بغداد، شعر ورصاص وشناشيل

بقلم: هشام عودة

مدينة لا تشبه غيرها، منذ قال لها المنصور كوني، فكانت، هي عاصمة الروح ومنارة الدنيا، المدينة التي أمسكت بتلابيب الغيوم من الجهات الأربع، لتقدم نفسها في حضرة الرشيد.
هي بغداد، توأم دجلة ومدينة النخيل الذي لا يحني رأسه، هي الاسم الحركي للعروبة، حاضرة الشرق التي سفحت حبرها لتنير عقول الناس في كل مكان.
مدينة بهذه المواصفات لا تسقط، وان وقعت في قبضة الاحتلال، ومثلما اندحر هولاكو عن أرضها قبل ثمانية قرون، فإن مغول العصر ينتحرون اليوم على أسوارها، بفعل إرادة أبنائها، ورثة الحضارة العربية الإسلامية، وورثة الفروسية منذ لبت تلك الصرخة الخالدة "وا معتصماه".
بغداد، التي وزعت غيوم السماء على ارض العرب بالتساوي، هي نفسها التي أشاعت "البغددة" في حياة الناس، وهي بغدادنا التي نعرفها وهي تعلم الدنيا فنون القتال.
بغداد مدينة الشعر والأسطورة والشناشيل، مدينة ألف ليلة وليلة وبيت الحكمة والمستنصرية، هي اليوم درة المدن العربية، وهي ترفع أصابعها لتدفع الشر عن الكون كله.
في التاسع من نيسان.. لم تسقط بغداد، لكنها ارتدت حلتها الجديدة لتستقبل بها الغزاة الغرباء.
وفي التاسع من نيسان تعود بغداد إلى وظيفتها منذ أن قال لها المنصور كوني فكانت، لتعيد صياغة التاريخ من جديد ملونا بدم أبنائها الذين لم يتخلوا عن عروبتهم، رغم قسوة المشهد وأنانيته.
بغداد الدنيا بأكملها عندي وسكان بغداد هم الناس قالها ابن زريق البغدادي قبل ألف عام وهي اليوم أكثر صلاحية لوصف المشهد البغدادي، قابضة على جمر المبادئ وفية لدم عشاقها الشهداء.
مغول العصر ينتحرون على أسوار بغداد، لم يكن شعارا للاستهلاك السياسي، بل هي حقيقة جسدها "البغادة" منذ ثلاثة أعوام، اذ يتساقط العلوج صباح مساء في طرقاتها.
لم تئن لأنها مدينة كبيرة بحجم الشمس، والكبار هم الذين يرسمون طريق المستقبل، وما زال الرهان قائما بأن شمس العرب ستشرق حتما من بغداد، بعد أن تكنس الاحتلال من شوارعها البهية.
بغداد في قبضة الاحتلال منذ ثلاثة أعوام، لكن "البغادة" يشعرون أنهم أكثر الناس امتلاكا لحريتهم التي تصنعها البنادق المقاتلة.
نهر ومليون نخلة وسور عتيق يحضن عتبات التاريخ، هي بغداد التي زاوجت بالدم بين التاريخ والجغرافيا وهي القلب العامر بالمحبة الذي ما زال قادرا على ضخ دماء الحياة في شراييننا المتعبة.
في التاسع من نيسان نحتفل ببغداد التي لم تخذل عشاقها، وتضيء شمعة الحرية في ليل عربي طويل تعرف بغداد نهايته جيدا. هشام عودة