قراءة في وثيقة الأمن القومي الأميركي 2006

بقلم: د. خليل حسين

صدرت وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأميركي بطبعتها الأخيرة 2006 وبدت كأنها قد مزجت أفكارها وطروحها بجنون العظمة، فالإستراتيجية سعت وبكل توكيد وتأكيد على إن تجعل العالم بأسره عجوة طرية تلوكها قبضة القوة والقهر الأميركيتين.
لقد مضت أربع سنوات من الممارسة في ظل الإعلان الإمبراطوري الأول عام 2002 وبات جليا أن محفزات ودوافع المضي قدما على نفس النهج أكبر كثيرا من المثبطات ودوافع التباطؤ، فبرز جنون العظمة واضحا في الإستراتيجية الجديدة؛ لذا قال بوش في خطاب تدشينه لها "إننا نسعى إلى تشكيل العالم، وليس مجرد أن يشكلنا هو، وأن نؤثر في الأحداث من أجل الأفضل، بدلا من أن نكون تحت رحمتها".
الجديد في الإستراتيجية الثانية كما ونوعا متواضع إذا ما قورن باستراتيجية العام 2002، ورغم ذلك لم تفتقد التميز عن سابقتها وذلك بالتفصيل الذي ألم بعناصرها وبنودها وأفكارها والإكثار من سرد الأمثلة فيما يختص بأي منها، لذا جاءت ضعف الأولى في الحجم (54 صفحة)، حيث لم تترك إقليما أو دولة إلا واستعرضت أحوالها ورصدتها تحت المجهر الأميركي، ومن ثم أخذت تسدي النصح وفي نقس الوقت تنذر وتتوعد بويل الثبور وعظائم الأمور.
صدرت الوثيقة قبل أسابيع من تصريحات سمراء السياسة الخارجية الأميركية واعترافها بآلاف الأخطاء في العراق ورغم ذلك أتت الوثيقة لتقارب وتؤكد مقولات الساسة الأميركيين أجمعين بين الوقت المستقطع للوثيقتين، وكأن هضما للدروس غير المستفادة من ممارسات الفترة ذاتها قد أثرت بمن صاغها فتمَّ وصف الإستراتيجية الجديدة بأنها "مثالية فيما يتعلق بالأهداف وواقعية فيما يتعلق بالوسائل".
كررت الإستراتيجية المبدأ المعروف أن "أميركا في حالة حرب" وكأنها تكرر أيضا مقولة بوش بالرسالة السماوية التي بعث بها لدحر الإرهاب أفرادا ودولا وجماعات، وبالطبع "لنشر الديمقراطية ودعمها في كل ثقافة وأمة... وذلك للحفاظ على أمن الشعب الأميركي"كيف لا وان الأمة الأميركية تعرضت لأسوأ صفعة في تاريخها وفي عقر دارها في 11 أيلول/سبتمبر 2001، وهذا يتطلب حكما "البقاء في حالة هجوم، وهزيمة الإرهابيين خارج الأراضي الأميركية حتى لا نضطر لمواجهتهم على أرضنا" إنها التوكيد مجددا ودون تبرير للحروب الاستباقية أينما كان وفي أي زمان.
لتلك الأهداف جعلت من الولايات المتحدة في حالة الجهوزية التامة لمن يصوب عليها فبداية كانت حرب "طويلة كالتي خاضتها إبان الحرب الباردة، ومثلما تُوِّجت في النهاية بالانتصار على عقيدتي الشيوعية والفاشية"، فالايديولوجيا التي تهدد (أميركا) هي أيديولوجيا لا تنطلق من فلسفة علمانية وإنما تأسست على أيديولوجيا شمولية ركيزتها تحريف ديانة عظيمة (الإسلام) قد تختلف في المنطلق عن أيديولوجيا القرن الماضي ولكنها تتفق في المضمون "عدم التسامح، والقتل، والإرهاب، والاستعباد، والقمع".
إذن فنواة الإستراتيجية هي الحرب الاستباقية. وفي منتصف دائرة التصويب يقع الإسلام السياسي "فالصراع ضد الراديكالية الإسلامية المقاتلة هو الصراع الأيديولوجي الأكبر في السنوات الأولى من القرن الحادي العشرين، ويأتي في وقت تصطف فيه القوى العظمى في جانب واحد في مقاومة الإرهاب".
