقق للبلاد تحولا ديمقراطيا دون زعزعة استقرارها الداخلي.
النظام السوري متردد في إطلاق الحريات السياسية والمدنية، يقدم خطوة ليؤخر أخرى. فتراه تارة يلجم أجهزته الأمنية ويوفر هامشا من الحرية للنقد السياسي والمبادرات الأهلية، ليعود تارة أخرى فيشدد قبضته ويحاصر نقاده. ويعود هذا التردد في تقديرنا إلى الحوار الداخلي بين قياداته، واختلاف المقاربات بين فريق يميل إلى تحديث طرائق العمل السياسي ومؤسساته بما يسمح بتوسيع دائرة المشاركة السياسية، وآخر يرغب في إبقاء الأمور على حالها، ويخشى أن يؤدي الانفتاح السياسي إلى إضعاف هيمنة الدولة وإلى تفلت سياسي.
وبالمثل فإن المعارضة السورية مترددة بين المطالبة بهامش أوسع من الحريات يسمح لها بمشاركة أكبر في الحياة السياسية، وصولا إلى تبادل سلمي للسلطة، وبين الدعوة إلى إسقاط النظام السياسي عبر تمرد شعبي وانقلاب عسكري، كما هو حال جبهة الخلاص الوطني، أو عبر تدخل عسكري خارجي، كما هو حال حزب الإصلاح السوري ومن لف لفه. وينعكس اختلاف مواقف المعارضة في الانقسام الأخير بين مجموعة إعلان دمشق الذي لا زال يتمسك بخيار المشاركة، والجبهة الخلاص الوطني التي قررت أخيرا المواجهة المفتوحة مع النظام والدعوة لإسقاطه.
ويبدو أن تراجع الضغوط الأمريكية، وتقلص إمكانية توظيف تقرير برامرتز لزعزعة النظام السوري، قد عزز موقف الفريق المعارض للانفتاح السياسي، ودفع النظام إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددا إزاء الأصوات الداعية لزيادة هامش الحريات، وربما يدفع المعارضة السياسية في الداخل إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددا. مثل هذا التصعيد في المواقف لن يكون في مصلحة النظام أو المعارضة أو البلاد، بل يمكننا القول بأن التشدد في المواقف سيعيق إمكانيات تطوير البلاد سياسيا واقتصاديا، وسيجعل إمكانية الوصول إلى تحول سياسي سلمي مستحيلا.
فمعدل نمو الاقتصاد السوري لازال دون المستوى المطلوب لتوفير فرص للأعداد المتزايدة من الشباب الذين ينضمون سنويا إلى صفوف الباحثين عن عمل. ولم تعد الدولة في موقف يسمح لها بالحفاظ على أعداد الموظفين الحاليين، ناهيك عن زيادة جهازها الإداري لتوفير فرص للراغبين في العمل. والتناقص التدريجي في إنتاج النفط الذي تشكل عائداته 60% من الإنتاج القومي السوري سيزيد الحاجة إلى الاعتماد على القطاع الخاص والاستثمارات الأهلية.
النظام السوري يراهن على قدرته على تحرير الاقتصاد السوري دون الحاجة إلى تحرير الحياة السياسية، ويركز في جهوده التنموية على فتح المجال للاستثمار الأهلي والإصلاح الإداري. واضح أن هذه الجهود لم تثمر حتى الآن في جلب الاستثمار الخارجي المرتجى أو إدخال إصلاحات حقيقية على الجهاز الإداري الحكومي، على الرغم من عشرات القوانين وتعاقب ثلاث حكومات فنية (تكنوقراطية) منذ أن أعلن الرئيس بشار الأسد خطته الإصلاحية في عام 2000. وتعود الصعوبات في تشجيع الاستثمار إلى غياب الجهاز القانوني المستقل الذي يحفظ حقوق المستثمرين ويمتلك القدرة على إصدار أحكام قضائية رادعة في وجه المتنفذين، وتعود كذلك إلى غياب الصحافة الحرة التي تمتلك القدرة على فضح حالات الفساد والتقاعص في الجهاز الإداري.
