ماذا لو عوقبت إيران النووية اقتصاديا؟

بقلم: د.خليل حسين

ماذا بعدما أعلنت طهران دخولها النادي النووي؟ وكيف سترد واشنطن على ذلك بعد تعذر الخيارات العسكرية جراء الموقف الروسي وغيره من الأسباب والاعتبارات؟ فعلى الرغم من ان العقوبات الاقتصادية على ايران لا تعتبر شيئا جديدا يُضاف إلى نوعية العلاقات الايرانية مع الغرب وبخاصة الولايات المتحدة، فلا زالت واشنطن تسعى بشكل جدي عبر مجلس الامن لولوج هذا الخيار، سيما وان قانون دامتو الذي فرضته على طهران لم يتمكن من تحقيق نتائجه المرجوة بفضل العديد من الاعتبارات التي ساعدت ايران على تخطية والافلات من آثاره.وبصرف النظر عن جدوى هذا الخيار فان الولايات المتحدة تعتبر هذا الخيار اهون الشرين مقارنة مع الخيار العسكري غير مضمون النتائج، لكن في المقابل تثار العديد من الاسئلة المتعلقة بآثار هذه العقوبات على الاقتصاد العالمي بشكل عام والاقتصاد الامريكي بشكل خاص. وهل من الممكن ان تذهب بعيدا بعد القوى الغربية في مسايرة الموقف الامريكي – الاسرائيلي في موضوع الملف النووي الى اقصى الحدود؟ وما هي قدرة ايران على الصمود في وجه العقوبات اذا ما فرضت؟ وما هي الوسائل التي يمكن ان تلجأ اليها لمواجهة هذه الخيارات؟
صحيح ان هدف هذه الخيارات يكمن في حرمان طهران من الاستفادة من صادراتها النفطية وبالتالي الحصول على العملات الاجنبية، الا انه في المقابل يثار التساؤل حول قدرة الغرب على تحمل غياب النفط الايراني اولا ومن ثم كذلك النفط العربي لاحقا، ان الامر متعلق بتحديد احتياطات النفط والغاز الايرانيين وكيفية توزعه على اقتصاديات العديد من دول الغرب.
ان انتاج ايران لاربعة ملايين برميل من النفط يوميا يضعها في المرتبة الرابعة بعد المملكة العربية السعودية وروسيا والولايات المتحدة، اذ يشكل الإنتاج النفطي الإيراني نحو‏5%‏ من الإنتاج النفطي العالمي‏.‏ وهي نسبة يصعب علي الاقتصاد العالمي الاستغناء عنها‏، وبخاصة أن الغالبية الساحقة من الإنتاج النفطي الإيراني تذهب للتصدير وتشكل نحو‏8.5%‏ من الصادرات النفطية العالمية‏.‏
ثمة اسباب واعتبارات جوهرية ستؤثر على سوق النفط العالمي ومن بينها، الارتفاع الكبير في أسعار النفط في الأعوام الأخيرة التي تجاوزت ‏60‏ دولارا للبرميل في العام ‏2005، وكذلك استمرار العوامل المؤثرة في ارتفاع النمو الاقتصادي العالمي وما ترتب عليه من نمو سريع نسبيا في الطلب على النفط،‏ وكذلك تعطل صادرات النفط العراقية بالشكل المطلوب نتيجة الاوضاع الامنية،‏ والتوترات الأمنية والعرقية والسياسية في العديد من البلدان المصدرة للنفط ما يثير المخاوف بشأن استقرار تدفقات النفط منها‏ وكذلك الدور الذي تقوم به شركات النفط بهدف إبقاء أسعار الخام مرتفعة لتحقيق أرباح استثنائية خاصة بالنسبة للشركات التي تملك احتياطيات نفطية كبيرة من خلال اتفاقيات التنقيب والاستكشاف وتقاسم الإنتاج التي تبرمها مع العديد من الدول النامية المنتجة للنفط ‏.‏
اما بخصوص الغاز الطبيعي فإن إيران تصدر نحو ‏80‏ مليار متر مكعب سنويا اي ما يوازي نحو‏3%‏ من الصادرات العالمية ‏.‏ كما تأتي إيران في المرتبة السادسة عالميا في تصدير الغاز الطبيعي بعد روسيا والولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والجزائر‏.‏ وتأسيسا على ذلك فإن خروج الغاز الإيراني سيؤدي الى تضرر الاقتصاد العالمي بشكل لافت لا سيما اقتصاديات الدول التي تعتمد بشكل مباشر على الغاز الايراني.‏.