وكما أسلفنا لم تأبه الاستراتيجية بكل الانتقادات التي وجهت للسياسة الأميركية في الحقبة الماضية بل تجاهلت حتى انتقادات صانعي السياسات الأميركية واعتبرت إن الإرهاب "ليس مرده القضية الفلسطينية – الإسرائيلية" ولا هو "ببساطة نتاج عداوات أثارتها سياسات أميركا في العراق"، وكذلك"ليس ناتجا ثانويا عن الفقر"، وأيضا "ليس استجابة لجهود أميركا لمنع الهجمات الإرهابية".
وتتابع الوثيقة لتنفي بشكل قاطع أن تكون الإدارة الأميركية في حرب ضد المسلمين، وإنما تخوض معاركها في "الحرب على الإرهاب باعتبارها معركة أفكار وليست معركة ديانات"، حيث "يواجهنا الإرهابيون الدوليون باستغلال دين الإسلام العظيم لخدمة رؤيتهم السياسية العنيفة".
عند تلك النقطة بالذات تتواضع الوثيقة لتسترشد بما سبق أن حذر منه رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير المارقين من المسلمين بالتزام "التيار العام للإسلام" أو Main stream Islam وهو الإسلام الذي يرضي الغرب ومن يخالفه فهو إرهابي، فتمنح الإستراتيجية نفسها الحق في وصف الدين الذي تحاربه "بالإسلام الراديكالي" الذي "يسوغ القتل، ويحرف ديانة الإسلام العظيمة وليها لخدمة الشر".وهنا للتذكير فقط بما ابتدعته مؤسسة راند بمقولة الإسلام المعتدل كمقاربة لما ينبغي أن يكون عليه الإسلام من وجهة النظر الأميركية "السمحاء"ّ.
كما ذهبت الإستراتيجية إلى حد مد اليد وسرقة أحد أهم أركان تفسير مقولات الإسلام "فالإرهابيون يشوهون فكرة الجهاد للدعوة لقتل كل ما يخالفهم من المرتدين والكفرة كالمسيحيين واليهود والهندوس وسائر الديانات الأخرى". ولذلك شرَّعت لنفسها أيضا فرض شجب المسؤولين المسلمين لـ "الأيديولوجية" التي تشوه وتستغل الإسلام بغية نهاية مدمرة"، ولكن بالطبع فإن من يقرر هذه الاستراتيجية يعرف ويدرك أن "الأكاذيب التي ترتكز عليها أيديولوجية الإرهابيين لاستغلال المؤمنين"، فلذلك لن يبخل الأميركيين جهدا في "تمكين المسلمين المسالمين من ممارسة إيمانهم والتعبير عنه" وكان ينقص بعد تلك الفقرة التوضيح بأن هذا التمكين هو فقط سيؤمن للذين يأكلون ويشربون وينامون من دون أي إضافة أو تأويل لسلوك حياة ولو كان رتيبا.
ورغم تخلي الإستراتيجية عن أسلوب التهويل فقد استخدمت القوة الرقيقة كاستعمال المداهنات الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية على وسائل أخرى بهدف نشر الديمقراطية والقضاء على الطغيان.ورغم ما سبق وأعلن عن رغبة أميركية في "استخدام مجال أوسع نطاقا من الوسائل" وصولا لأهداف الإستراتيجية، فقد أكدت الوثيقة على أهمية الدور الرئيس للقوة العسكرية الأميركية حيث تقول الوثيقة: "بيد أننا عند الضرورة، ووفقا لمبادئ الدفاع عن الذات المعمول بها منذ وقت طويل، لا نستبعد استخدام القوة قبل أن تحدث الهجمات ضدنا، حتى في حالة عدم اليقين بشأن توقيت ومكان هجوم العدو" وهو تأكيد مرة أخرى بأن الولايات المتحدة كانت وستبقى بحاجة إلى عدو وهمي لتثبت قوتها.
من ثم تتوسع وثيقة 2006 بشكل واضح حول إطار الإستراتيجية الأصلي الذي تحولت بموجبه سياسة أميركا من سياسة الردع والاحتواء التي تبنتها لعقود طويلة إلى سياسة أكثر عدوانية، تقوم على "مهاجمة الخصوم قبل أن يقوموا هم بمهاجمة الولايات المتحدة"، لذا لم يطرأ تغيير بالإستراتيجية المعدلة ويؤكد بوش في خطاب تدشينها أنها "ستظل كما هي".
