تراجيديا لا نهاية لها: 'لعنة' القتل الثأري تطارد اليمنيين

صنعاء
الكر والفر قائمان في اليمن منذ عصور غابرة

في أسوأ حادث تعكسه ظاهرة "الثأر" في اليمن، لقي ستة أشخاص مصرعهم الثلاثاء دفعة واحدة، على خلفية حادثة وقعت في محافظة مأرب، شمال شرق البلاد، كانت كامنة منذ سنوات طويلة، وتجددت الأسبوع الماضي، لتفتح صفحة سوداء جديدة في حياة اليمنيين، مع قصة تراجيدية لا نهاية لها.
ويعد الثأر ظاهرة بكل المقاييس في بلاد كاليمن، تقوم علاقات أبنائها الاجتماعية على مفاهيم قبلية، وقيم ثقافية تتداخل فيها "طقوس" ما قبل الإسلام وما بعده، ويزيد من تعقيد الظاهرة انتشار حمل السلاح، وارتفاع نسبة عدد حيازة السلاح إلى نحو 50 مليون قطعة سلاح، وهو رقم مهول بحسب إحصائيات محايدة.
ولتقديم صورة مصغرة لتنامي واتساع طوفان "القتل الثأري"، فإن القتل العمد في الغالب يكون السبب الرئيس لاتساع وانتشار الظاهرة، والقتل العمد هو في الغالب يكون رد فعل لقتل سابق حدث لأسباب قد تكون شخصية أو اجتماعية، مثل خلاف على قطعة أرض، أو بئر لمياه الشرب، أو حدود بين قبيلتين، أو شجار بين أطفال في القرية، أو خلاف مالي، أو منافسة انتخابية، فيتصاعد الخلاف ليصل إلى إزهاق أرواح كثيرة.
يروي صالح المأربي (35 عاما)، كيف اندلعت نيران الثأر لتبتلع ستة مواطنين في دقائق، يقول: "إن مواجهات ثأر تجددت بين قبيلة الحدد وقبيلة مراد، أسفرت عن مقتل شخص وجرح ثلاثة آخرين، بينهم شخص عن طريق الخطأ في سوق المحافظة أعقبه بدقائق تبادل إطلاق النار بين أفراد القبيلتين، في منطقه النقعه قتل على إثرها ثلاثة من مراد وأثنين من الحدد".
وأوضح صالح أن هذه الحادثة تأتي على خلفية قضية ثأر بين القبيلتين، تمتد منذ أكثر من سبع سنوات، وراح ضحيته أكثر من عشرة أشخاص حتى الآن، وأكد أن الوضع بين القبيلتين متأزم للغاية، وأن القبائل تتوعد بردود مماثلة، واندلعت المعركة لتخرق هدنة بين القبائل المتناحرة في مأرب أقرت في حزيران/يونيو من العام قبل الماضي.
وقالت مصادر، إن قتيلا جديدا من أبناء مأرب انظم للحصيلة النهائية لصراعات الثأر، ولقي أحد أبناء مأرب، ويدعى عبد الله عبد ربه بلغيث 45 عاماً من قرية المزود، مصرعه على خلفية ُثأر أثناء وجوده بمدينة رداع، التابعة لمحافظة البيضاء.
وتشير الإحصائيات، إلى أن الأسبوع الماضي فقط، سقط عشرات اليمنيين ضحية صراعات الثأر، ففي مديرية عنس بمحافظة ذمار، جنوب صنعاء، أسفر اشتباك مسلح بين أسرة واحدة إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة امرأتين بجراح.
واستخدمت في هذه المواجهات "الجنابي، (الخناجر)، والفؤوس"، وانتهت بإطلاق الرصاص على خلفية محاولة إرجاع زوجة لبيت زوجها، مما أدى إلى مقتلهم وإصابة امرأتين لا زالتا ترقدان بأحد المستشفيات بمدينة ذمار.
ولأن السلاح يعد الركن الرئيس لاستفحال ظاهرة الثأر في اليمن، فإنه يودي بعشرات المواطنين، ففي الأسبوع الماضي أيضا، راح أربعة مواطنين، وأصيب 12 آخرون في محافظة البيضاء نتيجة انفجار مخزن للذخيرة، الانفجار وقع في منزل سكني كان يحوي كميات من الذخيرة، أدى إلى وفاة شخص يدعى محمد الربوعي، ووفاة زوجة محمد عمر الطسي في المستشفى، وإصابة 14 آخرين بينهم امرأتين وطفلين، فيما نقل 8 في حالة خطرة إلى مستشفى عريب برداع، مات فيما بعد شخصين منهم. الانفجار أيضا أدى إلى تدمير 3 بيوت، ومعظم المصابين هم طلاب من مدرسة طارق بن زياد الثانوية المجاورة لمكان الانفجار.
وفي المكلا، بمحافظة حضرموت، لقي الجندي ياسر باسرور مصرعه مطلع هذا الأسبوع، خلف مبنى المؤسسة الاقتصادية العسكرية، دون معرفة أسباب موته، ورفضت أسرة الضحية استلام جثته، إذ طالبت جهات البحث التحقيق في الجريمة ومتابعة خيوطها في النيابة العامة.
ولم تكن حوادث القتل على خلفية الثأر مطلع هذا العام، منفصلة عن تداعيات العام الماضي، فلقد شهد عام 2005 تجدد معظم المواجهات القبلية، لكنها كانت الأقل في الخسائر البشرية عن العام 2004، الذي حصدت أرواح 30 شخصا في معركة ثأر هي الأسوأ في تاريخ اليمن بمحافظة الجوف مع آخر أيام العام، وبدأت تتجدد هذا العام وتعود.
