الاخطاء التحكيمية تعكر صفو المونديال

نيقوسيا
عداوة قائمة بين اللاعبين والحكام

لطالما عاشت كرة القدم على واقع تقاليدها الكلاسيكية وانظمتها المحددة التي شهدت تعديلات منمقة، كانت ضرورية لانعاش اللعبة مما زاد من حرارة تنافساتها التي اكدت انها الاكثر شعبية في العالم من دون منافس.
واستحدث الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" طوال الاعوام البعيدة والقريبة انظمة جديدة، تختلف في الشكل والمضمون والهدف، الا انها كانت بمثابة الاولويات التي تدخل في اطار الوصول الى الكمال في لعبة سلطت الاضواء عليها.
وراوحت هذه الانظمة بين ادخال روح جديدة الى مباريات النوادي والمنتخبات في المنافسات المختلفة، وحماية اللاعبين للحد من تعرضهم للاصابات "القاتلة" التي تهدد مسيرتهم الكروية، الى جعل المستديرة سباقة في مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي الهادف الى تفادي المشكلات في احيان كثيرة.
الا انه لدى الاقتراب من ادخال عنصر التكنولوجيا في المجال التحكيمي لمساعدة الحكام في تحديد مكامن الاخطاء واتخاذ القرارات الصحيحة، علت الاصوات الداعية الى عدم الانجرار وراء ركب المعلوماتية لانه يفقد المباريات اشياء جوهرية لا يمكن اغفالها.
واذ يبدو هناك اجماع تقريبا على الاخذ بهذه الآراء المعارضة كون كرة القدم العالمية ستواجه ابعادا الزاميا عن طابعها البشري واللمسة الانسانية المحببة في حال مواكبتها الثورة التكنولوجية بمفاهيمها الكبرى، جاء المونديال الالماني في ايامه الاولى حيث ارخت الاخطاء التحكيمية بظلالها على مباريات عدة، ليؤكد ان المستوى التحكيمي السيئ يبقى النقطة السوداء الوحيدة في العرس العالمي.
وبما ان الاخطاء التحكيمية تبقى راسخة في اذهان المتابعين بقدر اللحظات التاريخية التي شهدتها المونديالات المختلفة، عرف ان مونديال 1966 في انكلترا كان الاكثر احراجا على الصعيد التحكيمي في رأي النقاد والمتابعين جميعهم، اذ شهد سلسلة اخطاء تحكيمية فادحة ابرزها في مباريات المنتخب الانكليزي، ما جعل البعض يتحدثون عن مساعدته للفوز باللقب على ارضه وبين جماهيره.
وجاء ختام الاخطاء التحكيمية (مقصودة او عفوية) في المباراة النهائية عامذاك، اذ احتسب هدفا غير صحيح للمنتخب الانكليزي في الوقت الذي لم تتخط فيه الكرة التي سددها جف هيرست خط مرمى المنتخب الالماني، بل ارتدت من العارضة الى خارج الخشبات الثلاث، الا ان الحكم الرئيسي السويسري غوتفريد دينست وحكم التماس السوفياتي توفيق باخراموف اشارا الى منتصف الملعب.
واستطرادا الى المونديال الاخير في كوريا الجنوبية واليابان عام 2002، تحول الحكام اشبه بالجلادين لبعض المنتخبات الكبرى، وكانت المفارقة ان اوضح الاخطاء التحكيمية واكثرها تأثيرا على النتائج النهائية ترافقت ومباريات المنتخب الكوري الذي استفاد من الصافرات "الكارثة" للحكمين المصري جمال الغندور والاكوادوري بايرون مورينو للاطاحة بالمنتخبين الايطالي والاسباني من الدورين الثاني وربع النهائي على التوالي.
وربما اراد رئيس اللجنة المنظمة لمونديال المانيا 2006 فرانتس بكنباور استباق الامور قبل ان تسوء في المراحل المقبلة، عندما انتقد الحكام لمنحهم البطاقات الصفراء في شكل متسرع، علما ان المونديال الماضي شهد عددا هائلا منها بلغ 267 بطاقة صفراء مقابل 252 في مونديال 1998، وحطم الرقم القياسي لعدد البطاقات المرفوعة في مباراة واحدة مرتين، الاولى في مباراة السنغال والاوروغواي التي رفع فيها الحكم الهولندي يان فيغيريف 12 بطاقة صفراء، والثانية في مباراة المانيا والكاميرون التي رفع فيها الحكم الاسباني انطونيو خيسوس لوبيز نييتو 16 بطاقة صفراء وبطاقتين حمراوين. وكان الرقم السابق 9 بطاقات صفراء في مباراة ايطاليا ونيجيريا في مونديال 1994.
ويرجح ان بكنباور اراد عبر هذا الانتقاد البسيط توجيه رسالة غير مباشرة الى "اصحاب القمصان السود" لتفادي الاخطاء قدر الامكان في المراحل المقبلة من دون ان يشير الى الاداء التحكيمي المخزي الذي رافق غالبية المباريات.
ويمكن القول ان اغفال وسائل الاعلام الاشارة الى بعض الاخطاء التحكيمية الفادحة جاء لعدم تأثيرها في احيان كثيرة على حظوظ المنتخبات في التأهل الى الدور الثاني، لكن في حال تكرار هذه الاخطاء في الادوار المقبلة ستكون الضجة مدوية لانها ستسبب حتما في عودة المنتخب المتضرر منها الى بلاده بحسرة كبرى.
وشهدت مباراة اليابان واستراليا اولى حالات "النشاز" التحكيمي التي افسدت الحان "السيمفونية المونديالية" الغنية بالاهداف واللمحات الفنية الجميلة.
واحتسب الحكم المصري عصام عبد الفتاح هدفا غير صحيح لليابان بعدما تعرض ناوهيرو تاكاهارا للحارس الاسترالي مارك شفارتزر، ما سمح لكرة شونسوكي ناكاموار في متابعة طريقها الى الشباك، قبل ان يحرم اليابانيين من ركلة جزاء اثر عرقلة تيم كاهيل ليويشي كومانو داخل منطقة الجزاء.
الا ان فوز الاستراليين في المباراة انقذ عبد الفتاح من الانتقادات الواسعة على الرغم من ان مدرب اليابان البرازيلي زيكو اشار الى الخطأ الذي ارتكبه الحكم المصري بحق ابطال آسيا.
وشهدت مباراة ايطاليا مع غانا حادثة مشابهة بطلها الحكم البرازيلي كارلوس سيمون الذي حرم الغانيين ركلة جزاء كان بامكانها تغيير مجرى اللقاء، اذ لسنحت لهم فرصة ادراك التعادل بدلا من تلقي مرماهم هدفا ثانيا قضى على آمالهم.
وتحولت تسديدة الفرنسي تييري هنري من يد المدافع السويسري باتريك مولر داخل المنطقة في مباراة فرنسا وسويسرا، من دون ان يشير الحكم الروسي فالنتين ايفانوف الى نقطة الجزاء مفوتا على فرنسا فرصة احراز ثلاث نقاط بأمس الحاجة لها.
وكان الخطأ التحكيمي الفادح في مباراة اسبانيا مع اوكرانيا احتساب الحكم السويسري ماسيمو بوساكا ركلة جزاء لصالح فرناندو توريس على الرغم من ان المخالفة ارتكبت خارج المنطقة، مما تسبب بضرر مزدوج لاوكرانيا التي منيت بهدف في موازاة طرد فلاديسلاف فاتشوك لتسببه بركلة الجزاء.
وبدا واضحا في مباراة تونس والسعودية ان الحكم الاسترالي مارك شيلد ما زال يفتقد الى الخبرة بحكم صغر سنه (33 عاما)، اذ تجلت اخطاءه منذ الدقائق الاولى بعدم احتساب ركلة جزاء واضحة للتونسي زياد الجزيري، الذي سجل بعدها هدفا مشكوكا في صحته لاشتراك زميله راضي الجعايدي المتسلل في اللعبة.
كما اخفق شيلد عند تردده في اشهار البطاقة الصفراء الثانية في وجه التونسي كريم حقي، الى منحه انذارا لياسين الشيخاوي بدلا من حقي الذي ارتكب خطأ قاسيا بحق احد اللاعبين السعوديين.
وعلى الرغم من اشادات الصحف اليابانية باداء الحكم تورو كاميكاوا في مباراة انكلترا مع ترينيداد وتوباغو، فإن الترينيداديين اعترضوا طويلا على الهدف الذي سجله بيتر كرواتش اثر استعانته بأكتاف المدافع برنت سانشو للارتقاء في الهواء وايداع الكرة شباك الحارس شاكا هيسلوب.
ولم تشذ مباراة هولندا مع ساحل العاج عن سابقاتها بعدما حرم الحكم الكولومبي اوسكار رويز العاجيين ركلة جزاء لا غبار عليها.
وعمق الحكم المكسيكي بينيتو ارشونديا من جراح الفرنسيين عندما لم يشر الى وسط الملعب بعدما تجاوزت كرة باتريك فييرا خط المرمى وابعدها الحارس الكوري الجنوبي لي وون جاي!
هذه الاحداث المستنكرة اثارت موجة من الجدال في كواليس مراكز القرار وسط مطالبات البعض باعادة النظر في "مكننة" كرة القدم، بينما ابدى آخرون اصرارهم على التركيز على اختيار اكثرية حكام الاحداث العالمية من اوروبا، وخصوصا ان غالبية "المخطئين" في المباريات المذكورة من خارج بلدان القارة العجوز.