'فتّاح الفال' يعود بقوة إلى حياة العراقيين

بغداد
محبوسون في بلورة الشعوذة

يُظهر الممثل العراقي، خليل الرفاعي، في إحدى أدواره في مسرحية "الخيط والعصفور"، التي كانت تعرض في الثمانينات من القرن الماضي، براعة في تقمص شخصية ما يعرف بـ "فتّاح الفال"، الذي يفك الطلاسم، ويدلّ الناس إلى مكان وجود "المستخبي"، بحيل ثعلبية، يرافقها طوال المشهد طرافة الفنّان، وقهقهات الجمهور.
لكن "فتّاح الفال"، أو ما يشبهه من "قارئ الكف"، وأعمال العرّافين، في دول أخرى؛ لم ينقطع عن حياة العراقيين، وإن كان غاب عنهم لسنوات، وهاهو اليوم، وبعد دخول الاحتلال، وسقوط بغداد، يعاود نشاطه ليلعب دوراً بارزاً في حياة العراقيين البسطاء، الذين نزلت عليهم المصائب من كل حدب وصوب، على الرغم من تسليمهم بأنّ الغيب علمه عند الله.
تقول أم علي "لم يبق باب ولم أطرقه، الحكومة، والأمن، والأمريكان، بحثت عنه في كل المستشفيات، وسجلت اسمه عند المنظمات الإنسانية، كلفت أناس للبحث عنه، عن جثته عن أي شيء يمكن أن يقودني إلى معرفة مصير ابني، دون فائدة".
أم علي، وعلى الرغم من مرور أكثر من عام على اختفاء ابنها في ظروف غامضة؛ إلاّ أنها لم تنفك تطرق باب "فتاحي الفال"، والمنجمين، وتسأل "الجان" عن ابنها، بعدما يئست من مصادر "الإنس".
غير أنّ هذه العجوز قالت أنها "تعرف بأنّ الذهاب إلى فتّاحي الفال حرام، ولكن كما تقول "ما عساي؟! إنه ابني، أغلى ما أملك"، كما ـنها متأكدة بأنّ كثيرين منهم "كذّابين ودجّالين، ويضحكون عليّ من أجل المال، ولكن ما حيلتي؟".
"فتّاح الفال"، وأعمال الشعوذة والسحر، مهن كادت أن تشرف على الانقراض قبل الاحتلال، وذلك بسبب حملة أمنية شنّتها سلطات نظام الرئيس السابق صدام حسين عليهم، إضافة إلى الحركات الإسلامية المعتدلة، التي تحذِّر الناس من أعمال السحر والتعامل معهم، وازدياد وعي الناس بسبب البرامج الدينية التثقيفية.
غير أنّ الحال، كما يقول الأهالي، تبدل بعد الاحتلال، وشيوع ظواهر الاختطاف، وبدأت تتسلّل عادات وتقاليد وأعراف جديدة على العراقيين، أو أنه لقدمها بدت وكأنها وُلدت من جديد، كما يقول بعضهم.
يزعم أحد ممتهني "الكرة السحرية"، أنه يمكنه من خلالها رؤية مكان المفقود، مشدِّداً على أنه "يتعامل بصورة علمية، لا تعتمد على السحر أو الشعوذة"!.
ويضيف من تلقى "مهنته" رواجاً وسط التناقضات العراقية "ليس صحيحاً أننا نعتمد التنجيم والتوقعات، إننا نعتمد على حقائق علمية، ولكنّ هذه الحقائق تكون مصحوبة في الغالب بقدرات خارقة توافرت لنا، ليست موجودة عند الآخرين، إننا نتخاطب مع جنود مجهولين، يفعلون ما نأمرهم به، ويمكن لهم أن يعرفوا مكان المُختطف"، حسب ما يلخص الوظيفة التي يقوم بها.
ومقابل تلك التأكيدات بالفعالية في "الإنجاز"؛ فإنّ عدداً ممن فقدوا أبناءهم ثم لجؤوا إلى "فتّاحي الفال"، وأصحاب "الكرات السحرية"؛ أكدوا أنّه لم يتمكن أي من هؤلاء من إرشادهم فعلاً إلى مكان أبنائهم. ويقول جبار طعمة، من سكان منطقة الدورة في بغداد، "إنهم يعتمدون بالدرجة الأساسية على المعلومات التي نزوِّدهم بها".
ويضيف المواطن العراقي الذي نُكِب هو الآخر وبحث عن خيارات يائسة؛ "لقد سبق أن اختفى شقيقي، كان يعمل في منطقة تجارية وسط بغداد، ذهبت إلى أحد فتاحي الفال فأخبرته، فراح يسألني وسط مكان معتم، تعبقه رائحة بخور حادة، عن أخي، وبعد أن أتم أسئلته قال إنّ أخي مختطف، وأنّ هناك جماعة سوف تتصل بي لتطلب فدية مالية كبيرة"، وعندما سألته عن مكان وجوده، قال "إنه ليس له مكان محدّد، لأنّ الجماعة الخاطفة تتنقل به من مكان إلى آخر، وراح يسرد لي عدة أمكنة، وفي النهاية عندما أُطلق سراح أخي مقابل فدية مالية، استرجعت كلام هذا الساحر، فوجدت أنه احتال عليّ بأجوبة، بات كل العراقيين يعرفونها من غير كرة سحرية".
أسعار فتاحي الفال، تختلف باختلاف حال الزبون، وغرضه الذي يبحث عنه، وبحسب "خبراء" مارسوا هذه الهواية من قبل؛ فإنّ بعضهم يكلِّف أشخاصاً لمعرفة الزبون وحالته المادية، بل إنّ بعض هؤلاء يتعاونون مباشرة مع عصابات الخطف، ويتوزعون الأدوار فيما بينهم، بعضهم يخطف والبعض الآخر "يفتح الفال"، ثم يتقاسمون "الأرباح".
وتقول إحصائيات غير رسمية، إنّ عمليات الخطف في العراق، سجّلت أرقاماً كبيرة، إذ بلغت بين النساء والفتيات خلال أعوام الاحتلال الثلاثة ألفي امرأة وفتاة. في حين تعجز المنظمات الإنسانية والمستقلة، عن حصر أعداد المخطوفين من الرجال، الأمر الذي أنعش تجارة "الفال"، وأسواق الشعوذة، ودكاكين السحرة.
ويتندر أحد العراقيين الطرفاء، تعليقاً على انتشار هذه الظاهرة، بأنّ "ظروف العراق والأحداث اليومية التي يشهدها البلد، تجعل منه الدولة الوحيدة القادرة على تدشين أول جامعة لتعليم أصول "الفال"، وطرق قراءة الكف، والفنجان لتتبع آثار المختطفين، وفك طلاسمهم، في الوطن العربي والشرق الأوسط جميعاً"، على حد تعبيره. (قدس برس)