عن القتل والسياسة

بقلم: جواد البشيتي

الحضارة في معنى من معانيها، أو في مظهر من مظاهرها، هي "حماية النفس البشرية"، التي تشتمل، في وسائلها وأساليبها، على إطالة عمر الإنسان قدر الإمكان من خلال التغذية السليمة والرعاية الصحية في المقام الأول، فالمجتمع الذي يفوق سواه إنسانيةً وحضارةً إنما هو الذي لديه من الوسائل والإمكانات ما يسمح له بزيادة متوسط عمر الإنسان.
غير أنَّ التطور الحضاري والإنساني والديمقراطي للمجتمعات لم يبلغ بعد، في قيمه الأخلاقية والحضارية والإنسانية، وفي قوانينه وتشريعاته وشرائعه، مرحلة "التحريم المطلق لقتل النفس البشرية"، وربما لن يبلغها أبدا، فتطور المجتمع البشري عبر التاريخ أثبت وأكد أنَّ "القتل"، أي قتل الإنسان لأخيه الإنسان، ضرورة وحاجة ووسيلة للارتقاء الاجتماعي والحضاري، فرأَيْنا كيف أنَّ البشر يعكفون في كل مرحلة من مراحل تطورهم الاجتماعي والتاريخي على التطوير الأخلاقي والقانوني والفلسفي لمفهوم وظاهرة "قتل الإنسان لأخيه الإنسان" حتى أنَّ بعض أعمال القتل تحول في ثقافتنا إلى فعل يعبِّر عن "السمو الأخلاقي والإنساني والفكري" لمرتكبه.
هل قتل الإنسان لأخيه الإنسان حلال أم حرام، مشروع أم غير مشروع، جائز أم غير جائز، جريمة أم مأثرة.. ؟ أناس كثيرون، ومنهم رجال فكر، يعتقدون أنَّ إجابة هذا السؤال تماثل إجابة السؤال الأتي: "هل المطر مفيد أم ضار؟".
وغني عن البيان أنَّ المطر "مفيد إذا.."، و"ضار إذا.."، فلا جواب مطلقا عن هذا السؤال. وهكذا أقاموا الدليل المنطقي والعقلاني على أنَّ الأمر الأهم هو توضيح متى يكون "القتل" عمل خير، ومتى يكون عمل شر. وبما يتفق مع هذه النظرة "الجدلية" إلى "القتل"، اخترع البشر كل الأخلاق التي يحتاجون إليها من أجل تبرير قتل الإنسان لأخيه الإنسان.
"الحرب" كانت، وما زالت، أهم ممارسة للقتل عرفها البشر. وقد كانت، في معنى من معانيها، عملا فرضه، جزئيا، قانون طبيعي للتطور الحيواني، هو قانون "صراع البقاء"، الذي وفقه كان قتل الحيوان للحيوان "شرط بقاء".
بالحرب، وفي الحرب، كان البشر يرتقون في سلَّم التطور الحضاري والتاريخي على الرغم من أنَّ الحرب، ومهما حاولنا تحسين صورتها الأخلاقية والفكرية، تظل ظاهرة همجية وبربرية.
لقد أثارت الحرب خلافا لم ينتهِ بعد في شأن الموقف الأخلاقي منها، ولكن الخلاف أفضى إلى اتفاق على بعض الجوانب من هذه القضية المثيرة للجدل، فاتفق كل المختلفين تقريبا على أنَّ "الدفاع عن النفس" يُعدُّ عملا مشروعا. لكن هذا الاتفاق كان يتحول، في سرعة، إلى خلاف ما أن يجد الناس أنفسهم مضطرين إلى تحديد موقف من قضية واقعية من القضايا التي يشملها "الحق المشروع في الدفاع عن النفس"، فالمجرم أو السارق، مثلا، يمكن أن يقتل في أثناء دفاعه عن نفسه، ثم أنَّ الذي يدافع عن نفسه قد يكون شخصا غير جدير بالحياة بسبب اقترافه جرائم عديدة.
"الحق المشروع في الدفاع عن النفس" لا معنى له إذا ما نظرنا إلى بعض نتائج وعواقب ممارسته على أنها جريمة يُعاقَب عليها الذي اقترفها وهو يدافع عن نفسه، فالدفاع عن النفس قد يرغم المدافع على ارتكاب فعل القتل.
وغني عن البيان أنَّ كثيرا من الناس يفهمون فعل القتل الذي يرتكبون، والذي ننظر إليه على أنه "جريمة"، على أنه جزء من ممارستهم لحقهم المشروع في الدفاع عن النفس. إنَّ "القاتل"، وفي وجه عام، لا يقتل من أجل القتل، ولكن دفاعا عن النفس، التي قد يشق عليه تمييزها من مصالحه وامتيازاته.
مِنْ ذلك، يمكن ويجب أن نخلص إلى أنَّ مصالحنا الواقعية هي، وحدها، التي تحدد موقفنا الأخلاقي من فعل القتل، فالقتل حلال وجائز ومشروع ومأثرة إذا كان فيه خدمة لمصالحنا الواقعية، التي بعضها من النوع الذي يفرض علينا تمويهه بالأخلاق والقيم الإنسانية والديمقراطية والمبادئ الأيديولوجية، كما يفرض علينا تسليحه بعصبية ما، فالذي تدعونا مصالحنا الواقعية إلى قتله ينبغي لنا أن نجعل له صورة أخلاقية وأيديولوجية، تَستجمِع لقتله تأييد الناس، وتُظهره على أنه فعل حميد، يستحق فاعله مكافأة ما!
وفي عالم السياسة حيث الحرب الوسيلة أو الأداة الفضلى لتغيير الواقع، يشق على المرء رؤية السبب أو الدافع الحقيقي للحرب، فهو، عادة، يُحتجب بحجاب أيديولوجي، فلا يُدرَك لا بالبصر ولا بالبصيرة. أمَّا السؤال عن سبب الحرب فلا يُجاب عنه إلا بأجوبة وهمية يأنس إليها الناس، الذين ينفرون، بتأثير عصبية ما، أو تضليل أيديولوجي، عن الأجوبة الواقعية، التي قد يُنظر إلى أصحابها على أنهم حمقى.
"الحرب" ما كانت قط، ولن تكون أبدا، جزءا من "عالم المُثل الأفلاطوني"، أو مما يشبهه من عوالم، فهي ظاهرة واقعية تاريخية ينبغي لنا فهمها فهما واقعيا تاريخيا، فالسماء هي، دائما، مرآة الأرض، ولا بد، بالتالي، من البحث، في الأرض، عن "أصل الصورة" التي نراها في "المرآة السماوية"، مهما كان شكل هذه المرآة.
قبل أن تشن حربها الإمبريالية (النفطية) على العراق، توفرت إدارة الرئيس بوش على إظهار نظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين على أنه الشر بعينه، وعلى إظهار موقفها منه على أنه الخير بعينه، معيدة مواطنيها إلى الاعتقاد بخرافة أنَّ في الحرب تلك يكمن الصراع الأزلي الأبدي بين "الخير" و"الشر"، أو بين "إله الخير" و"إله الشر"!
وكثيرون ممن أخذت فيهم الخرافة والوهم مالوا إلى فهم الحرب على العراق بما يتفق وهذه "الصورة" الظاهرة في "المرآة السماوية" للبيت الأبيض، ضاربين صفحا عن "الأصل الواقعي الأرضي"، وهو مصلحة القوة الإمبريالية العظمى في العالم في اغتصاب نفط العراق، آبارا واحتياطا.
كل "الأجوبة الوهمية" عن "سؤال الحرب"، أي السؤال عن سببها ودافعها وهدفها، ظهرت وانتشرت وشاعت، واجتذبت إليها تأييد كثير من "العقول" و"الألسنة" و"الأقلام". أمَّا "الجواب الحقيقي والواقعي والصحيح" فقضت "المصلحة الواقعية" بحجبه ومنعه من الوصول إلى عقول غالبية الناس. وهكذا طُمس "الأصل"، ولم يرَ الناس سوى "الصورة" الظاهرة في تلك "المرآة السماوية".
في الحروب الإمبريالية يقل ظهور أنصار "المصالح" ويزداد ظهور أنصار "المبادئ"، فيلجأ ذوو المصلحة في إشعال الحرب إلى إلباسها اللبوس المبدئي والأخلاقي والأيديولوجي، لعل هذا اللبوس يَحْمِل من ليس له مصلحة حقيقية في الحرب، أي غالبية الناس، على التضحية بالأرواح والغالي والنفيس، فينال أولئك "الجوائز المادية"، وينال هؤلاء "الجوائز المعنوية"، التي لا قيمة لها في "الحياة الدنيا"!
"الحرب" هي "القتل". هي "القتل السياسي"، أي قتل الناس، توصُّلا إلى "هدف سياسي". و"السياسة" هي، في المقام الأول، "المصالح الاقتصادية"، التي تُترجَم بأهداف سياسية. و"الهدف السياسي" إمَّا أن نصل إليه بوسيلة "الإقناع"، أي الديبلوماسية، وإمَّا أن نصل إليه بوسيلة "الإكراه"، أي الحرب. وقد بيَّن كلاوزفيتس كيف تتصل الحرب بالسياسة، فتوصُّلاً إلى "الهدف السياسي" نجرِّب، أولا، "الإقناع"، أي إقناع "الخصم" بجدوى تلبيته لمطالبنا، فإذا اقتنع نجحت "الديبلوماسية". أمَّا إذا عَنَدَ وبالغ في العصيان فلا بد من التحول عن "الإقناع"، أي الديبلوماسية، إلى "الإكراه"، أي الحرب.
إنَّ "العجز الديبلوماسي" هو الذي يولِّد ويشدد الحاجة إلى "القتل السياسي"، أي الحرب. وهكذا يمكن النظر إلى "السياسة" على أنَّها "فن القتل الجماعي (للبشر)".
"الحضارة" يجب أن تشمل "عالم السياسة" أيضا، ولكنها لن تشمله إلا إذا التزم العالم، والزم العصاة، تحريم "القتل السياسي"، أي الحرب.
و"الحضارة" لن تتأكد، معنى وممارسة، إلا عندما ينظر العالم، عبر القانون الدولي والأخلاق والأيديولوجيا، إلى "الحرب" على أنَّها "جريمة"، ينبغي له محاربتها بلا هوادة، ومعاقبة مقترفيها أشد عقاب، فالمصلحة الإنسانية العظمى هي أن يملك "المجتمع الدولي" من الإرادة والوسائل والإمكانات ما يمكِّنه من حل وتسوية المشكلات والنزاعات الدولية والإقليمية وفق مبدأ "توازن المصالح". جواد البشيتي