الفلسطينيون: من هدف الدولة إلى البحث عن خيارات أخرى!

بقلم: ماجد كيالي

منذ العام 1974 تمترست الحركة الوطنية الفلسطينية وراء هدف إقامة السلطة الوطنية، أو الدولة المستقلة، في الأراضي المحتلة عام 1967 (الضفة والقطاع)، بعد أن اقتنعت بعدم قدرتها على تحقيق هدف تحرير فلسطين، التي كانت انطلقت على أساسه، في منتصف عقد الستينيات، بحكم التفوّق الإسرائيلي الفادح في موازين القوى، وبسبب المعطيات الدولية والإقليمية غير المواتية.
كذلك فقد برّرت الحركة الوطنية الفلسطينية، هذا التحوّل، بضرورة جلب تعاطف المجتمع الدولي معها، واكتساب شرعية دولية، للتعويض عن العجز في موازين القوى، وأيضاً بضرورة التماثل مع السياسة العربية، التي باتت بعد حرب اكتوبر (1973) تركّز على قيام مساومة تاريخية تتضمن قبول إسرائيل في المنطقة مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة في حرب يونيو (1967).
على أية حال فإن معضلة الفلسطينيين لم تكن تنحصر في توجّههم نحو هذا الخيار بالذات، وإنما كانت تكمن في كيفية إدارتهم لأوضاعهم، ومدى إجماعهم على خيارات معينة، كما بالنسبة لقدرتهم على المبادرة السياسية والمناورة، أو المزاوجة، بين خيارات سياسية عدّّة.
وفوق كل ما تقدم، فإن المشكلة الأكبر للفلسطينيين، وعلى الرغم من نضالهم المضني والمرير والطويل، إنما تكمن بأنهم في مجمل خياراتهم السياسية أغفلوا أهمية التوجّه نحو عدوهم، في خطاباتهم السياسية أو في اختيارهم لأساليبهم الكفاحية. ومرد ذلك يعود إلى ثقافة سياسية مفادها أن العدو الصهيوني، هو مجرد كتلة صماء، وأن المجتمع الإسرائيلي هو مجتمع استيطاني/عسكري (لا مدنيين فيه)، وأن الكيان الصهيوني هو ثكنة عسكرية فحسب، أو قاعدة للإمبريالية في المنطقة العربية، لا أكثر ولا أقل.
وعلى الرغم من أن طبيعة إسرائيل وسياساتها في المنطقة العربية تؤكّد كل هذه الحقائق، ولا تنفيها، قد كان حريّ بالحركة الوطنية الفلسطينية التعامل مع المشروع الصهيوني باعتباره ظاهرة سياسية عادية، كغيرها من الظواهر التاريخية الاستعمارية، لا اعتبارها ظاهرة فوق التاريخ. وكان من مصلحة الفلسطينيين التمييز بين مختلف أطياف المجتمع الإسرائيلي، أو على الأقل العمل على خلق التمايزات، واستثمار التناقضات القائمة بين تياراته؛ خصوصا أن الحركة الوطنية الفلسطينية لا تواجه، فقط، جيشا محتلا، أو مجموعة من المستوطنين، ليس لديهم وطن أمّ، على أهمية ذلك، وإنما هي تواجه، إضافة إلى كل ما تقدم، مجتمعا قائما بذاته، بكل مظاهره وحراكه وتناقضاته.
وبالنسبة للجانب الميداني /الكفاحي، فإن مشكلة الفلسطينيين تكمن في طبيعة التكوين التاريخي لحركتهم الوطنية، التي نشأت في الخارج، في مناطق اللجوء والشتات، بعيدا عن كل مجالات الاحتكاك اليومي مع العدو الذي تواجهه، وأنها نشأت على ثقافة العسكرة والتجييش، ماجعلها تضفي نوعا من القدسية على العمل العسكري، في مقابل الاستهتار بالعمل السياسي، كما بكل أشكال الكفاح الشعبي /المدني.
هكذا ففي الحالين أخفقت الحركة الوطنية الفلسطينية في الاشتغال على التناقضات الإسرائيلية، بل إنها في أحيان كثيرة، اشتغلت على الضدّ من ذلك، أي لصالح طمس هذه التناقضات، وتعزيز وحدة الإسرائيليين من حول التيارات الأكثر تصلباً وتطرفاً في المجتمع الإسرائيلي؛ وعلى الأقل فقد حصل هذا الأمر لحظة عودة حزب الليكود إلى السلطة بانتخاب بنيامين نتنياهو (1996)، كما حصل لحظة انتخاب شارون (2000)، من دون أن يعني ذلك مراهنتنا على خصومهما.
ففي هذين الحالين، على سبيل المثال لا الحصر، أسهم الخطاب الفلسطيني الشعاراتي والعاطفي، كما أسهمت العمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية، في توحيد الإسرائيليين، وانزياحهم نحو اليمين، أي نحو القوى الأكثر صهينة وتطرفاً ضدهم؛ الأمر الذي أسهم، بين أسباب أخرى، في كل هذا التدهور.
وفي كل الأحوال فإنه لم يكن بالإمكان إقناع الإسرائيليين بإمكان تحول الفلسطينيين نحو التسوية، في وقت يتم فيه شنّ العمليات ضدّهم في المطاعم والملاهي والأسواق والحافلات، كما لم يكن بالامكان إقناعهم بصدقية قبول الفلسطينيين بدولة لهم في الضفة والقطاع، وهم يكثفون عملياتهم بالضبط في تل أبيب ونتانيا، مثلاً، بدلا من تركيزها ضد الوجود الإسرائيلي، العسكري والاستيطاني، في الضفة والقطاع المحتلين.
