أزمة العمل القوميِّ العربيّ

بقلم: بسام أبوغزالة

يبدو أنَّ المؤتمرَ القوميَّ العربيَّ في دورته السابعة عشرة التي عُقدت في الدار البيضاء بين الخامس والثامن من أيار الجاري وما صدرَ عنها من بيان ختاميٍّ حدا الكثرة من الكتابِ إلى الكتابة حولها، مشـيدا بها بعضُهم ومقللا من أهميتها بعضُهم الآخر، وحافزا طائفة أخرى منهم إلى المطالبة بتحرير العمل القوميِّ من "طروحاته وصيغه القديمة". وقد حفزتني عضويتي في هذا المؤتمر من ناحية، والتزامي قديما وحديثا بالفكر القوميِّ العربيِّ من ناحية أخرى، إلى الإدلاءِ بدولي في الموضوع، رغبة في إيضاح الفكرة.
نعم، مما لا شـكَّ فيه أن العملَ القوميَّ العربيَّ يمرُّ في أزمةٍ حقيقيةٍ بدأت تتفاقمُ بعد وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وما تبع ذلك مباشرة من إخراج مصرَ من ريادة العمل القوميِّ العربيِّ، وما تأتى عن ذلك من انهياراتٍ أوقعت الوطنَ العربيَّ في الدركِ الأسـفل الذي نراه فيه اليوم. وبطبيعة الحال، لم يكنْ زلزالُ مصرَ ذاك هو العاملَ الوحيدَ الذي أدى إلى هذه الانهيارات. فهناك عواملُ أخرى تضافرت معا.
تعمَّدتُ أن أسِـمَ هذه السطورَ بعنوان "أزمة العمل القوميَّ العربيَّ"، قاصدا ألا ألصق الأزمة بالفكر القوميِّ العربيِّ نفسه. ذلك أني لا أرى أزمة يعاني منها هذا الفكر، وإن كان ما وُصِف بـ"الطروحات والصيغ القديمة" قد يحتاجُ إلى تطوير هو من طبيعة الكائن الحي. لكنني لا أراه مأزوما كما هو حال العمل القوميَّ العربيَّ. سوءُ فهم الفكر القوميّ العربيّ تعرّض الفكرُ القوميُّ العربيُّ لسـوء فهم، لعله انطلق أحيانا من عصبيةٍ فكريةٍ ترفضُ حتى المناقشة الهادئة. وقد صدرَ سـوءُ الفهم هذا عن الإسلاميين والماركسيين وأتباع بعض الأعراق غير العربية ممن يُقيمون في بلاد العرب، وكذلك من أتباع بعض الطوائفِ، سـواء منها الإسلامية أو غيرُها.
كان الإسـلاميون أولَ من أسـاءَ هذا الفهمَ، ولم ينجُوا في كثير من الأحيان من عصبيةٍ كانت تميلُ إلى بناء جدار فاصل لقطع كلِّ طريق للنقاش. سـببُ هذا، في رأيي، وبعد خبرةٍ طويلةٍ في المناقشة معهم، أن الكثرة منهم تنصِّبُ نفسَها دون غيرها قيِّمة على فهم الفكر الإسلاميِّ. وفي هذا تجنٍّ كبيرٌ على المنطق وعلى الحقيقة. يظنُّ بعضُهم أن التزامَه بالصلاة والصوم والمناداة بدولة الإسلام، وترديدَه القولَ إنه "لا يصلحُ آخرُ هذا الأمر إلا بما صلحَ به أوّله"، كافٍ لتنصيب نفسِه مفتيا في قضايا الفكر وتأويل النصِّ المقدَّس. بل إني كنتُ أعيبُ على الكثيرين من قيادييهم، بَلهَ العامّةَ منهم، تدني إتقانهم للغة العربية لسانا وأدبا. والأدبُ، إذ ينطوي على بحر واسـع من المجاز وصنوف البلاغة، هو المفتاحُ الرئيسُ الذي لا بدَّ منه لفهم النصِّ القرآني وحسن تأويله، باعتباره نصًّا أدبيا مُعجزا.
ضالة الإسلاميين، إذ يَلحُون الفكرَ القوميَّ، قولٌ منسـوبٌ إلى الرسول، عليه السلام، أنْ "دَعُوها فإنها منتنة." والحقيقة أن الرسولَ كان يقصِدُ بهذا القول العصبيّة القبلية لا العروبة. بل أثر عنه اعتزازُهُ بعروبته وبلغة العرب التي جعلها مقياسا لانتماءِ من هي لسانُه إلى العروبة. بل أثر عنه قوله، "أنا النبيُّ لا كذبْ :: أنا ابنُ عبد المطلبْ". وفي هذا دلالة واضحة على أن الإسلام، إذ ينبذ العصبية القبلية، يتقبلُ اعتزازَ المرءِ بقومه الأقربين من أبناء عشيرته، أو بقومِه الأبعدين من أبناء أمته. كلُّ هذا على ألا يتحوّلَ هذا الاعتزازُ إلى عصبيّةٍ تعادي الأقوامَ والأممَ الأخرى، باعتبار ألا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ إلا بالتقوى. والفكرُ القوميُّ العربيُّ الحقُّ لا يُضمِرُ ما في النازية أو الشوفينية من عصبية. بل إنّ له غرضا أساسيا هو توحيدُ هذه الأمة لتعزيز شـوكتها، ومثلُ هذا الغرض ماديٌّ محضٌ، منصبٌّ بالضرورة في مصلحة الأمة. فإن انطوى على اعتزاز مشروع بانتماء العربي لأمته، فإنه لا ينطوي على عصبيةٍ كارهةٍ لغيرها أو مستعليةٍ عليه.
ويمكن إيجازُ الفكر القوميِّ العربيِّ في السعي إلى لمِّ شـمل هذه الأمة المتفرقة وتوحيدها في دولة واحدة، هي وحدَها الكفيلة في أن تجعلَ من هذه الأمة قوة يُحسبُ لها الحساب، بعد أن تداعت عليها الأمم كما تتداعى على القصعة أكلتها. وإذا كان الإسلاميون يريدون دولة توحِّد المسلمين جميعا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، أفلا يرون أنّ توحيدَ الأمة العربية، وهي سـند الإسلام ولحمته، يمكنُ اعتبارُه خطوة أولى لا بدَّ منها لتوحيد المسلمين؟
من حسن الحظ أن الكثرة من الإسلاميين اليوم، وقد حرَّرهم مرورُ الزمن من عصبيةٍ ذاتِ أسبابٍ دنيويةٍ، أخذوا اليوم يتفهمُّون هذا الأمرَ. ولعلَّ إنشاءَ المؤتمر القوميِّ الإسلاميِّ موازيا للمؤتمر القوميِّ العربيِّ، وبمبادرةٍ ودعم منه، كان ذا دلالةٍ مهمّةٍ على هذا التحوّل.
