العقيق اليماني: الكنز والاسطورة

بقلم احمد غراب
يجلب الرزق ويسكن الجن

يعتبر العقيق من أوسع الاحجار الكريمة انتشاراً على وجه وباطن الارض، وهذا الانتشار الواسع من حيث النوع والكم واللون اعطاه تنوعاً مثيراً.
ومن البديهي ان لهذا التنوع الكثير الذي حملنا ان نقرنه باختصاصه، أي عمله وفوائده التي يحملها كل نوع، ومن اجود انواع العقيق-الاسود المحمر أو الاحمر المسود، وهو اسود ظاهراً واذا ماعرض على الضوء كانت له حمرة في دواخله، ويسمى "العقيق اليماني".
قال داود في التذكرة: هو حجر معروف يتكون بين اليمن والشحر ليكون مرجاناً فيمنعه اليبس والبرد، وهو انواع واجوده الأحمر والأصفر فالابيض والى غيره من الالوان ومن خواصه: التختم به يدفع عن حامله الهم والغم والخفقان وقيل المشطب منه أجود.
وقال ارسطو، والحديث لداود في تذكرته: اصنافه كثيرة واجوده ما اشتدت حمرته وضعفت صفرته فمن لبس من احسنه سكنت حدته وزال غضبه واجوده ما يجلب من اليمن، وقد يوجد على ساحل البحر في الاردن كما يلبس ضد الخصوم.

ويعتبر العقيقي اليماني هو الافضل عالميا ويستخرج من بطون الجبال، وقد جاوزت شهرته حدود جماليته وفنه إلى ربطه بالكثير من الأساطير والخرافات، فثمة من يعتقد أنه يولج الفرح والحبور إلى القلب، وهناك من يظن أنه يجلب الرزق الوفير والخير الكثير.
وقد تنوعت التفسيرات والروايات المتناقلة حول بداية معرفة اليمنيين لهذا النوع من الأحجار الكريمة، فكثير من الروايات ترجع بداية اكتشاف هذا الحجر الثمين إلى عصر الدولة الحميرية.
وقد ترددت أسماؤه كثيرا في كتب التاريخ، فمنها مؤلفات لسام اليمن الهمذاني الذي وثق أصناف العقيق اليماني، وله شهرة تاريخية كأحد الأحجار الكريمة النفيسة والمطلوبة في بعض الدول العربية والإسلامية مثل السعودية ودول الخليج والعراق وإيران.
وقد كشف عن بعض ما هو شائع من أساطير وحكايات بين أوساط الناس حول منافع حجر العقيق اليماني الذي يعتقد كثير من الناس بمنافعه ومنها: أنه يجلب الرزق والحظ والسعادة ويدفع الأمراض ويسكِّن الجن، وكثير من المعتقدات والأساطير المتوارثة عبر العصور، كما أن كثيراً من الناس ممن يقبلون على شراء الأنواع الأخرى من الأحجار الكريمة للدوافع ذاتها.

وتشير المعلومات إلى أن ممارسة اليمنيين لمهنة نحت الجبال والصخور وبناء القصور والمعابد أدى إلى اكتشافهم لهذه الحجارة الصماء، وهو منافس قوي للذهب والفضة، وتضفي العادات على امتلاك أنواع معينة ومنقوشة بآيات قرآنية وأسماء الله الحسنى معاني ترفع من مكانة حامل العقيق في الأوساط الاجتماعية.

وللعقيق اليماني مزايا كثيرة واستخدامات مختلفة تجذب الكثير من الناس نحو الإقبال عليه واقتنائه وشرائه.
وفيه من الخصائص الفنية التي يتمتع بها ألوانه الأخاذة وأحجامه النادرة إلى جانب الزخارف التي يحتوي عليها من صور وأشكال ورسومات متعددة، فضلا عن الرونق الجمالي الذي يضفيه على المصنوعات الذهبية والفضية عندما تطعم به.
وهو قوي وصلب ومؤثر في الزجاج دون أن يتأثر، علاوة على رسومه الجذابة كعبارات لا إله إلا الله أو محمد رسول الله أو صورة لفتاة أو أشجار أو كائنات حيوانية.
وهذه الرسوم هي نقوش طبيعية لا تتدخل يد إنسان في صنعها، وإنما تتكون كما يقول بعض خبراء العقيق في اليمن نتيجة البرق أو عند هطول الأمطار في هذه الأحجار الكريمة، غير أنه لا يمكن الجزم أو الأخذ بهذا القول على محمل الجد.
وهذه السمات بغض النظر إن كانت حقائق أم خرافات هي التي جعلت العقيق أكثر رواجا في المعارض التي شاركت فيها اليمن في عدد من الدول كألمانيا والبحرين ومصر والإمارات والسعودية.
ويعتبر العقيق هدية يحملها الزوار إلى مواطنهم الأصلية والتي تحظى بالقبول والتقدير لدى المهداة لهم من المعارف والأقارب، واعتقادهم بأن للحجر منافع تغذيها الأساطير والروايات التي تروى عن منافعه المتعددة.