بهذا المعنى فقد فشل الفلسطينيون بتوليد حركة قوية مناهضة للاحتلال في المجتمع الإسرائيلي، مثلما فشلوا في تعزيز التناقضات الإسرائيلية الداخلية، وفي الحالين فهم أخفقوا في توجّههم لمخاطبة المجتمع الإسرائيلي، سياسيا وميدانياٍ، ما يعني أن هذه الحركة أخفقت في إحدى مهماتها التاريخية.
اللافت أن الحركة الفلسطينية في بداياتها كانت أكثر جرأة، وأكثر قدرة على مخاطبة الإسرائيليين، فهي، مثلاً، تبنّت هدف إقامة دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين(1968)، يتعايش فيها الجميع بغضّ النظر عن دينهم وقوميتهم ومعتقداتهم. وكانت هذه الحركة تؤكد، آنذاك، بأن هدف الثورة الفلسطينية ليس تحرير فلسطين من الصهيونية فحسب، وإنما تحرير اليهود من الصهيونية. وللأسف، فإن هكذا لمعات مبكّرة في الخطاب الفلسطيني لم يكتب له النجاح، أولاً، بسبب قطعها وعدم استمرارها أو إنضاجها أو البناء عليها، في واقع كان الخطاب الفلسطيني فيه أميل للروح الشعاراتية والعاطفية والمزاجية. وثانياً، بسبب تحوّل الحركة الفلسطينية إلى هدف إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع المحتلين، كما قدمنا، وتمترسها عنده.
الآن ليس القصد من هذا الكلام القطع مع هدف الدولة المستقلة في الضفة والقطاع، ولكن القصد منه لفت الانتباه إلى أن هذه الهدف ربما لم يعد له من معنى في مستوى الصراع الدائر اليوم على الأرض الفلسطينية. فالطرف الإسرائيلي مضى كثيرا في بناء المعطيات التي تفرّغ هذه الهدف من محتواه، عبر بناء الكتل الاستيطانية، وتهويد القدس، وبناء جدار الفصل العنصري، والسيطرة على البني التحتية، وعلى الحدود والمعابر. وفي مثل هذا الواقع لم يعد يضير عتاة اليمين الإسرائيلي، قيام دولة أو إمبراطورية فلسطينية (على حد أحد تصريحات شارون). والأنكى أن إسرائيل تعد اليوم، في ظل حكومة ايهود اولمرت، لانسحاب أحادي من الضفة الغربية، يتيح لها تحديد حدودها، بحسب مصالحها وأولوياتها.
وباختصار فإن إسرائيل تتوخّى من هذا الخيار الأحادي التخلص مما تسميه الخطر الديمغرافي، والحفاظ على طابعها كدولة يهودية، وأيضا، صدّ الادعاءات بأنها دولة تمييز عنصري "أبارثايد"، كونها تخلّصت من عبء السيطرة على الفلسطينيين في الضفة الغربية، مع بقاء سيطرتها على أرضهم، مباشرة أو مواربة.
في هذه الحال الصعبة، أي في حال تملّص إسرائيل من المفاوضات، بادعاء أنه لم يعد ثمة شريك لدى الفلسطينيين، وسعيها للتهرب من استحقاقات عملية التسوية، القائمة على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، ودولتين لشعبين، فإن الفلسطينيين مطالبين بالبحث عن خيارات أخرى.
على ذلك فإن الفلسطينيين اليوم باتوا مطالبين أكثر من أي وقت مضى بالكفّ عن تغطية الادعاءات الإسرائيلية بوجود سلطة قائمة، وكأن الاحتلال قد انتهى، أو كأن الخلاف هو بين إسرائيل وبين هذه السلطة. وعلى الفلسطينيين، في هذه المرحلة، التحرك سياسيا، للبحث عن خيارات أخرى، لإبراز الطابع الاستعماري العنصري لإسرائيل، وإبراز مسؤوليتها عن الأوضاع المتدهورة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإعادة الصراع إلى جوهره الحقيقي أين بين الاحتلال والشعب الذي يناضل للتخلص من الاحتلال.
ربما تفترض هذه الخيارات طيّ هدف الدولة الفلسطينية المستقلة (ولو إلى حين)، وربما تطلّب الأمر، أيضا، التوجّه جدّياً نحو حلّ السلطة، لوضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كدولة محتلة، وتفويت سعيها للانفصال (الشكلي)، الذي يتيح لها التخلص من السكان فقط مع الاحتفاظ بالأرض. أما طيّ هدف الدولة، مع الابقاء على السلطة، فهذا الأمر يتطلّب خطابات وسلوكيات سياسية وميدانية فلسطينية جديدة، لصالح مطالب أخرى متواضعة، تتعلق بالمساواة والعدالة، أو لصالح مطالب ذات أفق استراتيجي أعمق، تشمل خلق مسارات توريطية تدفع باتجاه قيام دولة "ثنائية القومية"، أو دولة اتحادية أو "دولة ديمقراطية علمانية"، في كامل أرض فلسطين، مستقبلاً، في نوع من التحدي الفلسطيني. ماجد كيالي