أما الماركسيون والشيوعيون، فقد أسـاءوا هم أيضا فهمَ الفكر القوميِّ يوم تشبثوا بالقول: ما الدعوة القومية العربية إلا نحتٌ من الفكر القوميِّ البرجوازيِّ في أوروبا. وإذ جاءت الماركسية لتنقضَ الفكرَ البرجوازيَّ وما تأتى عنه، فالفكرُ القوميُّ العربيُّ محارَبٌ أيضا في هذا السياق. في رأينا أن الماركسية في الوطن العربي فشلت في الانعتاق من تشـكُّلِها على طبيعةِ المجتمع الصناعيِّ الأوربيِّ الذي نبتت بذورها في تربته. فالماركسية في نهاية المطافِ إن هي إلا فكر، والفكرُ في هذه النظريةِ العظيمةِ بعضٌ من البناءِ الفوقيِّ في المجتمع، وهذا البناءُ الفوقيُّ قائمٌ على بناءٍ تحتيٍّ هو وسائل إنتاج المجتمع. وأزمة الشيوعيين وبعض الماركسيين العرب أنهم كانوا ينقلون ما بُنِيَ على المجتمع الصناعي الأوربي ليُقحموه على مجتمع مازال أغلبُهُ رعويا أو زراعيا بدائيا، وفي أحسن الأحوال صناعيا بسيطا أو خدميا طفوليا. ليس الفكرُ القوميُّ العربيُّ فكرا برجوازيا، لأن البرجوازية تعريفا هي طبقة الصناعيين التي قامت على أنقاض الطبقة الإقطاعية في أوربا، أو أية طبقة مشابهةٍ لها في العالم. فأين الصناعة عندنا وأين هي طبقتها؟ مرة أخرى، لقد بدأت الكثرة من ماركسيينا تدركُ أن الدعوة القومية العربية هي دعوة لتوحيد العرب، وليس لها علاقة، في حد ذاتها، بالفكر الاقتصاديِّ الذي يمكن أن تقومَ عليه دولة الأمة الموحدة. نقول هذا، مؤكدين أن لا بدّ من فكر اقتصادي قادر على تفعيل الجماهير لفرض العمل الوحدويِّ العربيِّ على حُماة القطرية المستفيدين من واقع التجزئة. أما سـمة هذا الفكر الاقتصاديِّ، فليتنافسْ عليها أصحاب النظريات المختلفة، على ألا ينسـلخَ أيٌّ منهم عن الدعوة إلى وحدة الأمة، لأن فكرَهُ في هذه الحال سـيغدو محلقا في سـماء لا أرض تحتها. كذلك، إن لم يعالجْ هذا الفكرُ واقعَ المجتمع العربي ولم ينطلقْ من حقيقته، فسيغدو فكرا خياليا، أكان مستوردا بلا تنقيح أو بدعة محلية تمَّ إنباتها في بيوتٍ زجاجيةٍ محميةٍ من عوامل الطبيعة.
أما أتباعُ الأعراق غير العربية المقيمون في الوطن العربي، فإن الفكرَ القوميَّ العربيَّ لا يهضمُهم حقهم بالضرورة. بل إننا نرى أن الذي يُحرُّكهم ويتباكى على ثقافاتهم هم الإمبرياليون والصهيونيون الذين يريدون تفتيتَ العرب، كما سـنأتي إلى ذكرهم لاحقا. والقولُ عينه قد يقالُ عن أصحابِ بعض الطوائفِ من إسلامية وغيرها. لا نرى في تأليبِ هؤلاءِ على العروبةِ إلا أيدٍ أجنبية مستفيدة من التفتيت. وإنكارُ بعضهم لعروبته وزعمُه بأنه فنيقي لا عربي، كتلك البدعة الفكرية التي أتى بها حزبُ الكتائب في لبنان، هرطقة لا لحم لها على عظم. أين اللغة الفنيقية التي يتكلمونها بدل العربية ما داموا فنيقيين؟ ثمّ ما هذا العجبُ العجابُ أن يكون سايكس وبيكو، يوم شـطرا بلاد الشام، اسـتطاعا بعبقريتهما أن يحدِّدا بالضبط حدود لبنان الفنيقي، فيفصلاه بمهارة بالغةٍ عن سورية وفلسطين، باعتبارهما عربيتين لا فنيقيتين؟ وكيف ينتسب كاتبُ هذه السطور إلى العروبة وأبناء عمومته في لبنان مشمولون بالفنيقية، ولو استطاع الحصولَ على الجنسية اللبنانية لاعتبره دعاة الفنيقيةِ متجنسا لا أصيلا؟ محاربة الفكر والعمل القوميين لعلّ من أعظم عوامل أزمة العمل القوميِّ الحربَ عليه وعلى الفكر القوميِّ العربيِّ الذي يسـتندُ إليه. ولا عجبَ أن يشـنَّ هذه الحربَ بضراوة بالغة أولئك المستفيدون من واقع التجزئة العربية. وأشـدُّ هؤلاء عداوة الإمبرياليون والصهيونيون. فأما الإمبرياليون فإنهم يمثلون القوة التوسعية الاقتصادية التي بدأت في أوربا بعد الثورة الصناعية فيها، وبعد أن باتت أوربا في حاجة إلى الخامات الصناعية، ثم إلى الأسواق المستهلكة لصناعتها. فأخذت جيوشها تغزو العالمَ غيرَ الصناعيِّ وتسيطرُ عليه عسكريا لإخضاعه للغايتين اللتين ذكرناهما. ومنطقُ الغزو إبقاءُ الغازي على ضعفِ مغزوِّه، حتى يبقى مسيطرا عليه. وإذ تطوَّرَ العالمُ، وجلت جيوشُ الاحتلال المباشر عن مستعمراتها بقيتْ بقاعٌ كثيرة من العالم، منها الوطنُ العربيُّ، مسيطرا عليها من قبل الإمبرياليةِ الصناعيةِ الغربيةِ، وعلى رأسِها اليومَ الولاياتُ المتحدة الأمريكية. ولعلَّ بريطانيا في بداية القرن العشرين أدركت خطورة توحِّدِ الوطن العربيِّ على مصالح الإمبريالية، فلم تكتفِ بتجزيء ما تحت هيمنتِها من هذا الوطن، مثل تشطير بلاد الشام إلى أربع دويلاتٍ لا تقوى أيٌّ منها على حماية نفسِها أو حتى على تنمية اقتصادها تنمية يجعلُ من استقلالها – إذا اسـتقلت – استقلالا حقيقيا، بل أسـرعت إلى دعم المشروع الصهيونيِّ الجنين الهادفِ إلى إقامةِ دولةٍ يهوديةٍ في بقعةٍ مناسـبةٍ من العالم، لم يُصَرَّ بداية على فلسطين. فقدَّمت أرضَ فلسطينَ لهذا المشروع بوعدها المعروف الذي وقعه وزيرُ خارجيتها آنذاك، جيمس بلفور. كان الخبثُ البالغُ في هذا الوعدِ يقومُ على أن التشطيرَ وحده غيرُ كافٍ لديمومةِ تفرقةِ العربِ وعرقلةِ توحُّدِهم. فقد يأتي يومٌ تخرجُ فيه هذه الأمة من تحت الهيمنةِ الإمبريالية، وتدركُ الحكمة في توحُّدِها، مشكِّلة بذلك تحديًّا حقيقيًّا للإمبريالية الغربية. لكنَّ زرعَ خليةٍ سـرطانيةٍ في خاصرةِ الوطن العربيِّ حريٌّ به أن يضمنَ ديمومة هدر الموارد وضعضعةِ الاقتصاد وعرقلةِ التنمية، مما يرهنُ هذه الأمة دائما للسيطرةِ الإمبريالية ويحولُ دون توحُّدِها، وبالتالي دون منعتها. وهذا ما نراه اليومَ ماثلا أمام أعيننا. أتحدّى أن يجدَ أحدٌ أزمة يعاني منها العربُ من المحيط إلى الخليج ليس للصهيونية يدٌ فيها. ذلك أن وجودَ دولةِ الاغتصابِ الصهيونيِّ لا يشكلُ رادعا عسكريا وحسب. إذ أن الخبثَ البريطانيَّ في زرع تلك الدولة يُشـبه صانعَ الساعة الذي ضمّن صناعته قانونا تسير عليه سـاعتة، فتبقى تعمل حسب ذلك القانون بعيدا عن صانعها. فدولة الاغتصاب الصهيوني لا تكتفي بأن تكون تابعا مطيعا للإمبريالية الغربية، بل باتت جزءا منها لأنها أيضا تريد الحفاظ على ذاتها، ولأن قادة هذه الدولة