التعطش الى الطاقة يمحو درس تشرنوبيل

لندن - من جيريمي لوفيل
علاج اشعاعي لفتاتين من ضحايا تشرنوبيل

عندما انفجر المفاعل النووي رقم أربعة في محطة تشرنوبيل للطاقة النووية في أوكرانيا يوم 26 ابريل نيسان عام 1986، مما أدى الى انتشار الغبار المشع في أغلب أجزاء أوروبا، اعتقد الكثيرون أن الكارثة كانت المسمار الاخير في نعش الطاقة النووية.
انتشر الغبار المشع الذي بلغت كميته عشرة أمثال الكمية التي أسفر عنها تفجير القنبلة النووية فوق هيروشيما عام 1945 في كل أنحاء أوكرانيا والدول المجاورة ووصل شرق أوروبا والدول الاسكندنافية وشمال بريطانيا بل وحتى شرق الولايات المتحدة.
وتتراوح تقديرات الوفيات نتيجة الانفجار من العشرات الى الآلاف. وجعل هذا الحادث من تشرنوبيل نموذجا عالميا لكل المشكلات التي تمثلها الطاقة النووية.
ولكن بعد مرور 20 عاما على أسوأ كارثة نووية في العالم عادت الرغبة في استخدام الطاقة النووية في عدد من الدول.
ويقول مالكوم جريمستون من المعهد الملكي للشؤون الدولية وهو مركز أبحاث "سجل سلامة القطاع النووي منذ تشرنوبيل كان طيبا للغاية. ثبت أن التوقعات بوقوع حادث كبير كل عشر سنوات غير صحيحة".
وأضاف "ارتفعت أسعار الوقود الاحفوري خلال السنوات العشر الماضية لذلك فان الجانب الاقتصادي عاد يميل لصالح الطاقة النووية".
وتعكف الصين التي تمر بحالة من الانتعاش الاقتصادي على برنامج كبير للطاقة النووية كما أعطت الولايات المتحدة الضوء الاخضر لاقامة محطات نووية في حين تبحث 15 دولة أخرى على الاقل من تركيا الى استراليا مسألة الطاقة النووية.
وتبحث بريطانيا مسألة تجديد محطاتها النووية القديمة رغم أن الامر يثير جدلا واسعا. ومن المتوقع أن تقر مجموعة الثمانية الطاقة الذرية خلال قمة تعقدها في يوليو تموز.
وأسباب تجدد الاهتمام بالطاقة النووية بسيطة وان كانت تنبع من تحديات عالمية يصعب معالجتها.
يقول الكثير من العلماء ان ارتفاع حرارة الارض الذي يلقى باللوم في الجزء الاكبر منه على حرق الوقود الاحفوري في محطات الكهرباء والمصانع والسيارات من الممكن أن يحدث تغييرات مناخية مروعة مثل المزيد من موجات الجفاف.
وساعدت اضطرابات الشرق الاوسط وانخفاض احتياطي النفط والغاز في مناطق أخرى وتولي جهات غير متوقعة السلطة وغنى روسيا بالطاقة على أن تتصدر قضية امن امدادات الطاقة جدول الاعمال السياسي.
ومن المميزات الرئيسية للطاقة النووية عدم وجود أي انبعاثات كربونية وبما أن من الممكن تخزين الوقود النووي لعشرات السنين فانه لا يقع تحت رحمة سلاسل الامداد الدولي مثلما هو الحال مع النفط والغاز.
وقال ايان هور ليسي من الرابطة النووية العالمية التي تهدف الى تشجيع استخدام الطاقة النووية كمصدر دائم للطاقة "تبرز الطاقة النووية كخيار بأقل تكلفة في الوقت الذي يرجح فيه أن تزيد أسعار الوقود الاحفوري الى جانب مسألة غازات الاحتباس الحراري واحتمال فرض رسوم على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون".
ولكن الذين يعارضون الطاقة النووية يقولون إن مسألة كيفية التصرف في النفايات النووية التي يمتد مفعولها الفتاك آلاف السنين لم تحل بعد.
وفي اجتماع عقد في مارس آذار لمجموعة الدول الثماني حثت روسيا والولايات المتحدة على تبني الطاقة النووية لضمان امدادات طاقة مستقرة وخفض الانبعاثات الخطيرة.
كما تعتمد دول تحقق نموا سريعا مثل الهند على الطاقة النووية في سعيها للحصول على امدادات طاقة غير محدودة ولكن بعض المحللين يقولون ان الهند ربما تحول بذلك اعتمادها على دول الشرق الاوسط التي تمدها بالنفط والغاز الى نادي موردي الطاقة النووية والمؤلف من 45 دولة.
ويرى أكثر التصورات تفاؤلا بالنسبة للقطاع النووي أن الطاقة النووية ستنتج نصف الكهرباء في العالم خلال أقل من 50 عاما ولكن المعارضة تتزايد من حركة المدافعين عن البيئة.
ويشير مناهضو الطاقة النووية إلى التكلفة الباهظة لاقامة المحطات النووية والحاجة الى دعم حكومي هائل لجعل الطاقة النووية ذات فائدة من الناحية الاقتصادية.
ويقولون أيضا ان تلك النفقات الهائلة اللازمة للطاقة النووية ستحد من الموارد اللازمة بشدة للبحث عن بدائل أنظف وأرخص للطاقة مثل الرياح والشمس والامواج وبقايا النباتات والحيوانات التي تستخدم كوقود.
ولكن دعاة حماية البيئة ليسوا وحدهم الذين يدقون ناقوس الخطر. فقد وجه تقرير ورد هذا الشهر من مجموعة بريطانية ضمت كل الاحزاب تحذيرا للحكومة التي يتعين عليها اغلاق كل المحطات النووية المتهالكة باستثناء محطة واحدة خلال عشر سنوات عدم التسرع في اتخاذ قرار باقامة جيل جديد من المحطات النووية.
وقال التقرير "لن تتمكن الطاقة النووية على مدى السنوات العشر القادمة من أن تقدم اسهاما لا في الحاجة الى المزيد من طاقة التوليد ولا في الحد من انبعاثات الكربون لانه لن يمكن ببساطة بناؤها في الوقت المطلوب".
وقال التقرير إن مسائل عديدة مثل التخلص من النفايات النووية على المدى الطويل وتقبل الشعوب لها وتوفر اليورانيوم ما زالت في حاجة إلى الحل وهي تثير تساؤلات عن مدى السلامة واحتمال وقوع هجمات ارهابية أو حدوث تسرب نووي.
ورفض هور ليسي هذه المخاوف ووصفها بأنها "لعب على وتر الخوف" في حين قال جريمستون ان التكنولوجيا النووية أرخص ويمكن الاعتماد عليها بصورة أكبر وأكثر أمانا ولو من الناحية النظرية.
ولكن بالنسبة لجين مكسورلي أخصائية الطاقة النووية بجماعة السلام الاخضر (جرينبيس) فان هذا التفاؤل تجاه القطاع النووي ما هو الا خداع للناس.
وقالت "ما زال عدد المفاعلات المقرر اغلاقها في كل أنحاء العالم أكثر من المفاعلات المقرر بناؤها. أعتقد أن هناك حملة علاقات عامة طيبة للغاية من جانب قطاع يعلم أنه اذا لم يستغل الفرصة الان مع ارتفاع أسعار مصادر الطاقة فلن تتوفر أي فرصة أخرى".