قس مصري: الفضائيات تفسد الحوار الديني

القاهرة
المناوشات الطائفية تتكرر باستمرار

في الوقت الذي تشهد فيه العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر توترا أدى الى وقوع ضحايا من الجانبين، يرى باحث مصري في علوم اللاهوت أن الحوار الديني واجب مع احتفاظ كل طرف بعقيدته.
وقال القس الدكتور ثروت قادس أستاذ مقارنة الاديان بجامعة فرانكفورت الالمانية في كتابه "المسيحية والاسلام من الحوار الى الجوار" ان الحوار يجب أن لا يبنى على الهجوم أو التعصب الذي يسيء للآخرين واصفا نهج بعض القنوات الفضائية الدينية بأنه صراعات اعلامية.
والمتعارف عليه ان المسيحيين في مصر هم أقباط، لكن كثيرا من الباحثين أعادوا النظر في هذه التسمية مشيرين الى أنها لا تخص المسيحيين وحدهم وانما تشمل المصريين جميعا بصرف النظر عن دينهم.
وأوضح قادس أن مصطلح "قبطي" يدل على الجنسية لا على الديانة قائلا ان "كلمة قبطي تعني مصري ولا تعني مسيحي لانها تأتي من كلمة ايجبتوس اليونانية".
كما شدد على أن اللغة العربية "ليست لغة الاسلام فقط بل لغة كل من يعيش في هذه المنطقة... اللغة لا تعني الدين كما ظن الكثيرون في القرون الوسطى خاصة بعد الاسلام لذا أرى أن الحوار الديني باللغة العربية يساعدنا على فهم الاخر".
ولا تمنع العلاقات السلمية بين المسلمين والمسيحيين في مصر من وقوع حوادث عنف نتيجة بعض ما يراه مراقبون استفزازات منها الاعلان عن اسلام مسيحيين أو هروب مسيحيات وزواجهن مسلمين.
وقالت مصادر أمنية الاسبوع الماضي ان شابا في الخامسة والعشرين حاول اقتحام كنيسة العذراء في حي الزيتون بالقاهرة بهدف السرقة ولم يكن يحمل أي الات حادة بعد أيام من اعتداء على كنيستين في مدينة الاسكندرية الساحلية.
وأسفر اعتداء شخص وصفته الحكومة بأنه مضطرب نفسيا على كنيستين بالاسكندرية عن مقتل مسيحي واصابة خمسة اخرين وترتب على ذلك اشتباكات طائفية في المدينة أسفرت عن مقتل مسلم واصابة حوالي 30 من الجانبين.
وصدر الكتاب عن دار البستاني بالقاهرة في 159 صفحة كبيرة القطع وتضم صفحته الاخيرة معلومات عن مؤلفه قادس (64 عاما) منذ حصوله على البكالوريوس في العلوم اللاهوتية عام 1961 وسفره الى ألمانيا حيث عمل راعيا في الكنيسة الالمانية منذ عام 1972 حتى عام 2002 كما حصل على درجات علمية منها الدكتوراه في اللاهوت من الولايات المتحدة عام 1995 حول "الحوار المسيحي الاسلامي" والدكتوراه في الاداب من قسم الدراسات العربية من جامعة هيدلبرج الالمانية عام 1997.
وبدأ المؤلف مقدمة الكتاب بعنوان "باسم الله الواحد الذي نعبده جميعا" مشيرا الى أن هذه البسملة مقتبسة من استهلال البابا شنودة الثالث بطريرك الكرازة المرقسية في كلمته في افتتاح مؤتمر "الاسلام ومستقبل الحوار الحضاري" الذي نظمه المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية بالقاهرة عام 1996.
وتحت عنوان "الكنيسة في شبه الجزيرة العربية" استعرض الكتاب صورا من التعايش المشترك في هذه المنطقة قبل الاسلام وبعده مشيرا الى أن "رسائل بولس" تفيد أنه قضى ثلاث سنوات ونصف السنة في شبه الجزيرة وخاصة المنطقة الشمالية.
كما نقل عن كتاب "المسيحية والحضارة العربية" للاب جورج قنواتي قوله "كانت المستوطنات المسيحية في جنوب الجزيرة العربية مزدهرة أيام النبي العربي (محمد) الذي وهب ضمانات لمسيحيي نجران".
ويعد الاب جورج قنواتي (1905 - 1994) من أبرز المسيحيين المصريين الذي سعوا لارساء لغة الحوار بين الثقافات والاديان ومن مؤلفاته "المسيحيون في مصر" و"تاريخ الصيدلة والعقاقير في العهد القديم والعصر الوسيط" و"مؤلفات ابن سينا".
وأشار قادس الى أن التاريخ يشهد بما تتسم به مصر من تسامح مع الوافدين المسالمين.
ففي نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر استقبلت مصر جالية لبنانية مسيحية حملت معها كتبها ومطابعها وأثمرت فيما بعد نهضة ثقافية تنويرية باصدار مجموعة من المجلات "وهنا نجد ثمرة التعاون والتفاهم بين الاديان والمذاهب المختلفة وأريد استخدام كلمة تفاهم وليس كلمة تسامح اذ لا يوجد خصومات بين الاديان والمذاهب".
وحث على تصحيح بعض المفاهيم واعادة النظر في مصطلحات تاريخية مثل "الحروب الصليبية" واصفا اياه بأنه "خطأ كبير... الحروب الصليبية ليست خطأ جماعيا بل شخصيا فهي مسؤولية من دعا اليها ومن الصعب أن نحكم على شعوب بسبب خطأ شخصي".
واندلعت الحروب الصليبية على خلفية خطبة شهيرة للبابا أوربان الثاني بمجمع كليرمون بجنوب فرنسا في نوفمبر تشرين الثاني 1095 قال فيها "يا له من عار لو أن هذا الجنس الكافر المحتقر عن حق المجرد من القيم الانسانية وعبد الشيطان تغلب على شعب الله المختار" ودعا لاسترداد "الارض المقدسة" من المسلمين. وفي العام التالي بدأت الحملات العسكرية التي استمرت نحو قرنين.
وقال قادس ان السياسة منذ عصر الملك الروماني قسطنطين تدخلت في الدين وأدى ذلك الى التأثير على الجانب الروحاني كما أساء الى مفهوم الايمان المسيحي الذي تحول الى "تدين شكلي".
وأصدر قسطنطين عام 311 مرسوما فأصبحت الديانة المسيحية احدى الديانات المعترف بها وفي عام 379 تم الاعتراف بالديانة المسيحية كدين رسمي للدولة الرومانية.
ولا يوجد احصاء رسمي لعدد المسيحيين المصريين وتذهب بعض التقديرات الى أنهم يمثلون 10 في المائة من السكان البالغ عددهم أكثر من 70 مليون نسمة.
وقال قادس ان الجميع مواطنون لا فرق بين مسلم ومسيحي "لا نؤمن في مصر بأن هناك أقلية... كلنا أقباط أي كلنا مصريون".