المعارضة في الداخل تراهن، من جهتها، على أن يستجيب النظام السوري لمطالبها، في حين تراهن المعارضة في الخارج على تحرك الشارع السوري دعما لمطالبها. تحرك الشارع السوري مستبعد حاليا نظرا لغياب المؤسسات الأهلية المتحالفة مع النخبة المثقفة التي تدعو إلى الانفتاح السياسي، واستمرار ولاء قطاعات واسعة من الريف السوري للنظام القائم، الذي عمل خلال العقدين الماضيين على ردم الفجوة بين المدينة والريف.
مستقبل سوريا يجب أن لايحسم من خلال المراهنات، بل من خلال الشعور بالمسؤولية من قبل النظام والمعارضة. المطلوب الوصول إلى تفاهم وطني تتفق من خلاله القوى الوطنية على برنامج إصلاحي تدريجي، يزيد هامش الحريات دون أن يزعزع الاستقرار الداخلي. مستقبل سوريا يعتمد على بناء الوطن، ومشاركة المواطن السوري في الشأن العام هو الطريق الحقيقي لبناء الوطن. هذه المشاركة لن تتأتى إلا من خلال تفاهم النخب المثقفة والقيادات السياسية وصولا إلى تحول ديمقراطي عبرة فترة انتقالية تسمح ببناء الثقة وتنمية القدرات واكتساب الخبرة في العمل السياسي التعددي.
النظام السوري يمتلك الآن زمام المبادرة لوضع حد للتصعيد، ويمتلك القدرة على إعادة الأمل في التحول الديمقراطي التدرجي، وذلك بالاستجابة إلى الأصوات الداعية إلى احترام حق المواطن السوري بتأسيس الأحزاب المستقلة والمؤسسات الأهلية الطوعية والمشاركة في النقد البناء لخطط الحكومة وممارساتها عبر إعلام حر. كذلك يمكن للجاليات السورية في أمريكا وأوربا، بما تمتلكه من خبرة في الحياة الديمقراطية في الغرب، وبما تمتلك من إمكانيات استثمارية وإدارية، أن تساهم في تعزيز الحياة الديمقراطية والمساهمة في بناء دولة المؤسسات والدعوة إلى حوار وطني لتطوير برنامج إصلاحي تتفق من خلاله القوى السياسية على خطوات عملية تسمح بإنجاز التحول الديمقراطي خلال فترة انتقالية، يتم من خلالها بناء الثقة وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، وضمان الحقوق السياسية والمدنية للجميع.
فهل يستجيب النظام السوري ويقرن تحرير الحياة الاقتصادية بتحرير الحياة السياسية؟ وهل تمارس الجاليات السورية دورها في العمل لتحقيق توافق وطني وتجنيب البلاد مخاطر التصعيد السياسي؟ وهل تتحمل القيادات السياسية والفكرية مسؤوليتها في بناء مستقبل البلاد بعيدا عن الرهانات؟ وهل يعود الأمل بتحول ديمقراطي يقوم على التوافق والوحدة الوطنية ليداعب مخيلة المواطن السوري من جديد؟ هذا ما أرجوه، وأرجو أن يكون الكونغرس السوري الأمريكي في طليعة العاملين لإعادة الأمل وتحيق الوفاق الوطني المنشود. د. لؤي صافي أستاذ العلوم السياسة والدراسات الإدارية ورئيس مجلس الكونغرس السوري الأمريكي (www.sacongress.org). له العديد من المؤلفات بالغتين العربية والانكليزية، نشر آخرها في كتاب الإصلاح في سوريا. شارك في مقابلات وحوارات على شاشات الجزيرة والعربية والحرة وسي إن إن وفاكس نيوز وغيرها. يمكن التواصل معه على البريد الاكتروني (louay@lsinsight.org)