أهذه صناديق اقتراع أم توابيت 'ديموقراطية'؟

بقلم: فيصل جلول

في كتابه الشهير "لماذا تخلف المسلون ولماذا تقدم غيرهم ؟" يؤكد الأمير النهضوي شكيب أرسلان في العام 1944 أنه " ما انزل بالإسلام والمسلمين وبالعروبة والعرب مثل هذا الهوان إلا الدول التي وسمت نفسها بالديموقراطية ولا استعبدهم إلا الزاعمون أنهم أنصار الحرية فعلى المسلمين عموما والعرب خصوصا إذا أرادوا الاستشفاء من مرضهم أن يحسنوا تشخيصه"
على الرغم من مضي حوالي ثلاثة أرباع القرن على هذا الاستنتاج المستمد من خبرة طويلة اكتسبها الأمير الدرزي اللبناني عبر معايشته لقضايا العرب والمسلمين في الخليج وشمال إفريقيا والمشرق العربي فضلا عن تركيا والبلقان وشمال أوروبا على الرغم من مضي كل هذا الوقت يبدو القول الأرسلاني وكأنه ينطبق على يومياتنا الراهنة كما يبدو وكأننا أضعنا عقودا طويلة كان يمكن اختصارها لو أخذنا بعين الاعتبار خلاصة تجارب النهضويين العرب والمسلمين الذين ولدوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وعاصروا سقوط الإمبراطورية العثمانية وبدايات ظهور الدول العربية في ظل الاستعمار الأجنبي خلال ثلثي القرن المنصرم.لكن ماذا عن يومياتنا؟
ظلت أوروبا والولايات المتحدة تحث الفلسطينيين على التداول السلمي للسلطة طيلة السنوات العشر عقب "اتفاق أوسلو" الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في العام 1993. بل ضغطت على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كي يجري إصلاحات سياسية ويعتمد دستورا فلسطينيا وينظم انتخابات حرة فكان أن رضخ مضطرا لتلك الضغوط وكان أيضا أن رضخت التيارات الفلسطينية للإرادة الدولية رغم اقتناعها بان المطالب المذكورة تتم عادة في دولة مستقلة وليس في ظل الاحتلال. وقبلت هذه التيارات شروط اللعبة السياسية الجديدة على مضض وخاضت الإنتخابات الرئاسية والتشريعية استنادا إلى اللعبة المذكورة فكان أن بارك الغربيون اختيار محمود عباس رئيسا للسلطة ورفضوا اختيار الشعب الفلسطيني لحركة حماس في اقتراع شهدوا بأنفسهم على نزاهته واعترف بنتائجه المهزمون الفلسطينيون وان مع بعض التعبير عن مزاجهم المتعكر .
ها هم أساتذة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة في الغرب يعملون يوميا على إذلال حكومة حماس عبر ضغوط مادية وسياسية لحملها على الانصياع لشروط إسرائيل بإلقاء سلاحها والتخلي عن المقاومة والقبول باحتلال الأرض وبإهمال حق العودة أي بالتخلي عن البرنامج السياسي الذي نالت حماس بواسطته ثقة الشعب الفلسطيني . بعبارة أخرى يقول الغربيون للحكومة الفلسطينية المنتخبة عليك أن تخضعي للاحتلال الصهيوني وان رفضت سنعمل على أن يموت الناخب الفلسطيني جوعا.
يترافق الحصار الغربي "الديمقراطي" على حركة حماس مع مناورات سياسية لإشعال حرب أهلية فلسطينية عبر تأليب الشارع على الحكومة المنتخبة تارة والسعي تارة أخرى لإطلاق سراح القائد الفتحاوي مروان البرغوتي من السجن لتشكيل محور شعبي مناهض للإسلاميين وتكثيف الضربات العسكرية الإسرائيلية تارة ثالثة لاستدراج ردود إستشهادية من عناصر حماس تليها اغتيالات لقادتها وان امتنعت عن الرد ستبدو وكأنها عاجزة عن الحكم والمقاومة معا فينقض عليها خصومها وتندلع حرب أهلية ما انفكت إسرائيل تطلبها علنا من سلطة عرفات أولا ومحمود عباس اليوم.
سيناريو الخراب الفلسطيني ليس جديدا على العرب فقد سبقه سيناريو مماثل في الجزائر قبل أكثر من عشر سنوات ضمن سيرورة مشابهة: ضغوط على حكومة الشاذلي بن جديد لاعتماد مبدأ التداول السلمي للسلطة. فوز الإسلاميين . ضغوط غربية على الحكومة الجزائرية لإلغاء نتائج الانتخابات تحت طائلة حصار اقتصادي وسياسي شامل. انفجار صراع أهلي .سقوط أكثر من 150 ألف ضحية. وقوع خراب يحتاج ترميمه إلى موارد هائلة وإلى ربع قرن من الوئام والمصالحة. انتقال الجزائر من قطب محوري في العالم الثالث إلى بلد نازف و مضطر للمشاركة في مناورات أطلسية مع الدولة العبرية.
بين خراب الجزائر وخراب فلسطين ـ قيد الإعداد ـ نعيش "خراب البصرة" على مدار الساعة في عراق "الديموقراطية الأمريكية": طوائف متذابحة وأتنيات متباعدة ومنهبة نفطية ومعابر خارجية سائبة ونخبة علمية قيد التصفية وحدود مذهبية داخلية لا ينقصها سوى اعتراف "المجتمع الدولي" المزعوم بشرعيتها.
هل من بلدان عربية أخرى مرشحة للخراب بوسائل "ديمقراطية" غربية؟ نعم كل البلدان العربية وعلى رأسها تلك التي تتجرأ على الاعتراض والممانعة وتتحدث عن الإصلاح من الداخل وتؤمن بعالم عربي نام ومتعاون وترفض الخضوع لإسرائيل ..الخ.
من الجزائر إلى بغداد مرورا برام الله أرسل الغربيون ويرسلون ألينا توابيت على هيأة "صناديق اقتراع" تخرج منها حروب أهلية وفتن طائفية ومدن خربة ومصادر أولية مستباحة وكرامات مداسة .
كي لا يسقط العرب في هذه "التوابيت الديمقراطية" المستوردة عليهم الرجوع إلى نصيحة الأمير شكيب أرسلان الواردة أعلاه أي تشخيص مرضهم تمهيدا لتوفير العلاج الشافي منه. أما العلاج المطلوب فهو في أسوأ الحالات شيء آخر غير العمل في خدمة الأجانب والخضوع لهم والإقبال الساذج على صناديق الأفاعي التي ينشرونها في عالمنا العربي. فيصل جلول