يدركون تماما أنها قامت على الاغتصاب، وأنها جسـمٌ دخيل على المنطقة، يُعاني من هاجس التهديد بوجودِه. وهي دولة لا تملك قطعا إلا أن تدافعَ عن وجودها بضرباتٍ اسـتباقية. وإن كنا شـهدنا مثل تلك الضربات الاسـتباقية في شـكلها العسكري، فإن أشكالها الأخرى أشـدُّ فتكا بنا. ليس من مصلحة دولة الاغتصاب الصهيونية أن يتوحدَ العربُ. لذلك لا تملكُ هذه الدولة الدخيلُ ترَفَ التهاون في إدامةِ التآمر على الأمةِ العربية في كل مجال من مجالاتِ حياتها، حتى لا تملكَ أوْهَى إمكانيةٍ في التوحُّدِ أو التنمية. هكذا، إذن، خلقتها الإمبريالية وأصبحت تتحركُ وحدها ولكنْ بالتناغم مع المصالح الإمبريالية، غيرَ قادرةٍ طبعا على الانعتاق عن المخططات الإمبريالية العالمية. لذلك لا نفهم الغباءَ أو التغابيَ الذي بدأ يخرجُ علينا به أصحاب أوسـلو ومن لفَّ لفهم من اللبراليين العربِ الجدد في ضرورة إنهاء حالة الحرب والعداء مع الدولة الصهيونية. صحيحٌ أن التخليَّ عن شـبر واحدٍ من أرض فلسطين التاريخية، لا من أراضي الـ67 وحدها، في رأي كاتب هذه السطور، خيانة كبرى، إلا أن من الغباء المستحكم الظنَّ بأنّ تآمر دولة الاغتصاب الصهيوني على الأمة يمكن لجمه بمعاهدة سـلام. لكننا نعلم أن دعاة هذه الفكرة مرتهنة عقولهم وألسنتهم للإمبريالية الغربية الصهيونية.
أما المستفيدون الآخرون من حال التجزئة، فهم الحكامُ القطريون وبطانتهم. لذلك فإنهم بالضرورة معادون للفكر القوميِّ العربيِّ، مهما أظهروا عكس ذلك في كلامهم الذي هو طاقة صوتية تتلاشى في الهواء. لو كان الحكامُ القطريون جادِّين في توحًّدِ العرب، فلماذا لا يُطبِّقون شـيئا من الاتفاقيات الكثيرة التي وقعوا عليها والتي تقبعُ، ساكنة سكون الموت، على أرفف جامعة الدول العربية، مثل السوق العربية المشتركة ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وغيرها مما يُعَدُّ أضعفَ الإيمان؟ أمراض العمل القوميّ العربيّ أولُ أمراض العمل القوميِّ العربيِّ هو التخلفُ الحضاري. وهذا التخلفُ ذو مظاهرَ كثيرة تشي عن نفسها في كلِّ مناحي حياتنا. وهي أمراضٌ معقدة متداخلة، بحيث يستندُ الواحدُ منها على الآخر، فلا يجزمُ المراقبُ أيها كان مُسـبِّبا للآخر. ولما كان هذا الموضوعُ خارجَ نطاق بحثنا، نكتفي بسـرد بعض عوامل التخلف ومظاهره. من تلك تدني مستوى التعليم في الوطن العربي وارتفاعُ مستوى الأمية، وغيابُ القدرة على الإدارةِ المحكمةِ والتخطيطِ بعيدِ المدى، والفردية دون المؤسسية، والعاطفية في التعامل مع المشاكل السياسية والعلاقات مع الدول، والعصبية القبلية، والأبوية في الحكم، وانعدامُ الديمقراطية الأصيلة. إلى ذلك لا بدَّ من إضافة العمالة لأعداء الأمة، إما وعيا أو عن غير وعي. وكذلك فسادُ أهل السلطة مما يُقزِّمُ الوطنَ في نظرهم حتى يغدوَ أصغرَ من حجم جيوبهم وأقلَّ منها أهمية. هذا غيضٌ من فيض أمراض مجتمعنا التي انعكست على العمل القومي، فأقصته عن فكره وأوقعته في أزمته الراهنة.