لقد سبق توقيت إعلان الإستراتيجية 2002 غزو العراق بستة أشهر تقريبا، والاتهامات الموجهة إلى إيران في وثيقة 2006 تتطابق والاتهامات التي وجهت لنظام الرئيس العراقي صدام حسين قبل غزو العراق، فأميركا بحسب الوثيقة لديها مخاوف أكبر من "النظام الإيراني يدعم الإرهاب ويهدد إسرائيل ويحاول نسف السلام في الشرق الأوسط وينكر على شعبه التطلع إلى الحرية". ولذلك وبكل بساطة تعتبر هذه الإستراتيجية رسالة قوية جدا لإيران مفادها أن واشنطن قد تستخدم القوة للقضاء على التهديد النووي الذي تشكله، إذ تشير بجلاء إلى إيران باعتبارها "أكبر خطر يمكن أن تشكله دولة بمفردها على الولايات المتحدة".
وثيقة الإستراتيجية الأولى تحدثت عن محور الشر "إيران والعراق وكوريا الشمالية"، أما الثانية فلم تركز على كوريا الشمالية واكتفت بأن عليها "تغيير سياساتها"، ثم بشيء من التوسع وجهت أصابع الاتهام إلى خمسة "أنظمة دكتاتورية استبدادية" أخرى مثل سوريا وكوبا وروسيا البيضاء وبورما وزيمبابوي. كما تضمنت الوثيقة صفحة كاملة خصصت لتبرير الحرب على العراق، ويبدو أنه تحذير مباشر لإيران جاء فيه "ليس لدينا أدنى شك في أن العالم سيكون أفضل حالا إذا أدرك الطغاة أنهم بامتلاك أسلحة دمار شامل سيتحملون عواقب ذلك".
لم توفر الوثيقة روسيا ولا الصين، فعلىالصين " أن تتصرف كدولة مسؤولة تفي بالتزاماتها وتضمن الحرية السياسية والحرية الاقتصادية"، وإستراتيجية أميركا تسعى إلى "تشجيع الصين على اتخاذ الاختيارات الإستراتيجية الصحيحة لشعبها مع قيام الولايات المتحدة في نفس الوقت باحتياطاتها لكافة الاحتمالات الأخرى". كما نظرت الوثيقة إلى روسيا نظرة أكثر حذرا وشكا مقارنة بسابقتها 2002 عندما كان وهج التقارب بين بوش وبوتين لا يزال ساطعا. فقد ورد في الوثيقة عند الإشارة إلى روسيا: "إن الاتجاهات الحديثة تؤشر للأسف إلى تقلص الالتزام الروسي بالحريات والمؤسسات الديمقراطية".
كما توضح الوثيقة أن "أفريقيا تكتسب أهمية جغرافية – إستراتيجية متزايدة وتشكل أولوية في جدول أعمال الإدارة"، وتوجه تحذيرا إلى شعوب أميركا اللاتينية "من الانسياق وراء الدعوات المضادة للسوق الحرة" في إشارة للرئيس الفنزويلي هوغو شافيز.
غريب المفارقات أن الوثيقة التي التزمت في أول كلمة فيها بنشر الديمقراطية تعترف بأن "الانتخابات ليست كافية في حد ذاتها"، كما أنها تقود أحيانا إلى "نتائج غير مرغوبة"، تقول الوثيقة "فهذه المبادئ قد تعرضت للاختبار عندما فاز مرشحو حماس في الانتخابات الأخيرة التي عقدت في المناطق الفلسطينية".
أخيرا لولا فضول الباحث وحشريته العلمية لن يجد غضاضة في الهرب من قراءتها والتدقيق فيها، فهي نسخة ليست منقحة ولا مزيدة عن سابقتها بل صيغت بعبارات ومفردات حاول من أسس لها إن يوحي جديدا،وإذ كنا منصفين في معرض الدرس والنقد فلا نجد حرجا في القول إن الجديد فيها قول الولايات المتحدة من جديد أن لا جديد لدينا سوى الحروب الاستباقية وصناعة الأعداء الوهميين كيف ونحن الذين نحتاج دائما للأعداء لإثبات قوتنا على من اضعف منا! د. خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني