رغم الدم والدمار: اطفال العراق يتعلمون الباليه

بغداد - من عمر العبادي
حتى لا تموت الثقافة العراقية

نهبت عصابات مسلحة كانت تجوب الشوارع في يوم ما الات التشيللو بينما حطم مفجرون انتحاريون القاعات المكسوة جدرانها بالمرايا التي كان يتدرب فيها راقصو الباليه.
لكن حب هذا الفن دفع مجموعة من الطلبة الى الاستمرار في الذهاب الى مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد.
تقول ميديا سرمد البالغة من العمر 14 عاما "كان جدي يعزف على الة الكمان لذا شجعتني اسرتي على ان اتعلم العزف عليها. أحب ان اعزف اعمال موتسارت". واضافت "أريد الاستمرار في هذه المدرسة رغم الاوضاع السيئة. يوما ما أريد أن أكون مؤلفة موسيقية".
وتقع المدرسة بالقرب من قاعدة عسكرية كانت هدفا لكثير من الهجمات الانتحارية وهجمات بقذائف المورتر التي يشنها مسلحون يسعون للاطاحة بالحكومة التي تدعمها الولايات المتحدة.
وكانت المدرسة التي افتتحت عام 1969 واحدة من المراكز الفنية العراقية المرموقة، لكنها الان تكافح لتبقي أبوابها مفتوحة وسط الفوضى التي تعم ارجاء بغداد بعد ثلاث سنوات من الغزو الامريكي.
ويحرس رجال مسلحون بالبنادق بوابات المدرسة فيما يدخل اطفال يحملون حقائب الات الكمان او يرتدون تنورات قصيرة المبنى.
ورغم وقوعها في منطقة خطيرة يقول الطلبة وهم خليط من المسلمين السنة والشيعة وكذلك المسيحيين انهم يجدون السلوى في المدرسة بعيدا عن حمام الدم اليومي في بغداد الذي دفع البلاد الى شفير حرب اهلية.
وتقول بلسم عماد ذات العشر سنوات وهي ترتدي تنورة حمراء براقة وقميصا أبيضا، "عندما ادخل قاعة الباليه انسى كل شيء عن الفوضى بالخارج".
ويملأ الصوت الشجي لكمان جنبات أحد فصول الدراسة، وفي قاعة الباليه يرقص الفتيان والفتيات ازواجا يتدربون باناقة على حركاتهم فيما يوجههم المعلمون.
لكن مديرة المدرسة نجيحة نايف تقول ان العنف القى بظلاله، وتخلف طلاب لان كثيرين منهم يخشون ان يقتلوا وهم في طريقهم الى المدرسة.
وحطمت انفجارات نوافذ ومرايا المدرسة. واجتاح مسلحون فناء المدرسة للاحتماء خلال معارك مسلحة بينما كان الطلبة يعزفون على الالات الوترية وترقص الراقصات على انغام بيانو ضخم.
وكحال الكثير من المباني في بغداد نهبت المدرسة في الايام التي اعقبت سقوط حكم صدام حسين.
وقالت نجيحة انه قبل الحرب كانت المدرسة تواجه مشكلة صعوبة قبول كل من يتقدم للالتحاق بها. ويضم المركز الان 200 طالب وما زال قادرا على الاستمرار جزئيا بفضل المعونات الاجنبية. واضافت "فقدنا الكثير من الطلبة الموهوبين".
ويقول بلال عوف (12 عاما) الذي يعزف على الة المزمار ان اسرته انتقلت من منطقة الدورة الخطيرة بعد تلقي تهديدات بالقتل وهو امر شائع هذه الايام فيما يمزق العنف الطائفي العراق.
واردف "اذا لم نذهب للمدرسة وجلسنا في المنزل ستموت الثقافة العراقية".
وتقول ايثار ماجد (8 سنوات ) التي تعزف التشيللو انها احيانا تحتاج ساعات للوصول الى المدرسة وتؤخرها متاهات نقاط التفتيش وامتار من الاسلاك الشائكة التي تعج بها بغداد.
وتضيف ايثار "يحضرني أبي الى المدرسة. كنت خائفة من الانفجارات واطلاق النار في البداية لكنني اعتدت عليها مع الوقت، احب عزف الموسيقى والانضمام لاصدقائي هنا".
وفي ايام مجدها كانت المدرسة توفد طلابها الى روسيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا في علامة على صلات الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين الطيبة مع دول الكتلة الشيوعية السابقة.
وحضر اساتذة من دول اوروبا الشرقية لتدريس الموسيقى والباليه للطلبة العراقيين لكنهم غادروا جميعا بسبب الحرب والعقوبات في تسعينات القرن الماضي.
ورغم صعوبات الحياة يقول الطلبة انهم يحلمون بيوم ينضمون فيه الى الاوركسترا السيمفوني الوطني العراقي او يرقصون فيه امام جمهور في مسرح بغداد القومي.
تقول رولا فالح البالغة من العمر 14 عاما "احب الباليه، انه المكان الذي استطيع فيه التنفس".