عملية إنتاج العقيق محصور حدوثها في مدينة صنعاء القديمة وحدها دون غيرها من المدن اليمينية الأخرى، وفي "باب اليمن" وحده يكثر وجود حرفيي العقيق وتجاره، حيث يحاول كل منهم إقناع الزائر بما عنده من أشكال وألوان وما لها من كرامات للإقبال على شرائها، حتى أن الفرد منهم يجيد التحدث بثلاث لغات نتيجة الاحتكاك بالأجانب والزوار المقبلين بشدة وبشغف على الحكايات المرتبطة به لاقتنائه وبأغلى الأسعار.

وإنتاج أشكال العقيق، والذي ينتشر على شكل كتل وخيوط داخل الصخور في مناطق جبلية في محافظة حضرموت وصنعاء وذمار ولحج، ظلت حكراً على أسر معينة.

وهناك مراحل مختلفة تمر بها عملية إنتاج العقيق بشكله الجذاب كما يقول حرفيو العقيق والذي يبدأ بقطع مناسبة، ثم ختم هذه القطع بالطين المعجون بالماء وإيداعه في فرن بدرجة حرارة خاصة لفترة 24 ساعة، ومن ثم يقوم الحرفي بواسطة المطرقة بتنظيفه من الشوائب العالقة به، ثم يقطع بأدوات خاصة وبدقة فائقة إلى فصوص مختلفة الحجم والشكل واللون، ومن ثم يبدأ بحك الفص على النار عدة مرات.
وتكرر هذه العملية التي تنتهي "بمجر الطباشير" الذي بدروه يعمل على تلميع الفص وتنعيمه وإبراز لونه حتى يصبح جاهزاً للبيع.
واستخراج العقيق من مناجمه عملية تحتاج إلى جهود جبارة في شق الصخور بالآت حديدية وخبرة في البحث عن أماكن وجود عروق العقيق، ولا يعرف أماكنها إلا أناس متخصصون ومتوارثو المهنة.
والوصول إلى الأحجار الكريمة يكون من مساحة لا تتجاوز عشرة أمتار وعمق يصل إلى ثمانية، ثم إخراجها على هيئة كتل مختلفة الأوزان، ويقدر حجم الخام في العقيق المكتشف ما بين نصف كيلو إلى كيلو غرام.

اما بالنسبة لانواع العقيق فهناك ما يربو على عشرين نوعاً من الأحجار الكريمة، أهمها العقيق الرماني الأحمر، والمعروف عند بعض قليلي العلم الشرعي أنه يجلب الرزق والبركة، وتصل قيمة الفص الواحد إلى أكثر من ألفي دولار.
وهناك العقيق "المشجر" الذي يتميز بأشكال ورسوم طبيعية، وينقش عليه لفظ الجلالة ويصنع منه قلائد وخواتم، ويوجد في محافظة ذمار، وهو أرقى أنواع العقيق المستخدم في الزينة، ويسمى أيضا بالجزع البقراني، وهي تسمية امتدت عبر التاريخ، ووثقها العلماء العرب المهتمون بالمعادن.
ويوجد للعقيق اليماني نوع آخر يسمى "الزبرجد" والذي يحمل أربعة ألوان هي الأزرق والأبيض والأخضر والرمادي.
ويقال إن من خصائصه أنه يبهج القلب، هذا إلى جانب حجر "أضافير الشيطان" والذي يوجد عليه عروق من نفس الحجر تشبه النجوم، و"حجر عين الهر" و"عين النمر" الذي يتلألأ كأعين النمر عند تعرضه للضوء.