يَساريةُ البيتزا واليسارُ البَدَوي

بقلم: د. أسعد الخفاجي

"الحقيقة المؤلمة أفضل من الكذب" توماس مان تُسوِّقُ دكاكينُ السياسة الأميركية للناس، وصفات سياسية عجيبة لا طعم لها ولا نكهة وتدعي أنها مفاهيمُ يسارية، تماماً كما تقدم أكشاك الطعام السريع هناك، "الأقراص" السميكة القبيحة، ذات المذاق "الفاهي" على أنها بيتزا!
نشأ مفهوما "اليسار" و"اليمين" تأريخياً بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789. ومع تأسيس الجمعية الوطنية، إعتاد النواب المعارضون للجمهورية، المخلصون للنظام الملكي المنهار، أن يجلسوا في الجناح الأيمن من الجمعية، لذا أُطلق عليهم إسم "جناح اليمين". بينما كان أنصار ثورة العدالة والمساواة، يجلسون في جهة اليسار، فسُمّوا بناء على ذلك "جناح اليسار". ومنذ ذلك الحين طرأت تطورات وتعديلات جذرية، على هذا التعريف الكلاسيكي لمفهوم ثنائية اليسار واليمين. وقد توسع إستخدامه، ليشمل المواقف السياسية من السلطة، أية سلطة. فالأحزاب السياسية المحافظة، المؤيدة للحكومات القائمة، باتت تسمي أحزاباً يمينية، أما الأحزاب والجهات المعارضة لها، فتطلق عليها صفة المعارضة اليسارية. وغالباً ما يقسم الحزب السياسي المعاصر الى ثلاثة أجنحة: الأول يميني، والثاني يساري، والثالث وسطي. وصار مألوفاً لدي القراء، أن يسمعوا عن وجود تسميات ومصطلحات مبتكرة في الحزب الواحد، ولاسيما في أوربا، مثل كتلة يسار الوسط، أو يمين الوسط، وأقصي اليمين وأقصي اليسار وهكذا. يسارية البيتزا مثلما تتنوع الثقافات السياسية في مناطق العالم، تتنوع المفاهيم والتعاريف للمصطلحات المستخدمة في العلوم السياسية، من بلد لآخر، حسب مستويات التطور فيه. وكما أن للطعام الواحد مثل البيتزا أو الكباب إسماً واحداً، أينما تناولناه، يدل على مظهر الأكلة، برغم الإختلاف الشديد في الجوهر والتكوين والمذاق، من مطبخ الى آخر، نتوقع أن يكون لمفهوم اليسار السياسي، في كل زمان ومكان الإسم نفسه. والحقيقة هي عكس ذاك، فاليسار مفهوم متلون الجوهر والمظهر، تلون التاريخ والجغرافيا، بشكل درامي غير معقول. وتقتصر تعاريف اليسار، في بلدان العالم الثالث، على الماركسية والشيوعية. أما في البلدان الصناعية المتطورة، كالولايات المتحدة وأوربا واليابان وأستراليا، فيعني مصطلح اليسار التيارات الراديكالية ومجاميع المعارضة السياسية للحكومة. بينما يُعرّف مفهوم اليسار في الولايات المتحدة، بصورة مختلفة تماماً عن أوربا. فدكاكين السياسة الأميركية تسوّق للناس وصفات سياسية عجيبة، لا طعم لها ولا نكهة، وتقول أنها مفاهيم يسارية، تماماً كما تقدم أكشاك الطعام السريع هناك، الأقراص السميكة القبيحة، ذات المذاق "الفاهي" على أنها بيتزا!
