استدعاء التدخل

بقلم: معقل زهور عدي

في مرحلة قريبة قادمة قد تجد سوريا نفسها معزولة ومحاصرة، والطوق الذي انفك حولها قليلا خلال الأشهر الماضية قد يعود ليشتد، هذه المرة - ربما - بصورة أقسى وأكثر إحكاماً كما يلوح في الأفق.
الأطراف الدولية التي تمسك بأطراف الحبال لن تفعل ذلك بدون أجندة واضحة، وسواء كان هدف القوى الخارجية تغيير النظام أم تغيير سلوكه كما يكثر القول فالآلية ستكون ذاتها، امتلاك أدوات للضغط وتحريك تلك الأدوات مقابل سلم من المطالب الجزئية التي يطلب تحقيقها واحدة بعد الأخرى بحيث ينتهي الأمر تدريجيا الى توسيع تلك المطالب لتتآكل أثنا ء تلك العملية الإرادة السياسية المستقلة الى حد الذوبان في إرادة القوى الخارجية.
مثل تلك العملية بدأت بالفعل بعد احتلال العراق وكلنا يذكر سلسلة المطالب التي تقدم بها كولن باول لدمشق، ليس كموضوع للتفاوض ولكن كإملاءات معتبرا أن أميركا قد انتصرت ليس على العراق بل على العرب جميعاً، وعليهم بالتالي الإقرار بالهزيمة والتوقيع على شروط الاستسلام ليتمكنوا من مجرد البقاء على قيد الحياة. لكن مياهاً كثيرة جرت منذ ذلك الوقت، ومشروع الهيمنة الأميركي على المنطقة تعثر في العراق بفعل المقاومة وفقد زخمه وقوة اندفاعه، وبدلاً من أن يصبح العراق منصة للانطلاق أصبح فخاً وقيداً يمنع تمدد مشروع الهيمنة باتجاه ايران وسورية.
في لبنان وجدت السياسة الأميركية فرصة لالتقاط الأنفاس، ولتغسل صورتها المشوهة بآثار دماء مائة ألف عراقي وصور التعذيب في سجن أبوغريب ووحشية التدمير الشامل في الفلوجة؛ فرصة من ذهب حاولت ان تظهر فيها كقوة مساندة لإرادة شعب في الحرية، ولتفتح باباً جديدا للدخول الى المنطقة دون سلاح ودون تدمير ودماء.
من درس العراق ودرس لبنان تعيد الولايات المتحدة رسم خطتها ليس للانسحاب من المنطقة ولكن للمضي قدما نحو الأمام في استراتيجية الهيمنة.
من المنطقي أن نتوقع أن تتوسع الولايات المتحدة في الدخول من الباب اللبناني، وأن تحاول تجنب تكرار أخطاء العراق. من ذلك مثلا تجنب خوض المواجهات بصورة منفردة واتقان استخدام غطاء الأمم المتحدة والشرعية الدولية، والاستفادة المثلى من واقع الهيمنة الاقتصادي والسياسي العالمي لبناء شبكة دولية داعمة للحملات القادمة.
باختصار: التوسع في استخدام القوة الناعمة (بالإذن من السيد حسنين هيكل)، وتقييد استخدام القوة المباشرة، واستخدامها يشكل أساسي للتهديد أو عند الضرورة القصوى وبصورة ضربات محدودة، وتلك كانت الاستراتيجية السابقة لأميركا قبل التحول الذي أدخله المحافظون الجدد عليها والذي مهد لحرب العراق.
النماذج بدأت بالظهور في التعامل مع ايران في ملف أزمة المفاعلات النووية، وفي التعامل مع صعود حماس، وأخيرا في التعامل مع الحالة السورية.
للوهلة الأولى يبدو من غير المفهوم استمرار الأزمة بين السياسة الأميركية والسياسة السورية. فموضوع الاحتكاك الرئيسي وهو المخاوف من تسرب المقاتلين والأسلحة والامداد للمقاومة العراقية عن طريق سوريا لم يعد قائماً وفق تصريحات المسؤولين الأميركيين أنفسهم، والسياسة السورية تجاه العراق لم تعد تشكل عنصرا مقلقا في أي من جوانبها حتى ان الحكومة السورية منعت بالقوة مؤتمرا للجان نصرة العراق في حمص الشهر الماضي، بينما تنشط مثل تلك اللجان بحرية أكبر في مصر أو المغرب بل داخل أميركا ذاتها (لجان مناهضة الحرب في العراق).
في لبنان قبلت السياسة السورية بالإجمال بالمطالب الأميركية – الأوربية، وانسحب الجيش السوري من لبنان، أما المسألة الفلسطينية فالحقيقة ان تأثير السياسة السورية فيها بات ضئيلاً أكثر من أي وقت.
اذن لماذا لم تفك الولايات المتحدة الطوق عن سوريا؟ لماذا هذا الإصرار على العزل السياسي والعقوبات، والعودة بين الحين والآخر لنبرة التهديد والزجر؟
شيء واحد فقط يمكن ان يفسر ما سبق، شيء يتصل باستراتيجية للهيمنة لم تصل غايتها بعد، وهي تحاول التقدم باستخدام أدوات جديدة وبثمن أقل مما اضطرت لدفعه في العراق.
يتساءل المرء من أي بوابة ستحاول أميركا الدخول للتعامل مع الحالة السورية؟
حتى الآن هناك بوابتان، واحدة تتصل بلبنان ولجنة التحقيق الدولية والأخرى تتصل بالوضع الداخلي.
