إنّي أعترض: اغتيال الشيخ يوسف الحسان، والاعتداء على مسجد 'بُراثا!

بقلم: نجاح محمد علي

في البصرة...مسلسل الاغتيالات مستمر. وهذه المرة اغتالت أياد مجهولة، لا شيعية ولا سنية الشيخ الدكتور يوسف يعقوب الحسان ممثل هيئة علماء المسلمين في المنطقة الجنوبية وإمام وخطيب جامع البصرة الكبير.
الشيخ الشهيد كان متوجها لإلقاء خطبة الجمعة في جامع البصرة الكبير حينما هاجمه مسلحون مجهولون بعد خروجه من منزله بقليل، ولم يفارق الحياة فورًا بل نقل إلى المستشفى، الا أنه لفظ أنفاسه هناك متأثرًا بالإصابات البالغة التي تعرض لها.
أعرف الشيخ يوسف الحسان جيدا...والتقيتُ به بُعيد سقوط النظام السابق، وصليت خلفه واستمعتُ الى خطبه، ونقلتُ عنه في تقاريري التي كنتُ أعدها لقناة أبوظبي، وأجريت‘ له لقاء بحضور مجموعة من "الفضلاء" في الأيام الأولى لانطلاقتها، وكان يفيض حبا بالعراق وأهله سنته وشيعته، ولم أجد فيه أي مَعلمٌ يؤشر على طائفية بغيضة، خصوصا بعد أن استهدفت بعض الاغتيالات العمياء من ينسبون الى اهل السنة والجماعة.
أذكر أنني أخبرتُ (حينها) أخي الراحل عز الدين سليم الرئيس الدوري لمجلس الحكم المنحل والذي قتل مع رفيق دربه طالب حجامي العامري، في مسلسل جر العراق الى أتون الحرب الطائفية، عن اهمية التنسيق مع الحسان لوأد أية فتنة مذهبية تريد شرا بالبصرة، فأكد لي أن لديه نفس الانطباع عن الشيخ الحسان.
وأثناء تغطيتي للانتخابات التشريعية في الخامس عشر من ديسمبر الماضي، لقناة "العربية"..في البصرة، كنتُ حريصا جدا على أن ألتقي مرة أخرى بالشيخ الراحل، وأخبرني ونقلتُ ذلك سواء في تقاريري أو من خلال مقابلاتي مع " العربية"، وفي مقالاتي، أنه يرفض الفيدرالية، مشيرا الى أن إخراج المحتل يظل هدفا مهما قبل الحديث عن الفيدرالية وموضوعات أخرى. وقال أيضا إن السُنّة في البصرة يريدون مجلس نواب يبتعد عن الطائفية، ويُنتج حكومة تعمل للجميع، وهو ما شدد عليه لنا الشيخ نجرس المالكي خطيب الجمعة من جماعة الفضلاء التابعة في ولاء المرجعيات للشيخ محمد اليعقوبي.
الحسّان كان من علماء البصرة البارزين، والى جانب أنه رحمه الله كان عميد كلية الإمام الأعظم للإمامة والخطابة في البصرة، وخطيب جامع البصرة الكبير أكبر مساجد المدينة، فانه عُدَّ من الخطباء البارزين في البصرة حيث اعتلى عدة منابر منها جامع العرب الذي شهد مقتل تسعة مصلين قبل أسبوعين، حيث كان إمام وخطيب جامع العرب منذ عام 1989 وحتى عام 1995، واعتلى منبر جامع البصرة الكبير واستمر خطيبًا وواعظًا ومرشدًا في جامع البصرة الكبير إلى يوم استشهاده.
وقد حصل الحسان على شهادة الماجستير عام 1998 وحاز درجة الدكتوراه في عام 2004، وان اغتياله هو خسارة للعراق وللبصرة بوجه خاص، وهو أهم حادث اغتيال تكون ضحيته شخصية قيادية سنية في البصرة منذ بدأ الاحتلال.
اخشى بصدق أن تعيش البصرة بعد اغتياله حالة كبيرة من الاحتقان الطائفي يريدها بالتأكيد أعداء العراق، وهم من قتله وفجّر مسجد "بُراثا" في بغداد، في نفس الوقت.
قبل اغتياله رحمه الله، حمَّل الشيخ يوسف الحسان، الاحتلال الأمريكي، وكل من يهدد الشيعة والسنة في العراق، مسؤولية تهجيرهم من مناطقهم، وأكد أن المحاولات لتهجير الشيعة والسنة والتي تبذل،هي سلسلة من التآمر الخطير ضد جميع العراقيين.
ولم يكن رحمه الله يضع خطوطا حمراء على الشيعة في دفاعه عن السنة، واعلن مرارا أن المراجع والمؤسسات الدينية الشرعية في العراق، ومنها هيئة علماء المسلمين، تدين عملية تهجير العوائل الشيعية والسنية من مناطقهم في مختلف انحاء العراق، مشددا على استعداده ايواء من يهجر من مناطقه خصوصا الشيعة.
والأهم في كل مواقفه أنه رحمه الله تحدث عن "فتاوى" تصدر من اطراف يقال إنها تبيح قتل الشيعة في العراق، وقال "إن هذه الفتاوى لا تمثل الا اصحابها، لأن الفتاوي الدينية الشرعية لا تصدر الا من المؤسسات الدينية الشرعية والمراجع الدينية المعروفة في العراق"، مؤكدا "أن دم العراقي ودماء المسلمين لا يجوز استباحتها ابدا وأن هيئة علماء المسلمين في العراق اصدرت فتاوى بتكفير من يستبيح دم المسلمين".
ولعلها من اشارة إلهية أن يندد الحسّان بالهجمات على مسجد "بُراثا" في أبريل الماضي وقوله "إن المستفيد الاول والاخير من استهداف المساجد والمصلين في العراق، منها مسجد براثا، هو المحتل والعصابات التي تهدف الى تفريق صف المسلمين في العراق ووحدتهم" وقوله "إن الذين قاموا باستهداف مرقد الامامين العسكريين (عليهما السلام)...الاسلام بريء منهم".
الشيخ الحسّان كان مهتما بتوجيه أصابع الاتهام الى قوات الاحتلال التي قال انها تريد أن تلعب بورقة الطائفية، وتريد ان تحققها على ارض العراق، لانها تعتقد ان العراقيين اذا لم يقتل بعضهم بعضا فلا بقاء لها على ارض العراق داعيا جميع العراقيين الى الوقوف امام مؤامرات إراقة دم الشعب العراقي.
لقد كان الشيخ الحسّان يدعو باستمرار الى الابقاء على التعايش الذي يجمع بين الشيعة والسنة في البصرة،والذي كان كما ردد، فضل الله اولا ثم بفضل المرجعيات الدينية وعلماء الدين والقادة السياسيين في البلد.
رحم الله الشيخ الحسان الذي قتل في نفس الساعة التي تعرض بها مسجد "بُراثا" مرة اخرى لاعتداء استهدف المصلين.
فمن له مصلحة يا تُرى في هذا الاغتيال، والاعتداء على "بُراثا" وهو يسعى الى جر العراقيين الى اقتتال طائفي...لن يُبقي..ولن يذر؟!! نجاح محمد علي - دبي