إن غياب الغاز الإيراني وغياب نحو‏3.5‏ مليون برميل من الصادرات النفطية الإيرانية عن السوق العالمية سوف يشعل الأسعار،‏ ويرتفع بها إلى مستويات قياسية جديدة قد تتجاوز مستوي ‏100‏ دولار لبرميل النفط‏، وعلى الرغم من ان الدول المستوردة وفي طليعتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان وكوريا الجنوبية يمكنها ان تستخدم مخزوناتها التجارية والاستراتيجية من النفط لتعويض غياب النفط الإيراني ولتهدئة الأسعار‏،‏ الا ان هذا الاستخدام له حدود‏، كما ان تضامن العرب في جنوب العراق مع إيران من خلال إشعال المقاومة ضد قوات الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني‏ وإيقاف صادرات النفط العراقي التي تتدفق عبر شط العرب‏،‏ سيزيد الوضع تغقيدا في سوق النفط العالمي‏.‏
ان مخزون النفط العالمي الذي بلغ 4865‏ مليون برميل لن يكون كافيا لاحتياجات الاستهلاك العالمي لأكثر من ‏60‏ يوما، كما ان امريكا الشمالية وأوروبا بمخزوناتها التجارية البالغة‏2201‏ مليون برميل لن تكفي لتغطية استهلاكهما الفعلي لأكثرمن ثلاثة اشهر ‏كذلك.‏ أما بعد هذه الأشهر الثلاثة فإن الأثر لن يكون ارتفاع الأسعار بصورة مذهلة‏ فقط، بل سيكون الاثر مباشرا على الدورة الإنتاجية وتغيير نمط وسلوك الحياة المترفة في الغرب بتقليل الاعتماد على وسائل النقل والأدوات والأجهزة المعتمدة على النفط أو على توليد الطاقة ‏.‏ وهذا الوضع بالذات في جانبه المتعلق بتعطل قسم من الجهاز الإنتاجي يمكن ان يخلق حالة من الركود الاقتصادي العالمي‏،المرتبط بارتفاع الأسعار نتيجة ارتفاع اسعار النفط كمدخل رئيس في إنتاج عدد كبير من السلع والخدمات‏، ما يعني ظهور الركود التضخمي الذي يعد الحالة الأسوأ التي يمكن ان يواجهها أي اقتصاد‏.‏
أما بخصوص البلدان الأكثر اعتمادا على النفط الإيراني كاليابان التي بلغت قيمة واردتها النفطية من إيران نحو ‏10‏ مليارات دولار عام ‏2005 ، والصين التي زادت قيمة وارداتها النفطية من إيران علي ‏5‏ مليارات وجنوب إفريقيا التي تجاوزت قيمة وارداتها النفطية من إيران نحو‏3.3‏ مليار دولار‏، وكذلك‏ كل من كوريا الجنوبية‏ 3.1‏ مليار دولار‏ ،‏ وتركيا‏ 2.5‏ مليار دولار ،‏ وحطي بعض الدول الأوروبية مثل هولندا واليونان وفرنسا وأسبانيا جميعها ستتعرض لأزمات اقتصادية فعلية ولن يكون بمقدورها تخطي هذه المصاعب في ظل الظروف الدولية الراهنة المحيطة بسوق النفط‏، وستكون السياسة المرجحة لمواجهة غياب النفط الإيراني هي تقليل الاستهلاك والتضحية ببعض عناصر الرفاهية وبالنمو الاقتصادي نفسه في بعض الحالات‏.‏
لقد حلت إيران حتى عام ‏1999 في المرتبة الخامسة بين الدول المالكة لأكبر الاحتياطيات النفطية في العالم بعد أربع دول عربية هي‏:‏ السعودية والعراق والإمارات والكويت‏،‏ لكنها تقدمت للمرتبة الثالثة عام ‏2000،‏ ثم قفزت للمرتبة الثانية منذ عام ‏2003‏ وحتى الآن باحتياطي نفطي بلغ‏125.8‏ مليار برميل تشكل نحو‏11.8%‏ من إجمالي الاحتياطي النفطي العالمي‏.