سوريا ولبنان علاقات مميزة ام علاقات مدّولة

بقلم: معن بشور

لن يمر زمن طويل دون ان يكتشف الذين هلّلو للقرار 1680 الذي قضى بتدويل العلاقة بين لبنان وسوريا، ولكل القرارات المماثلة والناشئة اصلاً عن ام القرارات 1559، كم اخطأوا بحق لبنان، وبحق الاطراف التي يمثلون.
ومكمن الخطأ هنا لا ينحصر في الطبيعة اللاقانونية لهذه القرارات المخالفة بوضوح لميثاق الامم المتحدة، والقانون الدولي، والمتدخلة بشكل سافر في شؤون سيادية خاصة بالدول ذات السيادة فحسب..
كما ان مكمن هذا الخطأ ايضاً لا يصدر فقط عن طبيعة التوجه السياسي الذي بات يحكم بعض هؤلاء المتحمسين لهذه القرارات والذي اوصلت الحماسة ممثليهم الى تكريم جون بولتون "حامي اسرائيل"، كما وصفته الجمعية الصهيونية – الامريكية و "العضو السادس" في الفريق الاسرائيلي في الامم المتحدة كما قال سفير الكيان الصهيوني لدى المنظمة الدولية.
بل ان مكمن هذا الخطأ، حتى لا نقول الخطيئة، يتجسد في حجم جهل اصحابه بحقائق التاريخ والجغرافيا في هذه المنطقة، كما بوقائع العلاقات الدولية وتغير موازينها وادواتها على مستوى العالم.
لقد شهد لبنان منذ استقلاله ثلاث محاولات مماثلة لما نشهده اليوم.
اولى تلك المحاولات في اواسط الخمسينات، حين اندفعت الحكومة اللبنانية في سياسة الاحلاف والمشاريع الاستعمارية بقديمها المتراجع (حلف بغداد) وبجديدها الصاعد "مشروع ايزنهاور" وظن الحاكمون يومها ان انحياز لبنان الى هذه المشاريع سيحميه من المد القومي العربي الجارف المتمثل آنذاك بقيادة عبد الناصر والقوى القومية التحررية وفي مقدمها حركة البعث العربي.
يومها ، توجهت الحكومة أيضاً الى مجلس الامن، شاكية آنذاك الجمهورية العربية المتحدة. ومتهمة"اقليمها الشمالي"، بتشجيع عمليات "تسلل" الرجال، وتهريب السلاح، عبر الحدود الدولية، ولم ينجم عن هذه السياسة سوى تعّرض لبنان لواحدة من اخطر الهزات التي مر بها، والتي لم يكن ممكناً ان تنتهي الى استقرار طويل نسبياً، الا بتفاهم عبد الناصر – مورفي الذي أدى الى مجيء الرئيس الراحل فؤاد شهاب والمرحلة الاصلاحية التي إرتبطت بأسمه، فيما غاب عن المسرح السياسي لسنوات ابطال تلك المرحلة من دعاة "تدويل" العلاقة بين لبنان وسوريا وكان اسمها الاقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة.
ثاني تلك المحاولات، وهي الاكثر تعقيدا، تمثلت في ما يسمى بحرب السنتين (1975-1976) وتداعياتها حتى الغزو الاسرائيلي عام 1982، والتي تمثلت "بالحرب على المقاومة الفلسطينية" في اطار مشروع صهيوني يرمي، عبر عدة اطراف، الى الثأر من نتائج حرب تشرين من خلال تسعير الحروب الاهلية، والى الحيلولة دون توظيف نتائج ذلك الانتصار لخدمة اهداف النضال الفلسطيني وبرنامج منظمة التحرير ذي النقاط العشر التي اقرها مجلسها الوطني في حزيران 1974 اي قبل اشهر من اندلاع الحرب اللبنانية.
واذا كنا في هذه العجالة لن نغوص في خلفيات هذه الحرب وهي متشابكة، والجهات التي تورطت فيها وهي كثيرة، والحساسيات التي تقاطعت في اتونها وهي متعددة، لكن من المؤكد ان تلك الحرب قد كشفت للجميع ان "كلفة المعركة مع المقاومة الفلسطينية كانت اكثر بكثير من كلفة التفاهم معها"، وهو درس ينبغي ان يبقى اليوم ماثلاً في الاذهان ونحن نرى البعض مندفعاً الى معركة مدمّرة، مطلوبة صهيونياً، اسمها معركة "سلاح المقاومة" حيث تكاليف تنفيذ الاجندة الامريكية الاسرائيلية هي اكبر بكثير من كلفة رفضها.
ولقد تبين ان حرب السنتين التي ظن كثيرون ان المبادرة السوريا ستنجح في اخمادها (خصوصاً ان الجيش السوري نجح في تحقيق فترة سلام محدودة ما بين 1976-1978) عادت لتستعر من جديد، وبقرار دولي – اقليمي ايضا متصل بزيارة السادات الى الكنيست وبانجاز معاهدة كمب ديفيد وان تصبح القوات العربية السوريا، مثل لبنان والمقاومة الفلسطينية، هدفاً لهذه الحرب.
ولم تنحصر نيران تلك الحرب في لبنان بل امتدت بعض شراراتها الى سوريا نفسها التي شهدت ايضاً في مطلع الثمانينات اضطرابات دموية نجحت القيادة السوريا في السيطرة عليها، لتفاجأ بحرب اسرائيلية ضد لبنان والمقاومة الفلسطينية والجيش السوري معا في حزيران 1982 بعد ان فوجئت بما يسمى "أزمة الصواريخ السوريا" في البقاع قبل عام من تلك الحرب.
اعتقدت اطراف لبنانية ان الجو الدولي والاقليمي يسمح لها لان تحسم امرها في الداخل، عبر انتخابات رئاسية هذه المرة جرت في ظل الاحتلال الاسرائيلي، وعبر اتفاق سلام مباشر مع المحتل الاسرائيلي تم برعاية وزير الخارجية الامريكية المستر شولتز الذي زارنا مع مبعوثيه ومندوبيه مراراً ليكرّس انتقال لبنان من "العهد العربي" الى "العهد الدولي".
في تلك الايام، توجه المسؤولون اللبنانيون الى مجلس الامن، واطلق بعضهم صيحات التهديد ضد دمشق، وباسم فصل ازمة لبنان عن ازمة المنطقة، ادخل لبنان، مرة واحدة، في ازمة المنطقة والعالم كله، وتحولت ارضه الى مسرح عمليات بعضها لبناني – لبناني كما في حرب الجبل والضاحية، وبعضها لبنان – اسرائيلي كما في تصاعد عمليات المقاومة، وبعضها لبناني – عالمي كما جرى في العمليات التي استهدفت القوات المتعددة الجنسية التي ينسى بعض اللبنانيين انها انسحبت عشية المجزرة الصهيونية في مخيمات صبرا وشاتيلا التي دخلت هذه القوات اصلاً لحمايتها.
وكما سقط حلف بغداد ومشروع ايزنهاور في الخمسينات، وسقط اتفاق 17 ايار في الثمانينات، فان مشروع تدويل القضية اللبنانية، أمناً وقضاءاً واقتصاداً وعلاقات داخلية، وعلاقات مع سوريا ومع الاخوة الفلسطيينيين، هو مشروع فتنة لن يكتب له النجاح الا في تدمير ما تحقق في هذا البلد من انجازات.
واذا كان استهداف سلاح المقاومة، لبنانية كانت ام فلسطينية، هو قنبلة داخلية موقوتة لا نعرف موعد تفجرها، وان كنا بتنا نعرف اساليب التعبئة لهذا التفجير، فان استهداف العلاقة اللبنانية – السوريا هو القنبلة الخارجية الموقوتة التي تمسك بصاعقها قوى في واشنطن وتل ابيب تسعى للهروب من مأزقها في العراق وفلسطين وافغانستان. عبر التفجير في لبنان وسوريا وصولا الى ايران.
فهل يدرس بعض المسؤولين في لبنان المندفعين بحماسة الى مشاريع تدويل العلاقة اللبنانية – السوريا، تجارب الماضي وبعضهم ابناء حركات وبيوت وبيئات كانت في طليعة من تصدى لتلك المشاريع والمحاولات.
ان الاخطاء والشوائب التي مرت بها العلاقة بين لبنان وسوريا، وهي اخطاء متعددة في مرتكبيها والمسؤولين عنها سورياً ولبنانياً، تحتاج دون شك الى مراجعة نقدية جريئة بعيدة عن المكابرة او المجاملة، ولكن هذه المراجعة لا تعني تراجعا عن ثوابت وطنية وقومية في العلاقة بين البلدين.
واذا كان بعض المسؤولين يائساً من امكان هذه المراجعة في اطار لبناني – سوري له مؤسساته الدستورية، بذريعة وجود ازمة ثققة يفاقم فيها خطاب سياسي استفزازي او ممارسات عملية انفعالية، فلماذا لا يجري اللجوء الى الصيغ والمبادرات والمؤسسات العربية الجامعة لحل هذه الاشكالات...
اما هذا الاندفاع نحو التدويل، فلقد علمتنا التجارب انه اسرع الطرق لخسارة السيادة والاستقلال والحرية.. بل لخسارة الاستقرار..
ان مسؤولية وقف هذا الاندفاع هي مسؤولية لبنانية وسوريا ايضاً، عبر وقف الاستفزاز من هنا، والانفعال من هناك، عبر استعادة الحوار بين البلدين لأنه السند الحقيقي للحوار الوطني اللبناني خصوصاً بعد ان حدد هذا الحوار رؤيته لهذه العلاقة، وحرصه عليها، لتعود فعلاً علاقة مميزة متكافئة لا علاقة مدّولة تفتح بلادنا لكل انواع التدخل الاجنبي كما نرى اليوم في العراق او افغانستان. معن بشور