عموماً فإن اليسار يعني الجماعة التي تدافع عن البرامج السياسية والاقتصادية الليبرالية، وتتبني المناهج التغييرية والثورية، في سعيها لتحسين برامج الحكومة، في التعليم العام، والرعاية الاجتماعية، والصحية للمعوزين. ويضم اليسار طيفاً واسعاً من الجماعات السياسية، تبدأ بأنصار دولة الرعاية والرفاهية للمحتاجين، ثم الاشتراكيين الديمقراطيين، فالاشتراكيين الماركسيين، والشيوعيين والفوضويين وغيرهم. ولقد أدى اليسار المعتدل دوراً بارزاً، في مساندة الحكومة في القضاء على المظالم ومكافحة الامراض الاجتماعية، في المجتمع الأميركي الرأسمالي.. ويطلق المحللون السياسيون المحافظون، على أعضاء الحزب الديمقراطي، وبعض الشخصيات السياسية والأكاديمية والإعلامية، صفات اليسارية لمجرد مطالبتهم بإنسحاب القوات الأميركية من العراق، بالرغم من إلتزام هؤلاء "اليساريين" بالكنيسة، وسياسة السوق الممثلة في وولستريت والعولمة! ويوصم صقور البنتاغون وسائل الإعلام، مثل شبكة سي أن أن، وصحف نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وواشنطن تايمز، ولوس أنجلس تايمز، وشيكاغو تربيون وغيرها، "بعار" اليسارية، لدى نشرها رأياً سياسياً ينتقد السياسة الحكومية العسكرية. ناهيك عن وجود "جناح يساري" ضمن صفوف الحزب الجمهوري، المعروف بأيديولوجيته اليمينية المحافظة حتى النخاع!. من جهة أخرى، فاليسارية من وجهة نظر الأوربيين، صفة "مخففة" كثيراً عن الطرح الأميركي المتزمت. وتعني لديهم المرونة والتوافق، مع الدول والجهات الراديكالية، المناوئة للثقافة الغربية والعولمة الأميركية. ومع كل من يعارض الرأسمالية، والليبرالية، والعولمة، والتأكيد المفرط على إحترام حقوق الإنسان. فالزعماء الأوربيون من أمثال شرويدر وغالاوي وشيراك وبليكس وغيرهم، "المتساهلون" مع الأنظمة التوتالتارية المتشددة في العالم الثالث، مثل إيران وكوبا وسوريا وكوريا الشمالية وعراق صدام، واليمن، ومنظمة حماس الفلسطينية المتطرفة وغيرها، هؤلاء الزعماء ُيعِدُّهم البيت الأبيض "يساريين" أصلاء.
وقد ذهبت إحدى الصحف الأميركية أبعد من ذلك، حينما نشرت تحليلاً للمقارنة بين أسامة بن لادن وصدام حسين، ووصفت الأخير بأنه علماني ويساري و"نصف شيوعي"!. وهناك من الساسة الأميركان الذين حازوا على لقب "يساري"، لأنهم يذهبون من حين لآخر، للأغراض الإنتخابية، في وفود رسمية الى موسكو أو بكين أو هافانا أو بغداد صدام. وإذا زار مندوب إعلامي مقراتهم، فإنه سوف يشاهد صور جيفارا أو كارل ماركس أو ياسر عرفات في مكاتبهم، ويسمع منهم تصريحات مفعمة بالإعجاب المصطنع، عن بطولات الفيت كونغ، والساندانيستا، والثوار البوليفيين، ومنظمة الجبهة الشعبية، أو يمجدون "القادة الثوريين"، مثل هوشي منه، وكاسترو، وجيفارا، وأبي نضال وغيرهم. إن خانة هؤلاء الساسة الأميركان، في الحقيقة، ليس اليسار، وإنما الدرك الأسفل من اليمين المراوغ، لأنهم يستخدمون اليسارية كورقة توت، في اللعبة السياسية الإنتخابية، لكسب أصوات المهاجرين، ولستر "عوراتهم اليمينية" أمام الناس. وهناك يسار آخر يعمل في بلاد العم سام، لا يختلف برأينا كثيراً في الأهداف عن يسار البيتزا، ونقصد به منظمة "صوت البرية" المحسوبة على الحزب الشيوعي الأميركي بنشاطاتها وعلاقاتها المعروفة. يسارية البدو ويتخذ تعريف اليسار في الشرق الأوسط الأقل تطوراً، منحى آخر مختلفاً كل الإختلاف عما هو في الغرب المتحضر. وغالباً ما يكون الوصف أشد تطرفاً، وأمضى بأساً على الموصوف. ومن أهم قواعد المطبخ السياسي العربي، أن تُلصق بالمواطن العادي، أو السياسي أو المفكر أو الإعلامي، "تهمة" اليسارية، إذا إنتمى لحزب شيوعي، أو روّج لفكر ماركسي أو حداثي، أو إذا أُعجب بلوحات بيكاسو، أو شاهد أفلام شارلي شابلن، أو إستمع الى أغاني مارسيل خليفة، أو حضر باليه "بحيرة البجع"، أو قرأ قصص غوغول أو تشيخوف! ويكون من نصيبه نعوت الإلحاد، والزندقة، والإنحلال الخلقي، والعمالة للصهيونية والماسونية وغيرها من النعوت السليطة الشائعة في ثقافات المنطقة. وفي بعض الحالات، يتهم اليمينيون العرب جميع المفكرين الليبراليين أو العلمانيين، أو الناشطين في مجالات حقوق الإنسان أو المجتمع المدني باليسارية، لمجرد الحديث بلغة مختلفة عن لغتهم، أو إستخدام مفاهيم غريبة على مداركهم، مثل فدرالية أو ديماغوغية أو براغماتية أو ديالكتيك أو شوفينية أو كوسموبولتية إلخ. أما اليمينية، حسب التصور العربي، فهي أيديولوجية الأحزاب المتناقضة مع اليسار، بمئة وثمانين درجة!. وقد تعرفت الشعوب العربية حقيقة للمرة الاولى، على الخطاب اليساري، بعد إنتشار الأفكار والأحزاب الماركسية في المنطقة، ضمن حملة إنتشار الأممية الشيوعية، التي بشر بها الحزب البلشفي الروسي بزعامة لنين، إثر قيام ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917.
