سانتانا 'عراب' اللعب النظيف والكرة الهجومية

بيروت - من شربل كريم
مدرب من ذهب

لم يكن البرازيلي الراحل تيليه سانتانا يوما بحاجة لان يكون لاعبا عظيما على غرار مواطنيه الكثيرين لينضم اليهم في نادي العظماء الذين رفعوا "بلاد السامبا" الى قمة كرة القدم العالمية.
فهذا المدرب الذي عرف باعتناقه اسلوبا فريدا في طريقة ادارة المجموعة على ارض الملعب وخارجه، لم يتمتع بأقدام ساحرة جذبت الذهب العالمي باتجاه البرازيل، بل اتسم بفكر كروي ذهبي ورثه اصحاب القمصان الصفراء حتى يومنا هذا.
ويبدو سانتانا في نظر البرازيليين المدرب الذي ارسى قواعد الكرة الهجومية المتبعة من المنتخب البرازيلي منذ عقد من الزمن، وتحول عبرها منتخبا لا مثيل له يعاني نجومه هوس الانجراف نحو مرمى الخصم حتى اصبح المذهب الهجومي مرادفا "للسيليساو" والنوادي البرازيلية المختلفة.
ويمكن القول ان النتائج المتفوقة التي تحققها البرازيل اليوم، يعود الفضل في جزء منها الى الصبغة التي الصقها سانتانا في اذهان المدربين الذين تعاقبوا على تدريب المنتخب الذهبي الفائز بكأس العالم خمس مرات، اذ حاول غالبيتهم بطرق متشابهة نوعا ما السير على الخط الذي رسمه "المايسترو" في ثمانينات القرن الماضي.
ولا مجال للاستغراب عند تصنيف سانتانا في خانة اعظم المدربين البرازيليين على الاطلاق بشهادة المدرب التاريخي ماريو زاغالو ومدرب المنتخب الحالي كارلوس البرتو باريرا، الذي اعاد البرازيل الى مكانها الطبيعي بعد 24 عاما عجاف بفوزه بكأس العالم التي استضافتها الولايات المتحدة عام 1994.
الا ان سانتانا لم يتذوق ابدا طعم اللقب الاغلى الذي منح الشهرة الى زاغالو وباريرا وحديثا لويس فيليبي سكولاري الفائز بمونديال 2002، على الرغم من اشرافه عام 1982 على افضل منتخب عرفته البرازيل منذ احرازها كأس العالم 1970 في المكسيك.
ويشهد تاريخ المونديال ان منتخب سانتانا كان افضل فريق لم يستطع احراز اللقب على مر التاريخ، اذ ضم في ذلك العام نجوما عدة امثال زيكو وسقراط وجونيور وايدر وفالكاو ضاهوا بموهبتهم بيليه وجيرزينيو وتوستاو وريفيلينو، الا انهم سقطوا وسط ذهول الجميع تحت ضربات ايطاليا ونجمها باولو روسي (2-3)، الذي دك المرمى البرازيلي بثلاثة اهداف كانت كفيلة باقصاء البرازيليين من الدور الثاني، مما سهل مهمة المنتخب الازرق نحو الظفر باللقب للمرة الثالثة على حساب المانيا الغربية (3-1).
لقد كانت المباراة ضد ايطاليا واحدة من اشهر المباريات في تاريخ البطولة، فيما كان الخروج البرازيلي المفاجئ الخيبة الراسخة دوما في ذاكرة عشاق "السيليساو".
الا ان الخسارة عدلت في موازين العقلية الكروية البرازيلية، اذ جاءت بمثابة الدرس المثمر الذي اضاف نقطة مهمة الى كتاب تعليمات المدربين البرازيليين لاعطاء الاولوية للدفاع قبل الانطلاق نحو الهجوم.
من هنا، شهدت الاعوام اللاحقة تطوير الناحية الدفاعية للمنتخب البرازيلي عبر اقتباس الطرق التي تعتمدها المنتخبات الاوروبية الكبرى امثال المانيا وايطاليا.
ولقي سانتانا اثر الخسارة امام ايطاليا انتقادات لاذعة لعدم تقديره ظروف المباراة واعتماده اسلوبا هجوميا صرفا في الوقت الذي احتاجت فيه البرازيل الى التعادل لبلوغ الدور نصف النهائي.
وجاء رد سانتانا دائما على انتقادات مماثلة بأن كرة القدم فن يزينه الاسلوب الهجومي والاهداف التي تعد عصب اللعبة، مشددا على اهمية اللعب بأناقة واظهار المهارات الممتعة للعيان.
