دور المرأة في فن 'العديد'

بقلم: السيد نجم
بكائيات الموتى حاضرة دائما منذ القدم

فن "العديد" هو جملة الطقوس والأشعار التي ترددها النسوة في حفلات الموتى بصعيد مصر. ويعد من روافد الفنون الشعبية التي تناقلتها الأجيال منذ أيام مصر القديمة وحتى الآن، على الرغم من كل المستجدات العصرية من وسائل اتصال وإعلام وتعليم.
فقد أشار الكاتب "درويش الأسيوطي" في دراسته الثرية حول أشكال العديد، إلى أنه سأل أمه يوما بقدر من الدهشة: "هل مازال لديك يا أمي من هذا العديد؟!"، أجابت بثقة أنه النهر الذي بلا مصب، يجرى منذ آلاف السنين ولن يجف أبدا!
تعد "البكائية" أو "العدودة" من أشرف الغناء الشعبي، مثلما عد الرثاء من أشرف أشعار العرب، فعندما سأل "الأصمعي" الأعرابي: ما بال المراثي أشرف أشعاركم؟ رد الأعربى: لأننا نقولها وقلوبنا تحترق.
وموضوع تلك البكائية تتلخص في تناول مناقب المتوفى، والطريف أن المرأة قد تردد تلك البكائيات في غير مناسبة الموت أو في حينها، بل ترددها في أية مناسبة متاحة مع تجمع نسائي.. وفى حالات تخلو فيها مع نفسها.. وكأنها تبكى حالها قبل بكاء الموتى.
نموذج من بكائية:
"قالوا شقية (شقية من الشقاء والكدر)
قلت من يومي
قسموا النوايب (قسموا المصائب والأحزان)
طلع الكبير كومي (كومي هو الجزء المخصص لها في قسمة الأحزان)
يا مرت أبويا (أي يا زوجة أبى)
متى تموتي (تتمنى موتها)
وأمسك المفتاح"
لأن المرأة تعد "الرجل" هو الحارس والحامي ومصدر الدخل، فيكون غيابه مصدر الحزن والغم، وتتكفل المرأة بتعليم بناتها تلك الأغنيات.
يرى د.عبدالحليم حفني أن العديد في أصله عربي، وتحول من الفصحى إلى العامية، من أجل الموسيقى والإيقاع الذي يتناسب مع كل منطقة.. إلا أن تلك البكائيات لا تلتزم كثيرا بنسق البحور العروضية في الشعر، حيث تتشكل العدودة (غالبا) من بيتين يتضمنان أربع شطرات، وان بدت أحيانا مقفاة.
كما يرى البعض أن التشابه بين البكائيات في الشام وصعيد مصر، يشي باحتمال أن تكون من مصدر واحد، ولعلها القبائل العربية التي انتقلت من الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام.
الطريف أن تلك البكائيات لا تذكر اسم المتوفى (رجلا أو امرأة)، وهذه الملاحظة لها ما يبررها: فذكر اسم المتوفى قد يماثل أحد الأحياء وهو فأل سيء.. من المعتقدات الطوطمية أن ذكر اسم الميت يزعج المتوفى لأن الاسم جزء منه.. ربما ذكر الاسم يزيد من حدة الإحساس بالفقد وبالألم بالتالي.
كما تتنوع البكائيات من خلال نظرة المرأة إلى الميت.. هناك ما يخص الزوج، ثم الأب، ثم عديم الخليفة أو قليل الخليفة (وهو الرجل الذي تزوج ولم ينجب ولدا أو بنتا، وقليل الخليفة هو الذي أنجب بناتا فقط)، ثم بكاء العريس. وتلك هي البكائيات التي تشكل "ديوان الرجل".
أما ديوان المرأة فيتشكل من البكائيات التي تخص كل من.. الأم، السيدة قليلة الولد (أي التي أنجبت بناتا فقط)، ثم عديد العروسة.
أما الديوان الثالث فهو متعلق بأسباب أخرى وخصيات أخرى قد لا تنتسب إلى السيدة التي تقوم بالعديد.. فهناك عديد القتيل، وعديد الغريب.
ويوجد ديوان لا يقل أهمية عما سبق، هو ديوان المواجع والذكريات، حيث تتذكر المرأة وتشكو وحدها أو وسط مثيلتها ببكائيات خاصة.. مثل عديد اليتم، وعديد الحزن من حيث هو إحساس داخلي لديها بالحزن، وربما تتذكر عزيز لديها فقدته منذ سنوات.
قد يبدو من الواضح الدور الخفي الظاهر للمرأة في هذا اللون من الفنون الشعبية، سواء بصعيد مصر أو في فلسطين والشام عموما والعراق وغيرها من المناطق بالوطن العربي:
.. لا يردد هذا الغناء الحزين سوى المرأة.
.. النصوص تكشف عن علاقة الميت براوية العدودة، وكأن ما كانت للميت علاقات أخرى مع آخرين.
.. واقع الحال يكشف عن دور متوارث للمرأة في تحفيظ وتلقين البنات من أسرتها أو الأسر الأخرى بأسرار هذا اللون من الفنون.
ربما البكائية التالية تكشف عن مدى دور المرأة، ففي بكائية على "الأخ" الذي هو في مكانة (لعلها) أعلى من الزوج لأنه السند والعون، تقول البكائية:
"وين الخية (أين الأخت)
هاتوها (أحضروها)
اتشيل الطين (لتضع الطين على رأسها وصدرها تعبيرا عن الحزن)
على أخوها
وين الخية
وين هيه (أين هي)
أنشيل الطين (لنضع الطين على رأسينا)
أنا وهية (التي تغنى والأخت معا يضعا الطين)
لقد حرصت المؤسسات الرسمية والمهتمة بالفن الشعبي على رصد هذا اللون من الغناء الحزين الشعبي، بل وهناك من توالى المهمة بطموحاته الخاصة واهتمامه بالعديد.. إلا أن الجميع أكد على استحالة جمع وحصر كل قيل وما سيقال فيه، نظرا للإضافات والمكتسبات اليومية من امرأة إلى أخرى، ومن بلدة إلى أخرى، كحال كل الفنون الشعبية. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com