مما يميز "الوصفة" العربية لليسار، أنها مفعمة بالجهل والغباء والضحالة في الإدراك والحس والتحليل السياسي. لقد رسمت قوى اليسار العربي، بما فيها الأحزاب الشيوعية في الأردن وسوريا ومصر والمغرب ولبنان والسودان وغيرها، صورة مشوهة للبطل العربي والزعيم الوطني. إنها لا تستطيع أن تصدق مثلاً، وجود آلاف المناضلين المصريين، في سجون عبد الناصر، الذي كان في نظرها زعيماً يسارياً! وان آلاف اليساريين العراقيين قد هدرت دماؤهم، في سجون صدام "اليساري"!! واليوم، وبعد أن هبت رياح التغيير على العراق، وأنهى شعبنا معاناته، تحت ظل الصدامية، وبدأ ببناء عهد جديد، نجد اليسار البدوي العربي، ومن ورائه جميع الأطراف الظلامية والرجعية واليمينية، الإقليمية والدولية، يعاود إقتراف إثمه الأزلي، وإمعانه في الإستسلام لمرضه الطفولي التقليدي. نجده اليوم، كما كان في الأمس، واقفاً في الصف الأمامي دون حياء أو تردد، مترحماً على عهد صدام، مانح الكوبونات النفطية، مصفقاً للزعيم الإرهابي الأردني أبو مصعب الزرقاوي، ومباركاً فلول التخريب من بقايا النظام السابق، التي تسفك دم الشعب العراقي بلا رحمة. كل ذلك يحدث لتصفية حسابات حزبية ضيقة، وغير مسوغة مع الولايات المتحدة. من جهة أخرى نشاهد البلدان العربية، وهي تعج بالقواعد والأساطيل الأميركية والإسرائيلية، دونما إعتراض من قبل الأقلام اليسارية القبلية والبدوية.
كلما عدنا بالذاكرة الى الثمانينات والتسعينات، عندما غزا صدام وحزبه، إيران والكويت، وإعتدى على شعبيهما، وقام بحملات الإبادة الجماعية، ضد الشعب العراقي في كردستان وفي الجنوب، ورأينا كيف أن أحزاب اليسار العربي، تسابقت في عقد المؤتمرات واللقاءات، التي تُعِدُّ صدام زعيماً قومياً، لمهاجمته تل ابيب بالصواريخ، كلما ترسخت أحكامنا على ذلك اليسار البدوي، كونه ساذجاً، سطحياً، تافهاً، نفعياً، وعميلاً متهادناً للحكام الفرديين. اللافت أن اليسار العربي قد بارك، ومعه معظم القادة الفقراء نفطياً روبن هود العرب، بسبب مزايداته القومية وشعاراته المزيفة، مثل شعار "إعادة تقسيم" الثروات النفطية، و"نفط العرب للعرب!"، و"النفط مقابل الغذاء". وهكذا اختلط اليمين باليسار في فوضي المفاهيم والخطابات السياسية، مما أسفر عن نشوء كوكتيل عربي "يميني ـ يساري" فريد من نوعه في العالم!