‏ أما بالنسبة للاحتياطيات الإيرانية من الغاز الطبيعي فإنها تبلغ نحو‏26618‏ مليار متر مكعب‏، ما يشكل نحو‏15.5%‏ من إجمالي الاحتياطي العالمي من الغاز‏،‏ وبما يضع إيران في المرتبة الثانية عالميا بعد روسيا التي تحتل مركز الصدارة ‏.‏إن هذه الاحتياطيات الهائلة من النفط والغاز تعني أن إيران تشكل ركنا اساسيا لاستقرار إمدادات النفط والغاز عالميا في الأجل الطويل‏.‏ ما يعني ان أي حظر اقتصادي عالمي يشمل قطاع النفط والغاز لايمكن ان يكون إجراء طويل الاجل باعتبار أن العالم لايملك بديلا من النفط والغاز الإيرانيين اللذين يشكلان نسبة كبيرة من إجمالي الاحتياطي العالمي‏.‏
ان شبكة العلاقات السياسية والتجارية التي تمكنت إيران من نسجها مع العديد من الدول المتقدمة والنامية قد مكنتها من وصول قيمة الواردات السلعية الإيرانية نحو‏38.3‏ مليار دولار عام ‏2004 ‏ منها ‏14.8‏ مليار دولار واردات قادمة من دول الاتحاد الأوروبي‏.‏ كما تعد ألمانيا المورد الأول للسلع لإيران اذ بلغت قيمة الصادرات الالمانية نحو‏4.9‏ مليار دولار عام ‏2004.‏ وفي العام نفسه بلغت قيمة صادرات فرنسا لإيران نحو ‏3.2‏ مليار دولار‏،‏ وإيطاليا نحو‏3‏ مليارات دولار‏ ،والصين نحو‏2.8‏ مليار دولار‏، وبلغت قيمة الصادرات الإماراتية لإيران نحو‏2.8‏ مليار دولار‏،‏ والصادرات الكورية الجنوبية لإيران نحو‏2.4‏ مليار دولار‏، وبلغت قيمة صادرات روسيا لإيران نحو‏2.1‏ مليار دولار‏،‏ وصادرات البرازيل ‏1.3‏ مليار دولار‏،‏ وبلغت قيمة صادرات الهند نحو‏1.3‏ مليار دولار أيضا‏،‏ وصادرات اليابان لإيران نحو‏1.2‏ مليار دولار في العام ‏2004.‏ ومن المؤكد ان هذه الدول وشركاتها لها مصلحة اقتصادية كبيرة في عدم تعرض إيران لأي حظر على صادراتها النفطية‏، باعتبار ان إيران إذا فقدت إيراداتها النفطية فلن يكون باستطاعتها تمويل وارداتها‏، وبالتالي ستتقلص وربما تنهار وارداتها من شركائها التجاريين الرئيسيين المشار اليهم‏.‏
أما لجهة قدرة الاقتصاد الإيراني على التعامل مع أي عقوبات اقتصادية محتملة فتتوقف على مدى تنوعه وحدود قدرته على النمو الذاتي المتواصل‏.‏ وتشير بيانات البنك الدولي في تقريره عن التنمية في العالم 2006‏ إلى أن الناتج القومي الإجمالي الإيراني قد بلغ نحو‏154‏ مليار دولار عام ‏2004،‏ وبلغ متوسط نصيب الفرد منه نحو ‏2300‏ دولار في العام نفسه‏.‏ ووفقا لمعدل النمو الحقيقي للناتج الإيراني المقدر من قبل صندوق النقد الدولي‏،‏ فإن الناتج القومي بالأسعار الجارية من المرجح ان يكون قد بلغ نحو ‏170‏ مليار دولار على الأقل في عام ‏2005.‏ اما الناتج القومي الإجمالي المحسوب بالدولار طبقا لتعادل القوى الشرائية بين التومان الإيراني والدولار‏، فبلغ نحو‏505‏ مليارات دولار‏،‏ وبلغ متوسط نصيب الفرد منه نحو‏7550‏ دولارا سنويا في عام ‏2004.‏ كما تحقق إيران فائضا تجاريا كبيرا وفائضا في ميزان الحساب الجاري في ظل استمرار المستوى المرتفع لأسعار النفط والغاز اللذين يشكلان الغالبية الساحقة من صادرات إيران‏.