ويمكن اعتبار "البروفسور" سانتانا قدوة يحتذى بها في ميادين اللعبة، اذ عرف عنه تشديده على اعتماد اللعب النظيف وعدم اللجوء الى الخشونة لاستخلاص الكرات، وردد مرارا "افضل ان اخسر المباراة على ان اطلب من لاعبي التعرض للمنافسين بطريقة خشنة او الفوز بهدف مشكوك في صحته".
ويقول مواطنه مدرب منتخب اليابان زيكو "من بين المدربين الذين لعبت تحت اشرافهم، كان سانتانا الوحيد الذي يعاقب اللاعبين مرتكبي الاخطاء بحق الخصوم".
ولم تكن هذه الشهادة الا عينة صغيرة من النظام الانضباطي الذي اعتمده سانتانا مع لاعبيه، اذ لم يتردد لحظة في اقصاء المهاجم ريناتو بورتالوبي من تشكيلته عشية مونديال 1986، لتسلله خارج المعسكر التدريبي.
كما اشتهر في مسيرته التدريبية باعتماده على "الجواسيس" لمراقبة الحياة الليلية للاعبي الاندية التي دربها.
وقبل خوضه غمار التدريب عاش سانتانا المولود في 26 حزيران/يونيو 1931 حياتا كروية عادية، اذ بدأ في مركز حراسة المرمى ثم تحول الى الجناح الايسر مع فريق اميريكا ريكرياتيفو الذي كان يملكه ويدربه والده.
وانتقل بعدها الى فلوميننسي حيث احرز بطولة ولاية ريو دي جانيرو عامي 1951 و1959، قبل ان يرتدي في ايامه الاخيرة لاعبا الوان غواراني وفاسكو دي غاما.
ولفت سانتانا الانظار اليه منذ خطا الى مقاعد التدريب باحرازه بطولة كاريوكا في موسمه الاول مع فلوميننسي عام 1969.
وكان طبيعيا عودته الى مسقط رأسه حيث اشرف على اتلتيكو مينييرو اكثر الفرق جماهيرية في بيلو هوريزونتي، والذي قاده الى بطولة الدوري البرازيلي عام 1971 للمرة الاولى والوحيدة في تاريخه.
وغاب النجاح عن سانتانا بعد انتقاله الى بالميراس مطلع الثمانينات، الا ان هذا الامر لم يثن الاتحاد البرازيلي عن التعاقد معه خلفا للثنائي كلاوديو بيتشيتغو ومورايس كوتينيو.
الا ان تبخر احلام احراز الكأس العالمية للمرة الرابعة دفعه الى ترك منصبه الذي عاد اليه في التصفيات المؤهلة الى مونديال 1986 خلفا لايفاريستو.
وفي واحدة من اجمل مباريات البطولة، خان الحظ البرازيليين امام فرنسا في الدور ربع النهائي اثر اهدار زيكو لركلة جزاء ادت الى الخسارة (3-4) في ركلات الترجيح بعد التعادل (1-1) في الوقتين الاصلي والاضافي، لتتوقف مغامرة سانتانا الدولية على 52 مباراة (فاز في 37 وتعادل في 10 وخسر 5 مباريات).
وكان سانتانا نقل نجاحاته الى المملكة العربية السعودية مع نادي الاهلي بين عامي 1983 و1985، تخللها احرازه بطولتي الدوري والكأس.
وكانت العودة بعد المونديال الى فلامنغو ومنه الى ساو باولو الذي اصاب معه المجد مع جيل استثنائي من اللاعبين، امثال كافو وليوناردو وراي ومولر وبالينيا الذين ساهموا بالفوز ببطولة الدوري البرازيلي عام 1991.
واعاد سانتانا الهيبة التي افتقدتها النوادي البرازيلية على الساحة القارية منذ فوز غريميو بكأس ليبرتادوريس عام 1983، مضيفا انجازا جديدا الى سجله باحرازه اللقب عامي 1992 و1993، قبل انتزاعه الكأس القارية من برشلونة الاسباني وميلان الايطالي على التوالي.
وانتهت مسيرة سانتانا الذهبية عام 1996 نتيجة اصابته بجلطة دماغية، اضطر على اثرها اعتزال التدريب، وبتر الاطباء ساقه اليسرى قبل ثلاث سنوات بسبب مضاعفات ناتجة عن تصلب في الشرايين، قبل ان يتوفى في غرفة العناية الفائقة في مستشفى بيلو هوريزونتي التي رقد بها منذ اواخر الشهر الماضي لاصابته بالتهاب معوي.