برزت أزمة العمل القوميِّ بوضوح حين اسـتولى العسكرُ القوميون على السلطة في بعض الأقطار العربية، حاملين تحت جلودهم ما ذكرنا من أمراض. وإذ اتصف حكمُ العسكر بالدكتاتورية، بدأ الانحرافُ يعتري أساليبهم في الحكم، لأن أمنَ نظامهم بات همَّهم الأول، فوقع الوطنُ في قبضة أجهزة الأمن الصمّاء وابتعد الشعبُ عن المشاركة في القرار، وانتشرت ظاهرة الزعيم الملهم الذي لم يُخلق مثله في العباد. وإذ فشلت الأنظمة الدكتاتورية، ظنّ المعادون للفكر القوميِّ، أو لعلهم وجدوها حجة يستندون إليها، أن العلة كامنة في الفكر لا في من يحمله. أيُّ سطحيةٍ في التفكير هذه!
لا ننسى هنا أن نذكر في سياق أمراض العمل القوميِّ غلوَّ بعض اليساريين من القوميين في معاداتهم للدين. ولعلّ مثلَ هذا الموقفِ ينطبقُ عليه الوصفُ بالـ"الطفولة اليسارية" التي وصفَ بها لينينُ تصرُّفَ بعض غلاة الشيوعيين من أتباعِه. ليس لفكر اجتماعيٍّ أن يتجاهلَ الحالة الشعبية إذا أراد لنفسه أن يكسبَ تأييدَ الشعب. وواقع أمتنا، من المحيط إلى الخليج، أن عامة الناس متدينون بالطبيعة. وهو على غير الحال في أوربا حيث منبتُ الفكر الماركسي. وتجاهلُ هذه الحالة ليس إلا سـباحة عكسَ التيار. وقد خسرت الكثرة من الحركات اليسارية جماهيرَها حين غالت في تنكرها لحالة التدين السائدة في أوساط الشعب، وهي الحالة عينها التي أمدَّتْ الإسـلاميين بهذا السيل العرم من المناصرين. لا شـكَّ في أن الاشتراكية الماركسية تنطوي على عمق في فهم حركةِ المجتمع. ولكننا، كما ذكرنا في استهلال مقالنا، يجبُ ألا ننسى أيضا خصوصية مجتمعنا المتشربِ بعاداتٍ موروثةٍ من تاريخنا الماضي، ومبنيةٍ على وسائل إنتاجنا التي لا تقارن بوسائل الإنتاج الصناعي في أوربا. ورغم مضيِّ ثلاثة قرون على الثورة الصناعية الأوربية، وانتشار الصناعة في أرجاء مختلفةٍ من العالم، فإنّ واقع الصناعة في الوطن العربي ما زالت متخلفة غير قادرة على إحداث تغيير جَليٍّ في تفكير المجتمع وعاداته.
***
أما بعدُ، فبالرغم من كثرة الآراءِ واختلافها حول فعالية المؤتمر القوميِّ العربيِّ، وبالرغم من هناتِه باعتباره نشاطا بشريا لا يزعمُ الكمال، يبقى هذا المؤتمر منارة فكرية تضيءُ كلَّ عام، ونشاطا عقليا يتناقش بين جدرانه مجموعة من قادة الفكر حول حال الأمة وسبل تنميتها. وهذا المؤتمر ليس حزبا سياسيا منظما، فلا جدوى من تحميله ما لا يحتملُ ولا من مطالبته أن يتحوَّلَ إلى حزب سياسي، وإن كان ممكنا لأعضائه كأفرادٍ أن ينضَوُوا تحت جناح حزبٍ أو أكثر، والكثيرون منهم، حقيقة، أعضاء في أحزاب قائمة أصلا. بسام أبوغزالة