وبعد إنتكاسة اليمين العربي البدوي في حزيران 1967، على أيدي أسياده في واشنطن وتل أبيب، وعلى مدى العقود الثلاثة اللاحقة، شهدت البلاد العربية، ظواهر سياسية غريبة أصابت الشارع، كردود أفعال على النكسة، مثل تبني القوميين العرب اليمينيين أصلاً، الفكر الإشتراكي! كما شهدت المنطقة أيضاً تداعيات راديكالية بلون "يساري" وردي، محرضة على "العنف الثوري"، و"العمل الفدائي"، و"الكفاح المسلح". ونشأت عشرات المنظمات السياسية، على يمين الحزب الشيوعي، وعلي يساره، إبتداءً بحركة القوميين الأشتراكيين، والأشتراكيين الديمقراطيين، والإشتراكيين العرب، و "الكفاح المسلح"، وغيرها من الحركات فوق "الثورية"، و"السوبر- يسارية". وسجل التأريخ السياسي العربي تناقضات "جديدة"، بين الفكر اليساري الكلاسيكي، والخطاب اليساري "النكسوي". وبينما كان مئات الألوف من الجنود والمواطنين، يسفح دمهم في خلال حرب الإبادة الفاشية، التي شنتها السلطة المركزية على شعب كردستان، وشعب الجنوب، أصبح النظام العراقي بقيادة "اليساري العلماني" صدام، متبوئاً لقب "الحارس الأمين" للبوابة الشرقية!! اليسار العراقي تأسس أول حزب شيوعي عراقي، يروج لأفكار ماركس وأنجلز ولينين، في الفلسفة والثقافة والإقتصاد والسياسة، في ثلاثينات القرن الماضي. ومع تأسيس ذلك الحزب بقيادة زعيمه فهد، سمع الناس هنا للمرة الاولى بالايديولوجيا اليسارية، وهي غطاء إتخذه الشيوعيون العراقيون على الدوام ستاراً لهويتهم الحقيقية، خشية بطش السلطة، وملاحقة الجهات الدينية والقومية لهم، وتجنباً لنظرات الشك المجتمعي التقليدي في فلسفتهم "الهدمية"، بالرغم من إمتلاء المكتبات بالمؤلفات الماركسية، وإقبال الآلاف من الناس على قراءة الفكر الشيوعي. والملاحظ أنه في كل مرة يقدم ناشط سياسي نفسه للناس على أنه شيوعي، يحتقن الجو وتصعد الدماء الى الأوداج! وتوجد بالإضافة الى الشيوعيين المنظَّمين في أحزاب، نسبة لايستهان بها، من مثقفي العراق، الذين يتبنون الأفكار والفلسفة الماركسية، دون الإنتماء التنظيمي الحزبي.
في العراق، حسب الدكتور علي الوردي، يوجد شعب منقسم على نفسه، قبلياً، وقومياً، وطائفياً، وفيه العديد من أشكال الصراع والتناقض العشائري، والقومي، والطائفي، المخفي اكثر مما يتصوره العقل. ويعزو الوردي ذلك التناقض الموضوعي، الى إزدواجية العقل الإجتماعي "الجمعي"، الذي يحمل بذوراً أزلية، لصراع مستتر بين القيم القبلية (البدوية)، التي تعكس المشاكسة مع الوالي، والتعنت الفكري والتعصب الأعمى، للقبيلة أو الجماعة أو الطائفة، ولما تحمل من فكر ودين ومذهب، من جهة، وبين القيم المدنية (الحضرية)، التي تهدف الى الإستقرار والسلوك المهني وإطاعة السلطة المركزية، وسماع الرأي الآخر، والخضوع لقرار الأغلبية، من جهة أخرى. عليه، يمكن الإستنتاج أن نسبة لا يستهان بها، من المثقفين الحائزين على قدر واف من الثقافة الماركسية، إكتسبوها في شبابهم، حينما كانوا متحمسين ضد الأوضاع السيئة في بيئتهم، يدّعون اليوم اليسارية، برغم كونهم فكرياً أقرب الى فكر البداوة منهم الى الفكر اليساري. إن يسارية هؤلاء محض صبغ يلون مظهرهم، وسرعان ما ينقضون المبادئ السياسية والفلسفية التي تعلموها في شبابهم، ويتنصلون عنها جملة وتفصيلاً، عند تعرضهم لأدنى "هزة" وجدانية، فيعودون بعدها أدراجهم في الخطاب السياسي، وينزعون عن ضميرهم القشرة اليسارية الواهية، التي غطت جلدهم البدوي لمرحلة من الزمن، ولينتهوا بعدئذ على أرضيتهم القبلية الأصلية، بكل ثوابتها وقيمها المعروفة عن سكان البادية، من عصبية قبلية، وقومية شوفينية، ودينية طائفية، ويمين رجعي بائن. تنطبق على هؤلاء "اليساريين" حالة الإنتفاع من إرتداء الثوب "الأحمر"، لمقاصد وتكتيكات فردية، يسميها الناس في أميركا "شو بزنـس"! د. اسعد الخفاجي
كاتب عراقي