وفي مديرية الحدأ بذمار لا زالت الثارات القبلية عاملا رئيسا لزعزعة الأمن في البلاد، وأعلن عن إنهاء إحدى تلك الثارات في بداية آب/أغسطس الماضي بعد 18 عاما من الاقتتال، وحوادث أخرى في شبوة ومأرب وحجة وصعدة، حصدت أرواح العديد من أبناء الوطن.
وحسب إحصائية غير رسمية قام بها الباحث يحي المناعي، لحوادث الثأر في العام المنصرم، فإن وتيرة القتل والثأر بمحافظة صنعاء ارتفعت على نحو مقلق، مخلفة وراءها عشرات القتلى والجرحى، وتدمير عدد من الممتلكات، إذ بلغ عدد الذين لقوا حتفهم في قضايا ثأر واقتتال داخلي خلال العام الماضي، 54 قتيلاً فيما بلغ عدد الجرحى 60 جريحاً.
ويؤدي التباطؤ في فض المواجهات المسلحة من قبل الجهات الأمنية المختصة، إلى طول فترة الاشتباكات، وبالتالي إلى تزايد عدد الضحايا، فقد استمرت إحدى المواجهات أكثر من خمسة أسابيع دون تدخل أمني أو قبلي لفضها، وأسفرت عن سقوط ثلاثة قتلى، و21 جريحا.
وكان سقوط الضحايا في بداية الاشتباكات يؤدي إلى استمرارها، ويزيد من تعقيدها ويدفع طرفي المواجهات إلى تصعيدها عبر استخدام الأسلحة الثقيلة: "كالمدافع والـ "آر بي. جي" وقذائف الهاون، والرشاشات الثقيلة، للثأر والانتقام من الطرف الآخر، كما حدث في المواجهات المسلحة التي دارت بين منطقتي الكبس ونهد بخولان، والتي أدت إلى تدمير بعض المنازل والممتلكات.
وخلافاً للأعوام السابقة انخفض هذا العام دعم المتنفذين في مواقع مختلفة من الدولة للأطراف المتصارعة، لإذكاء الثأر، وتأجيج الصراع من أجل مصالحهم الخاصة، وتعصباً لأحد الأطراف، حيث لم تسجل سوى حادثة واحدة طيلة العام، سعى نافذون في الدولة إلى دعم طرف بالمال والسلاح، ليستقوي على الطرف الآخر.
استمرار نزيف الدم، وانفلات الظاهرة الثأرية في اليمن، دون معالجة جادة من الدولة والقوى السياسية والاجتماعية، ساعد من تعقيد عملية معالجتها، فلقد حذرت منظمة "دار السلام لمكافحة الثأر والعنف ونشر ثقافة التسامح والسلام العالمي"، من آثار الظاهرة على الديمقراطية والاقتصاد اليمني، وناشدت في رسالة أصدرتها في (8/4)الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وضع حد لقضايا الثأر في المجتمع، وتفعيل دعوته بعمل صلح عام وتفعيل دور المجهود الرسمي والشعبي في الحد من هذه الظاهرة.
وكانت قد وضعت في وقت سابق، لجنة الصلح ومعالجة الثأر، بمجلس الشورى تقريرا، حاولت مقاربة معالجة الظاهرة، وأوضحت أن من أهم أسباب انتشار ظاهرة الثأر: "عدم حسم القضايا الخاصة بالثأر، إلى جانب عدم وجود أجهزة أمنية قوية، قادرة على تنفيذ الأحكام الشرعية الصادرة من المحاكم، إضافة إلى ضعف الوازع الديني، والتنازع على الحدود بين القبائل، وملكية الأراضي، والاستيلاء عليها من قبل الطامعين، وكذا انتشار أمراض الرشوة وإفساد الحكام، ما يتسبب في إيجاد مخارج في الحكم يستفيد منها مرتكب جريمة القتل العمد أو منفذ جريمة الثأر، أثناء التطويل في التقاضي وغيرها من الأسباب".
وقالت اللجنة التي اكتفت بإصدار هذا التقرير: "إنه لا يمكن التخلص من ظاهرة الثأر إلا باتخاذ الإجراءات القانونية الحازمة لمعالجة هذه الظاهرة، وإيجاد التنسيق بين الأجهزة الأمنية والدور الشعبي، إضافة إلى إلزام مصلحة شؤون القبائل بإلزام المشايخ والأعيان، خاصة الذين يتقاضون رواتب من الدولة بضرورة التعاون مع رجال القضاء في ضبط الجناة وحث أجهزة الأمن والنيابة، والقضاء على سرعة البت في قضايا الثأر، واتخاذ التدابير الوقائية لمنع وقوعها من خلال معالجة القضايا المؤدية إلى القتل، وانتشار ظاهرة الثأر، إضافة إلى اعتبار مقل هذه القضايا جرائم تتنافى مع الأعراف والتقاليد اليمنية، وخروجا على الدين الإسلامي، ودعوة المشايخ والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، إلى محاربة هذه الظاهرة.
ومع استمرار نزيف الدم، وسقوط عشرات الضحايا شهريا، وتمزق النسيج الاجتماعي جراء بقاء كارثة الثأر التي تقلق سكينة المجتمع، وتثير الاضطراب الأمني، ومع الإهمال الحكومي في معالجتها واعتبار الظاهرة خارج اهتمام مؤسسات الدولة، فإن ذلك يعني أن هذا العام الحافل بالأحداث السياسية التي تتقاطع دائما بالقضايا الاجتماعية، سيكون حسب رأي بعض المراقبين "عاما داميا"، ومثيرا للخوف والهلع. (قدس برس)