بوتفليقة وريتشارد قلب الأسد

بقلم: فيصل جلول

ترافقت زيارات الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة للاستشفاء في فرنسا مع انتقادات عنصرية من النوع الهابط، صدرت بخاصة عن أوساط اليمين الفرنسي المتطرف وعن بعض الشخصيات اليمينية المصنفة في خانة الوسط أو الاعتدال. خلاصة الانتقادات تفيد بأنه ليس من حق الرئيس الجزائري الاعتراض على السياسة الخارجية الفرنسية تجاه بلاده طالما أنه اختار فرنسا للعلاج. وللعلم فإن رحلة بوتفليقة العلاجية الأولى تزامنت مع صدور قانون تمجيد الاستعمار عن الجمعية الوطنية الفرنسية، مما استدعى غضباً جزائرياً شاملاً عكسه بوتفليقة بتصريحات قوية انطوت على تذكير الفرنسيين بالمجازر التي ارتكبوها في بلاده على كل صعيد خلال الحقبة الاستعمارية الممتدة من عام 1830 إلى عام 1962 وكان لهذه التصريحات أثر مهم في تراجع فرنسا عن القانون المذكور.
وتزامنت رحلة العلاج الثانية مع مساع فرنسية لتوقيع معاهدة صداقة وتعاون بين البلدين، كان الطرفان قد اتفقا على خطوطها العريضة قبل صدور قانون تمجيد الاستعمار، وقد زار وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي الجزائر العاصمة لهذه الغاية في أبريل/ نيسان الماضي متسلحاً بإلغاء القانون موضع الشكوى، إلا أن السلطات الجزائرية لم تعتبر ذلك كافياً وطالبت على لسان مسؤولين فيها بوجوب الاعتذار عن الجرائم التي ارتكبها الفرنسيون خلال الفترة الاستعمارية حتى يكون بوسع الشعبين طي صفحة الماضي المؤلمة، وفتح صفحة جديدة، لكن الفرنسيين لا يسمعون عادة من هذه الأذن، ذلك أن الاعتذار من شأنه أن يفتح عليهم أبواب التعويضات المادية والمعنوية ويوقظ قضايا خلافية فرنسية نائمة من شأنها إذا ما نهضت أن تتسبب لهم بأوجاع في الرأس هم في غنى عنها عشية الاستحقاق الرئاسي الفرنسي، لذا طالبوا الجزائر بالنظر إلى المستقبل وليس إلى الماضي مستندين إلى اتفاقيات “ايفيان” التي تلحظ عدم المطالبة بأي تعويض مستقبلي عن أضرار حقبة الاستعمار.
كان من الطبيعي أن يهمل الرئيس بوتفليقة الطلب الفرنسي وأن يعود مجددا إلى التذكير بما سماه “مجزرة الهوية” التي ارتكبتها باريس في بلاده، وكان من الطبيعي أيضاً أن يستنتج معلقون ومحللون من البلدين وسط هذه الظروف أن معاهدة الصداقة والتعاون بين العاصمتين قد دفنت حية. وتشاء الصدف أن يبرز هذا الاستنتاج مع زيارة بوتفليقة العلاجية الأخيرة إلى مستشفى “فال دو غراس” الأمر الذي أثار زوبعة من التصريحات الانتقامية التي وان لم تشمل الأوساط الرسمية الفرنسية، إلا أنها لم تصادف موقفاً رسمياً بوجوب الفصل بين العلاج الطبي والسياسة كما يفترض التعامل الأخلاقي المتعارف عليه دوليا منذ قرون طويلة.
هنا تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الجزائري يدفع كلفة علاجه في فرنسا، وبالتالي لا يثقل كاهل الضمان الاجتماعي الفرنسي بنفقات إضافية، وليس مستغربا أن يقصد فرنسا للعلاج المدفوع الأجر طالما أن العلاقات بين البلدين تقوم على جملة واسعة من المصالح المتبادلة ناهيك عن أن مبادئ الطب الأخلاقية لا تنص على أي شروط سياسية للعلاج، حتى في حالة الحرب، فما بالك في حالة السلم، مما يعني أن منتقدي العلاج يفتقرون فعلا إلى ابسط الاعتبارات الأخلاقية وينحدرون إلى درك لا يليق ببلادهم، بل يسهم في تصغير صورتها على الصعيد الدولي ويسيئون إلى سمعتها في العالم العربي، علما بأن هؤلاء ليسوا قلة فهم بحسب آخر استطلاع للرأي العام يمثلون حوالي ثلث الرأي العام الفرنسي، الأمر الذي يقودنا مجبرين إلى مقارنة أخلاقية بين حالة بوتفليقة الذي يعترض على موقف فرنسي سياسي ويدافع عن تاريخ وكرامة بلاده وشعبه سلماً، وحالة ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا الذي قاد الحملة الصليبية الثالثة ضد العرب والمسلمين جنبا إلى جنب مع ملك فرنسا فيليب أوغست وملك ألمانيا فرديريك بارباروسا، وعلى الرغم من رفضه الصلح والاتفاق مع صلاح الدين الأيوبي فقد أرسل إليه هذا الأخير طبيبه الخاص عندما إصابته طعنة مسمومة علما أنه عاد لقتال المسلمين بعد شفائه ولم يرحل إلا بعد هزيمة حملته عسكريا.
هل يعقل أن تكون أخلاق القرون الوسطى في مثل هذه الحالات متقدمة على أخلاق قطاع واسع من الناس في مطلع الألفية الثالثة، وفي بلد يقدم نفسه للعالم بوصفه وطن النور والأخلاق على الصعيد العالمي؟ ألم يكن حريا بالرئيس الفرنسي جاك شيراك أن يهمل الحسابات الداخلية الفرنسية وأن يقف بوجه الانتقاميين والعنصريين من أبناء بلده، مذكراً بأخلاق التعامل في حالات المرض والعلاج؟
يبقى تذكير العنصريين بفضل العرب على الطب العالمي خلال قرون، حيث يخلص المستشرق لويس يونغ إلى أن غالبية الأدوات الطبية لم يطرأ عليها تغيير جوهري منذ اخترعها العرب في القرون الوسطى، وأن أوروبا ظلت حتى القرن الثامن عشر تمارس العمليات الجراحية التي كان يعتمدها العرب في غابر القرون، وبالتالي فإن كفة الأخلاق في هذا المجال لا تزال طافحة حتى اليوم لمصلحة العرب وليس لغيرهم من ورثة ثقافة الحقد والكراهية.
من جهة العرب لا بد أيضا من التذكير بحكمة لبنانية تقول: “.. الحائط المنخفض الارتفاع يتيح لأي كان تسلقه”. من حسن الحظ أن الحائط الجزائري لا يزال مرتفعاً بما فيه الكفاية ولا يزال عصياً على الحالمين بالعودة إلى عصر استعماري مضى، لكن المشكلة تكمن في ما هو كائن في الداخل أي في الافتقار ضمن أشياء أخرى إلى مشاف عز وجودها في بلداننا مذ طردنا من شبه الجزيرة الأيبيرية.
بين بوتفليقة وريتشارد قلب الأسد انطوت صفحات من تاريخ صراعي مديد بين الشرق والغرب، لكن صفحة واحدة لا تزال مفتوحة ترتسم في متنها حدود أخلاقية عربية تدعو إلى الفخر بكل المقاييس في حين يضم أسفلها نزوعاً غاشماً نحو الحقد والكراهية بما يفوق الوصف. فيصل جلول