حافلات بغداد وسيلة نقل لكن ربما الى العالم الآخر

بغداد - من عمر العبادي
متى تنتهي المعاناة?

في كل مرة يدير فيها السائق حسين خلف مُحَرك حافلته الصغيرة يتبادر الى ذهنه نفس السؤال.. أيمكن أن تكون هذه آخر رحلة لي؟
والمسافة التي يقطعها قصيرة لكنه يعرف ان المسلحيين كثفوا هجماتهم على الحافلات وأن بعض ركابه سقطوا بالفعل ضحايا للعنف.
ويقول خلف "كنت أقود الحافلة عندما وقع انفجاران كبيران. تضررت حافلتي وأُصيب راكبان في تبادل لاطلاق النار بعد ذلك".
مضيفا "رحلتي تستغرق نحو 30 دقيقة لكنها مليئة بالمخاطر".
وقالت مصادر من الشرطة ان قنبلة مزروعة في حافلة صغيرة انفجرت داخل حي مدينة الصدر الشيعي في بغداد الاحد مما أسفر عن مقتل اثنين على الاقل وجرح ستة.
ووقع هجوم مماثل بحافلة صغيرة في مدينة الصدر الاسبوع الماضي قتل فيه اثنان وأُصيب خمسة.
وتزيد الهجمات على المحطات المزدحمة للنقل والحافلات الصغيرة في بغداد ومدن أخرى، الى جانب عمليات اخرى ينفذها المسلحون، الضغوط على رئيس الوزراء المكلف نوري المالكي لتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم شيعة وسنة وأكرادا لتجنب حرب أهلية.
وفي أحد الهجمات الكبيرة في أغسطس اب الماضي فجر مهاجم انتحاري مركبته في محطة النهضة للحافلات بوسط بغداد وانفجرت سيارة اخرى ملغومة داخل مرأب السيارات بالمحطة مما أسفر عن مقتل 43 شخصا على الاقل.
ولا تسترعي الهجمات الاصغر على الحافلات نفس القدر من الانتباه لكنها تثير نفس القدر من الفزع بين الضحايا وأسرهم مثل ذلك الهجوم الذي قتل فيه خمسة أشخاص في بلدة الحلة جنوبي بغداد في فبراير شباط الماضي.
ويقول مسؤولون بوزارة الداخلية انهم يعتقدون أن المقاتلين يكثرون من استهداف الحافلات الصغيرة لأنها تخدم ضواحي بغداد بالاضافة الى وسط المدينة مما يمكنهم من نشر العنف وإحداث أثر نفسي أكبر.
والافتقار لحافلات كبيرة تابعة للمدينة يمكنها العمل وسط الازمة الامنية التي تسود بغداد يعني ان العديد من العراقيين ليس أمامهم خيار سوى الاعتماد على الحافلات الصغيرة الخاصة وهي هدف يسهل مهاجمته وسط الشوارع المزدحمة.
وفي بلد تتعرض فيه قوات الامن ذاتها للعديد من الهجمات يضطر سائقو الحافلات لفحص ركابهم بانفسهم بحثا عن قنابل أو بنادق.

يقول السائق علي مزهر "أُفتش جميع الركاب لضمان سلامتنا. واذا اشتبهت في أحد لا أدعه يركب الحافلة".
وأضاف "اصبحت أكثر حرصا.. فلا مجال للتساهل في هذا الأمر."
ويتعين على سائقي الحافلات كذلك الانتباه للحساسيات الثقافية الى جانب الانتباه للقنابل والمسلحين الذين يفتحون النار على مركباتهم.
ويتذكر مزهر كيف انه جعل في احدى الرحلات سيدة عجوز تفتش راكبة محجبة بحثا عن أي متفجرات قد تكون تحت ثيابها.
وفي الشهر الماضي افادت تقارير متضاربة من الشرطة أن انتحاريتان يرتدين حجابا أسود أو ربما رجالا يتسترون في ملابس نساء هاجموا مسجدا في بغداد مما أسفر عن مقتل نحو 90 شخصا.
لكن مثل هذه الاحتياطات قد تكون عديمة الجدوى وسط اجراءات امنية مبالغ فيها تتجاوز كثيرا نطاق سيطرة سائقي الحافلات.
فالجدران الخرسانية الضخمة المتعرجة في مختلف ارجاء العاصمة ونقاط التفتيش التابعة للشرطة والدوريات الأميركية قد تسبب اختناقات مرورية تجتذب المفجرين الانتحاريين الذين يبحثون عن حشد كبير لاحداث اكبر عدد من الخسائر البشرية.
ولم يعد أمام العديد من العراقيين الذين كادت تتبدد فرص حصولهم على مصدر دخل معقول خيار سوى ركوب الحافلات رغم أنهم دائما يتساءلون.. هل يدفعون ثمن تذكرة تعادل قيمتها 35 سنتا أميركيا مقابل رحلة للعالم الآخر.
لكن السائقين لا يسعهم سوى الامل في ان تنتبه الحكومة الجديدة للمخاطر التي يواجهونها على الطريق.
يقول جلال جبار (27 عاما) وهو مساعد سائق "نريد حراسة أكبر من الشرطة. لا يمكننا تفتيش الجميع".
لكن بالنسبة لاحمد عبد السلام فان فكرة رفع يديه للخضوع لتفتيش آخر أصبحت مسألة محبطة للغاية.
يفتح عبد السلام وهو بقال يبلغ من العمر 52 عاما حقيبته الرمادية لتفتيشها قبل ان يصعد الى احدى الحافلات ويقول "أنا مستاء جدا من هذا. نخضع للتفتيش في كل مكان".
وأضاف "في يوم من الايام سأجد حارسا يفتشني قبل أن أدخل الى بيتي".