أسئلة نابل

بقلم: محمد سناجلة
أربع مراحل يمر بها المثقفون العرب في تعاملهم مع التحدي الرقمي

أسئلة كثيرة ومهمة طرحتها ندوة النشر الإلكتروني التي عقدت في مدينة نابل التونسية في الفترة من 12-14 مايو/ايار الجاري، وذلك بمبادرة متميزة ومتقدمة معرفيا من قبل جمعية أحباء المكتبة والكتاب في نابل التي يرأسها الشاعر التونسي محجوب العياري.
وشارك فيها عدد كبير من الكتاب والمثقفين العرب الذين تناوبوا على مدى ثلاثة أيام في طرح أسئلة متشعبة حول مختلف جوانب التحدي الرقمي وتأثيراته على حرفة الكتابة والأدب، ومدى استفادة الكاتب والكتاب العربي من الثورة الرقمية عموما وثورة النشر الإلكتروني على وجه الخصوص، وقد طرح الباحثون عددا من الأسئلة لعل من أهمها الأسئلة الثلاثة التالية:
- ما مدى استفادة الأديب العربي من هذه الثورة الرقمية وانفتاحه على عالم النشر الافتراضي؟
- كيف يمكن أن تساهم دور نشرنا العربية، ومؤسساتنا الثقافية وجمعياتنا واتحادات كتابنا في نشر الكتاب العربي والتعريف به عبر هذه الوسائل المستحدثة؟
- ما هي آفاق التعاون الممكنة بين المؤسسات العربية والجمعيات العربية المشرفة على حظوظ الكتاب؟
وهذه الأسئلة ولدت عددا كبيرا اخر من التساؤلات من مثل:
هل أن المجتمع العربي الغارق في أمية الحرف قادرعلى استيعاب الثورة الرقمية، وهل هذا المجتمع مهيأ أصلا للاجابة عن الأسئلة السابقة، والتحديات المختلفة التي يطرحها العصر الرقمي.
وسؤال اخر أخذ قدرا كبيرا من النقاش وهو، ما مواصفات الكاتب في العصر الرقمي، وهل الكاتب بأدواته المعهودة السابقة قادر على الاستمرار في مهنة الكتابة؟؟
لقد طرحت هذه الاسئلة قبل عدة سنوات في كتاب "رواية الواقعية الرقمية" وحاولت الاجابة عليها قدر المستطاع.
وما يثير حقا وما كشفته هذه الندوة/المؤتمر أن المثقفين والكتاب العرب عموما ما زالوا يقفون مفتوحي الأفواه بانشداه واتساع تجاه التغيرات المتسارعة التي تجتاح العالم، وما زالوا على حواف الرغبة ولا أقول التجربة.
هذه الحواف التي تتبدى بصور متعددة منها الرفض السريع وبالذات من جيل معين من الكتاب، أو التشكيك المبطن بالرفض من قبل طرف اخر منهم، وصولا إلى الشك من قبل طرف ثالث، وقلة قليلة تلك التي تصل إلى حافة التجربة ومن ثم القبول والممارسة.
وفي الحقيقة ومن خلال الممارسة الفعلية والملاحظة خلال السنوات الماضية فإننا نستطيع القول أن المثقفين والكتاب العرب عموما يمرون بأربع مراحل في تعاملهم مع التحدي الرقمي.
المرحلة الأولى تتمثل في الرفض والاستهزاء والسخرية من مجمل الطرح وهذا حال غالبية كبيرة من مثقفينا.
المرحلة الثانية تتمثل في الشك وطرح الأسئلة التي تزلزل ما ترسخ في الذهن عبر السنوات الطويلة من الارتهان لنمطية التفكير السلفي (ولا نقصد السلفية الدينية هنا بل السلفية الثقافية المقلدة والمنبثقة عن الخيال السلفي والتي لا تعترف إلا بما نسج على منوال سابق).
أما المرحلة الثالثة فهي الانطلاق من الشك إلى القبول وصولا إلى مرحلة رابعة أسميها مرحلة اللهفة، أي محاولة اللحاق بما فات وبمن سبق.
وأغلب مثقفينا وكتابنا العرب للأسف الشديد ما زالوا في المرحلتين الأولى أو الثانية، وقلة قليلة من وصلت إلى مرحلة القبول، وندرة من وصلوا إلى مرحلة اللهفة.
وما يحزن حقا هو غياب الوعي بخطورة اللحظة... ذلك أن العالم لن ينتظر تثاؤبنا بين المراحل، والثورة الرقمية حالة ديناميكية متسارعة لا تعرف معنى الستاتيك والتأمل والوقوف على أطلال مقولات الحداثة وما بعدها أو قبلها تلك التي سادت ستينيات قرن باد وانصرم، فما يجري اليوم تجاوز الخيال الانساني، بل إن هذا الخيال أصبح يلهث خلف التطورات-الثورات- المتسارعة التي تجتاح العالم، وكما قلنا من قبل، لقد مات الخيال السلفي ولم يبق سوى هذا الخيال المعرفي الذي لا يحده حد ولا ولن ينتظر أحدا.

sanajleh@arab-ewriters.com