‏ وقد تراجعت الديون الخارجية الإيرانية كثيرا لتبلغ أقل من ‏10‏ مليارات دولار عام ‏2005،‏ وهي ديون متواضعة للغاية لايمكن استخدامها كآلية للضغط علي إيران‏، وبخاصة ان الاحتياطيات التي راكمتها في ظل ارتفاع اسعار النفط في السنوات الأخيرة تمكنها من دفع هذه الديون إبشكل عام إذا رغبت بذلك‏.‏ وقد بلغ متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الإيراني نحو‏6.4%‏ سنويا في الفترة من عام ‏2002‏ حتي عام‏2005‏ وفق لبيانات صندوق النقد الدولي‏،‏ وهو مستوى لافت للنمو‏.‏ أما معدل التضخم فما زال عند مستويات مرتفعة حيث بلغ نحو‏18.5%‏ في عام‏2005،‏ ومن المتوقع ان يظل في العام الحالي عند المستوى نفسه‏.‏
أما ما يتعلق بمعدل تكوين رأس المال الذي يعني نسبة الاستثمارات الجديدة من الناتج المحلي الإجمالي‏،‏ فقد بلغ ‏36%‏ عام ‏2004‏ وهو معدل كبير يفوق المتوسط العالمي البالغ‏21%‏ ويقترب من المستويات المتحققة في الاقتصادات سريعة النمو في شرق آسيا‏.‏ وان كانت إيران تعاني من معدل مرتفع للبطالة بلغ‏12.3%‏ في الفترة من عام ‏2000‏ ألى ‏2002،، كما تعاني من سوء توزيع الدخل حيث يحصل أغنى ‏20%‏ علي نصف الدخل في إيران بينما يحصل ‏80%‏ من السكان علي النصف الباقي‏،‏ ويحصل أفقر ‏10%‏ من السكان على مجرد ‏2%‏ من الدخل الإيراني‏،‏ ومقابل‏33.7%‏ لأغنى ‏10%‏ من سكان إيران‏.‏ ويسهم قطاع الزراعة بنحو‏11%‏ من الناتج المحلي الإجمالي‏،‏ بينما يسهم قطاع الصناعة التحويلية بنحو‏13%‏ منه‏،‏ وتسهم الصناعات الاستخراجية بنحو ‏28%‏ من هذا الناتج ويسهم قطاع الخدمات بنحو ‏48%‏ من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني‏.‏ وهذا الهيكل للناتج المحلي الإجمالي الإيراني يعد نموذجا تقليديا لهيكل الناتج في دولة نامية‏.‏
ومن المؤكد ان الاقتصاد الإيراني المعتمد بشدة على تصدير النفط والغاز سوف يتعرض لهزة عنيفة لو اتخذ مجلس الأمن قرارا يقضي بحظر استيرادهما من إيران‏،‏ وذلك على الرغم من كل المؤشرات الإيجابية في هذا الاقتصاد التي أشرنا إليها‏.‏ لكن ثمة الكثير من الشكوك المبررة تماما في أن يجرؤ أحد على اتخاذ مثل هذا القرار الذي لن تستفيد منه سوى إسرائيل التي ترغب في ايقاف تنامي قوة إيران وعرقلة دخولها النادي النووي‏،‏ وكذلك شركات النفط الأمريكية التي ستستفيد من إرتفاع أسعار النفط ومعها الدول المصدرة للنفط‏.‏ وبالمقابل فإن الاقتصاد العالمي سيصاب بهزة عنيفة وستتعرض المصالح الاقتصادية للكثيرين من شركاء إيران الاقتصاديين في أوروبا وآسيا وبينهما دولة تملك حق النقض هي الصين‏،‏ لضرر بالغ ليس من مصلحتهم التعرض له بأي حال من الأحوال‏.‏
ان الامر يبدو اكثر خطورة اذا ما تطورت الازمة واتجهت الى الخيارات العسكرية فمن الممكن ان تشكل ايران تهديدا جديا لتدفق النفط العربي عبر الخليج ولحركة ناقلات النفط فيه‏، وعندها فإن الاقتصاد العالمي سيتعرض لصدمة كبيرة‏، فاللجوء لهذا الخيار العسكري يعد عملا غير عقلاني إضافة إلى كونه عملا غير شرعي ضد دولة مستقلة لها الحق في المضي قدما في برنامجها النووي السلمي‏، ما دام لم يتم إخلاء المنطقة برمتها من الأسلحة النووية وفي طليعتها الأسلحة النووية الإسرائيلية. د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب