المشروع التحديثي التونسي يبدأ من المرأة

بقلم: محمد بوسنينة
التونسية واثقة من نفسها

ينشط حوالي مليون تونسي من مختلف الأعمار والاختصاصات والاهتمامات في أكثر من 8600 جمعية تكون بدورها شرايين المجتمع المدني الذي يعتبر من أنشط المجتمعات المدنية في المنطقة العربية.
وتؤكد الإحصائيات أن تونس تزخر بوجود 8600 جمعية أهلية تنشط في مختلف المجالات الثقافية والرياضية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية إلى جانب 9 أحزاب سياسية كما أن هناك حوالي 500 جمعية تونسية تنشط في الخارج وتعمل لفائدة الجالية التونسية المتواجدة في مختلف القارات. ويعتبر التونسيون ظاهرة تنامي الجمعيات في عهد التغيير الذي قاده الرئيس زين العابدين بن علي منذ 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 دعامة أساسية ترسّخ أركان المجتمع المدني التونسي.
ومن بين 8600 جمعية يوجد بتونس 460 جمعية تنموية و304 خيرية واجتماعية و500 جمعية خارج تونس موجهة للمهاجرين التونسيين. كما بلغ عدد الناشطين في مختلف هذه الجمعيات مليونا و71 ألف منخرط، أما عدد النشطاء في الهيئات المديرة للجمعيات فيبلغ 53500 ناشطا.
كما أن 200 جمعية من الجمعيات الناشطة ترأسها نساء. ولا غرابة في أن تسجل المرأة التونسية هذا الحضور القوي في العمل الجمعياتي وهي التي تميزت بمشاركتها الفاعلة في مسيرة تونس الحديثة.
وإن في إقرار الرئيس زين العابدين بن علي يوم 23 أبريل/نيسان من كل سنة يوما للجمعيات يؤكد أهمية الدور الذي يضطلع به النسيج الجمعياتي باعتباره أحد أبرز مكوّنات المجتمع المدني في تعزيز رصيد المكاسب والإنجازات عبر النهوض بالموارد البشرية التي تعتبر الثروة الحقيقية لتونس وتكريس قيم المواطنة والديمقراطية ونشر ثقافة المبادرة والتطوّع والتضامن صلب المجتمع فضلا عن معاضدة جهود الدولة في دفع مسيرة التنمية الشاملة والمستديمة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية ومساندة الخيارات الحضارية والأهداف الطموحة التي تضمنها البرنامج الرئاسي لتونس الغد بكل نجاعة واقتدار.
من هذا المنطلق بادر الرئيس بن علي بإعطاء دفع للحياة الجمعياتية في تونس من خلال تطوير التشريعات المتعلقة بالنسيج الجمعياتي وتوفير الحوافز اللازمة لدعم نشاطه وتطوير أساليب عمله وهو ما أتاح تطور عدد الجمعيات من 1976 جمعية سنة 1987 إلى 8850 جمعية في عام 2006 تنشط في سائر المجالات وتغطّي مختلف مناطق البلاد فضلا عن الجالية التونسية بالخارج.
ويعتبر حذف الترخيص الخاص ببعث الجمعيات وتعويضه بتصريح من أبرز التعديلات التي أدخلت على قانون الجمعيات في تونس فضلا عن إقرار مساعدات وتشجيعات مالية سيّما للجمعيات الناشطة في مجال البحث العلمي وتطوير التكنولوجيا وتشريكها في وضع السياسات ودعم الجمعيات التنمويّة المسندة للقروض الصغرى وتحمّل الصندوق الوطني للتشغيل 21/21 نسبة 50% من المنحة المسندة لحاملي الشهادات العليا المنتدبين للعمل بالجمعيات.
كما تحتلّ الجمعيات مكانة بارزة في البرنامج الانتخابي للرئيس زين العابدين بن علي الذي خاض به حملة الانتخابات الرئاسية التعددية في 24 أكتوبر/تشرين الاول 2004 "بن علي لتونس الغد". فمن بين 21 نقطة تضمّنها البرنامج تحتوي 11 نقطة على قرارات وأهداف ترمي إلى مزيد دعم دور النسيج الجمعياتي على غرار إحداث جمعية تنموية مختصة في القروض الصغرى في كل مقاطعة والتشجيع على إحداث جمعيات لنشر الثقافة الرقميّة في كل المحافظات مع توفير حوافز للجمعيات التي تنجز برامج لا ماديّة ومواقع واب جديدة إلى جانب تكريس التواصل مع النسيج الجمعياتي للتونسيين بالخارج.
ويعتبر مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات "إفادة" الذي أحدث في 5 أبريل/نيسان 2000 آليّة هامّة في مجال دعم العمل الجمعياتي في تونس وتطوير أدائه وتنمية موارده وتيسير انخراط الجمعيات في الاقتصاد اللامادي وذلك من خلال تقييم أنشطتها وتنظيم ندوات ودورات تدريبية وتكوينية لفائدة أعوانها بصفة منتظمة حيث بلغ عدد دورات التكوين من فيفري 2001 إلى 15 أفريل 2005 حوالي 97 دورة استفاد منها 1451 عضوا ينتمون إلى 758 جمعيّة. حضور فاعل للمرأة التونسية ولقد حرص الرئيس بن علي منذ تحوّل 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 على تعزيز مكانة المرأة التونسية صلب الأسرة والمجتمع والارتقاء بدورها من طور المساواة الكاملة مع الرجل في الحقوق والواجبات إلى مرتبة الشراكة الفاعلة معه في مسيرة التنمية والتحديث وكسب رهان مجتمع المعرفة فضلا عن دعم حضورها في الحياة السياسية وفي الهيئات المنتخبة ومواقع القرار وتفعيل انخراطها في مجهود التنمية وفي بناء جمهورية الغد وذلك بعد أن عمل على تعزيز حقوقها الأساسية وإثراء مكاسبها إيمانا منه بأن حقوق المرأة جزء لا يتجزّأ من المنظومة الشاملة والكونيّة لحقوق الإنسان وأن البناء الديمقراطي لا يكتمل دون مساهمة ناجعة للمرأة.
ومن هذا المنطلق اقترن الحضور الفاعل للمرأة التونسية في الحياة العامة والسياسية بالتطوّر المطرد لعدد الجمعيات والمنظمات النسائية تجسيما للإرادة السياسية الإصلاحية التي تحدو الرئيس بن علي في دعم حضور المرأة في العمل الجمعياتي باعتبار أن "الحياة الجمعياتية لا تنشط حقا إلا إذا غطت كافة شرائح المجتمع وخصوصا المرأة".
فالمرأة التونسية اليوم تمثل ثلث المنخرطين في الجمعيات والمنظمات أيّ ما يفوق نصف مليون ناشطة. كما تتواجد المرأة في الهيئات المديرة للعديد من الجمعيات وتقدّر نسبة حضورها في هذه الهيئات 20% كما أنها تتولى رئاسة 25 جمعية ومنظمة تنشط في مختلف الميادين ومن أبرزها الجمعيات التابعة للمنظمات والاتحادات الوطنية وهي الاتحاد الوطني للمرأة التونسية والغرفة الوطنية للنساء صاحبات المؤسسات التابعة للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية واللجنة الوطنية للمرأة العاملة التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل والجامعة الوطنية للفلاحات التابعة للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري إلى جانب الجمعية التونسية للأمهات والمنظمة التونسية للتربية والأسرة وجمعية المرأة من أجل التنمية المستديمة والجمعية النسائية "تونس 21". دور بارز للجمعيات النسائية في دعم جهود التنمية وتضطلع الجمعيات النسائية التونسية بدور هامّ في معاضدة جهود الدولة في مجال النهوض بالمرأة عموما والإحاطة بالمرأة وبالفتاة الريفيّة بصفة خاصّة بما يضمن تعزيز دورها في تربية الناشئة وتحقيق التوازن الأسري ودعم مواطن الرزق فضلا عن استقطاب النساء للانخراط في برنامج تعليم الكبار وفي برامج التكوين المهني تجسيما لطموحات الرئيس بن علي الذي قال : "لقد راهنا منذ الطور الأوّل من التغيير على ادماج النشاط الجمعياتي في مختلف المجالات التنمويّة واعتبرنا العمل في صلب الجمعيات من أبرز مظاهر تكريس المواطنة وأنبلها وعاملا من عوامل التحديث والتنمية وعنوانا من عناوين العمل والبذل والعطاء ومقياسا لتقدّم الشعوب وتطوّرها".
وفي إطار الشراكة مع الوزارات التي تعنى بالقطاعات الاجتماعية على غرار وزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنّين ووزارة الشؤون الاجتماعية والتضامن والتونسيين بالخارج ووزارة التشغيل والادماج المهني للشباب تساهم الجمعيات النسائية في دعم الأنشطة الموجهة للمرأة الريفية والنساء حاملات الإعاقة والفاقدات للسند العائلي ومحدودات الدخل وذوات الاحتياجات الخصوصية عبر رعايتهن إلى جانب تمكينهنّ من قروض صغرى بهدف بعث مشاريع فرديّة تيسر اندماجهن صلب المجتمع وفي الدورة الاقتصادية.
وجدير بالتذكير أن القمّة العالمية حول مجتمع المعلومات التي احتضنتها تونس من 16 إلى 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2005 شهدت أنشطتها الموازية مشاركة أكثر من 31 جمعية تونسية منها 15 جمعية نسائية أهمّها : جمعيّة المرأة وتكنولوجيات الاتصال وجمعية "بسمة" للنهوض بتشغيل المعاقين ومنظمة الشبيبة النسائية والجمعية التونسية للبحث عبر الشبكات الالكترونية وجمعية التضامن الدولي... وهو ما جعل نسبة حضور المرأة التونسية في أشغال تلك القمّة العالمية لا تقلّ عن 30% من جملة المشاركين.
كما تقوم المنظمات والجمعيات النسائية بدور حيويّ في تشجيع الفتاة على ممارسة الرياضة والتوعية بأهميّة بعث النوادي الرياضية وتأطيرها باعتبارها أنشطة اجتماعية وترفيهية ذات انعكاسات إيجابية على تعزيز العمل الجمعياتي وتكريس إشعاعه من الوسط النسائي وهو ما انعكس جليّا في عدد الجمعيات النسائية الرياضية المختصّة الذي ارتفع من حوالي 14 جمعية سنة 1992 إلى ما يفوق 40 جمعية حاليّا إلى جانب تطوّر عدد الفروع الرياضية النسائية من 170 فرعا إلى أكثر من 217 فرعا مختصّا صلب الجمعيات الرياضية. الاتحاد الوطني للمرأة التونسية: عراقة وفاعليّة ويعتبر "الاتحاد الوطني للمرأة التونسية" أوّل منظمة تونسية نسائية في تاريخ تونس حيث تأسس سنة الاستقلال في 1956 تحت اسم "الاتحاد القومي النسائي التونسي" وهو يضطلع بدور ريادي منذ ما يقارب نصف قرن في تأطير المرأة والفتاة التونسية وفي تجذير الحركة النسائية في المجتمع التونسي وجعلها رافدا من روافد البناء ومقوّما أساسيّا من مقوّمات التنمية عبر استقطاب الكفاءات النسائية وتشريكهنّ في أنشطة المنظمة والإصغاء لمشاغل المرأة في الوسطين الريفي والحضري وتفعيل قدراتها صلب كل القطاعات سيّما في مجالي الاستثمار وبعث المشاريع الصغرى.
ويتوفر الاتحاد على مركز للإحاطة والتوجيه الاجتماعي الذي أحدث في 14 أوت 2003 ومركز للإحاطة الاقتصادية بالمرأة الذي أحدث في أوت 2004 إلى جانب ما لا يقلّ عن 13 رابطة نسائية كرابطة نساء المهن الطبيّة ورابطة النساء الإداريات ورابطة النساء الحقوقيات ورابطة المرأة والمحيط ورابطة النساء الاتصاليات...
ولاتحاد المرأة التونسية 199 مركز تكوين و39 روضة أطفال و24 فرعا بالخارج و669 فوجا لتعليم الكبار و900 فرع ترابي ومهني وأكثر من 148 ألف منخرطة وهو يتمتع بالصفة التمثيلية في حوالي 10 منظمات عالمية وإقليمية أبرزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي لمنظمة الأمم المتحدة والمجلس العالمي للمرأة والمنظمة العالمية للأسرة واتحاد النساء الإفريقيات والمنظمة العالمية للطفولة...
إن المكانة المرموقة التي أضحى يحتلها المجتمع المدني في المشروع التحديثي لتونس بما في ذلك الجمعيات النسائية يبرز أهميّة الدور الموكول لها في دفع مسار التنمية وترسيخ مقومّات التماسك الاجتماعي وغرس روح المبادرة والنهوض بقدرات الأفراد بهدف رفع التحديات المطروحة وكسب الرهانات المستقبلية بما يفسح المجال واسعا لتونس للارتقاء بكل كفاءة واقتدار من مرتبة الدول الصاعدة إلى مصافّ الدول المتقدّمة. محمد بوسنينة
كاتب صحفي تونسي