سواء أفرز تقرير لجنة التحقيق لمجلس الأمن نتائج ومعطيات درامية، أم جاء مائعا وملتبسا فالحصار حول سوريا ليس مرشحا للانتهاء في المدى المنظور، فقط حدة التصعيد يمكن ان تكون محل التخمين والجدل، هذا يعني أن المعركة التي وجد النظام نفسه فيها - على غير رغبة منه - لن تنتهي قريبا.
في المرحلة السابقة وضع النظام رؤيته للعلاقة مع الولايات المتحدة على اساس استراتيجية تفاهم يتم الوصول إليها بتكتيك مقاومة طالما ان السياسة الأميركية قد حشرته في الزاوية.
لكن السياسة الأميركية لا تبدو بصدد فك الحصار عنه ولا التفاهم معه، وشيئا فشيئا يتعمق الصراع، وهذا ما يلمسه المرء من تبدل المزاج السياسي السوري الذي بلغ حد اليأس من عودة المياه بينه وبين السياسة الأميركية الى مجاريها، يأس دفعه للاقتراب أكثر من ايران وكذلك من حماس، والميل لاستخدام مفردات أكثر راديكالية وأقل ديبلوماسية.
لكن الى أين سيفضي هذا المسار في نهاية الأمر؟
منطقيا سيقود لتفاقم الصراع يوما بعد يوم، عند حد معين ربما يبلغ الصراع نقطة اللاعودة وفق مساره الذاتي، وربما تتقبل السياسة الأميركية هذه النتيجة وتعمل ضمنها ان لم تكن قد سعت إليها بتصميم كامل.
مسألة التدخل في الوضع الداخلي أصبحت قاب قوسين أو أدنى، من وجهة نظر تمدد استراتيجية الهيمنة لم يعد الهدف ضبط السياسة السورية تجاه العراق ولا لبنان ولا المسألة الفلسطينية فتلك أهداف منجزة بل أصبح الوضع الداخلي السوري على مرمى النار.
يشير نعوم تشومسكي الى ان مسألة التدخل في الأوضاع الداخلية للدول تحت حجج مختلفة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أدوات استراتيجية الهيمنة الأميركية للقرن الحادي والعشرين، بينما يذكر سيوم براون في كتابه "القوة والسياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين" (بدءاً من الآن سيصبح أمراً مشروعاً أن تبادر الولايات المتحدة باسم الأسرة الدولية ونيابة عنها للتدخل في شؤون بلد آخر بالقوة العسكرية دون موافقة حكومة ذلك البلد حين تكون تلك الحكومة قد أخفقت في تأمين حقوق الناس الأساسية في حماية الحياة والعدالة، في تطابق مع وجهة نظر منظمات حقوق الانسان).
التعديل هنا ليس في التدخل ولكن في اسلوب ذلك التدخل، ذلك هو درس العراق، ليست الولايات المتحدة بصدد تعديل استراتيجية الهيمنة على المنطقة بقدر ما هي بصدد تعديل مقدار استخدام القوة العسكرية كأداة لفرض تلك الاستراتيجية.
اذن بينما تبحث الولايات المتحدة عن ثغرات في الوضع الداخلي تبرر التدخل، ثغرات تتعلق بالتأكيد بحقوق الانسان، والعلاقة بين الشعب والحكم، يفكر تيار ضمن النظام ان الفرصة مواتية للعودة في البلاد لأجواء الثمانينات وتفكيك المعارضة تفكيكا تاما. فهل من مصلحة سوريا ان تكون بلدا المعارضة الوحيدة فيه هي تلك التي في السجن!
مثل ذلك التفكير يساهم في فتح الباب للتدخل الخارجي، فأفضل ما ترجوه السياسة الأميركية أن تزداد الحقائق الملموسة التي يمكن الاستناد إليها للقول بأن الشعب السوري الذي تنتهك حقوق الانسان فيه والذي يحكم بالرعب قد أصبح بحاجة لمساعدة المجتمع الدولي.
لقد أظهر بيان الاتحاد الأوربي بخصوص حملة الاعتقالات الأخيرة كم أصبحت سوريا مراقبة بدقة، وكم ان الزمن قد اختلف عن الثمانينات والتسعينات، وكم هي مخطئة النظرة التي تعتقد بإمكان تطبيق أساليب قديمة في ظروف مختلفة.
ببلوغ الصراع بين السياستين الأميركية والسورية نقطة اللاعودة تنكشف السياسة السورية القائمة على تكتيك المقاومة من أجل التوصل للتفاهم، فاما ان تتحول من التكتيك الى الاستراتيجية وتبدأ بتوفير متطلبات استراتيجية المقاومة، أو يصبح تكتيك المقاومة عبئا ثقيلا يزيد من خسارة السياسة السورية بصورة متسارعة.
البديل الوحيد المتاح في معركة غير متكافئة بين السياستين السورية والأميركية هو التحول لاستراتيجية المقاومة. مدخل ذلك التحول هو ادخال تغيير نوعي في العلاقة بين الحكم والشعب، تغيير يجزم البعض أن اوانه قد فات، وان ما يجري من اعتقالات يدشن للمرة العاشرة وفاته، لكن الحقيقة أيضا اننا ما نزال في بداية معركة استهداف سوريا، ولعل ارتفاع حرارة المعركة في المستقبل القريب يعيد الاصطدام بالحقائق التي لا بد من مواجهتها تفاديا لمصير قاتم ومجهول لسوريا حكاماً ومحكومين. معقل زهور عدي