عائد من الغربة يحلم بتفجير ثورة الفن بالسودان

الخرطوم
آمال بنهضة فنية

عندما عاد رشيد دياب عام 2000 الى السودان، بلده الذي دمرته عقود من الحرب الاهلية وتولى فيه السلطة نظام اسلامي، كانت كلمة فن في حد ذاتها قد تحولت الى محظور.
ووجد هذا الرسام الذي ذاعت شهرته في اسبانيا ان بلده اصبح وهو على اعتاب القرن الحادي والعشرين "صحراء ثقافية"، فالفنانون هاجروا ولم يعد هناك متحف واحد ولا دروس رسم في المدارس.
ويؤكد دياب انه فوجئ "بكارثة اذ تم التدمير خلال جيل واحد".
وقرر الفنان ان يسير عكس التيار واقام في حي جديد بالخرطوم مركزا فنيا هو في ذات الوقت مرسم ومعرض ومسرح ومدرسة ومقر اقامة للفنانين.
وكان دياب غادر السودان فور اتمامه دراسته في كلية الفنون الجميلة بالخرطوم بفضل منحة دراسية في جامعة كومبلوتنسي بمدريد حيث حصل على درجة الدكتوراه في تاريخ الفن قبل ان يعمل مدرسا بها.
وخلال السنوات العشرين التي تغيب خلالها عن السودان استعرت الحرب الاهلية بين الشمال والجنوب.
واغلق النظام الاسلامي الذي تولى السلطة في الخرطوم المسارح ودور السينما واهمل المتحف الوطني.
ويقول "لقد تحولنا من سياسة معادية للفن الى عدم اكتراث كامل به" وهو يعتبر ان الرئيس السوداني عمر البشير الذي وصل الى السلطة بانقلاب عسكري في العام 1989 لا هدف له الان سوى الاحتفاظ بها.
ويعتقد دياب انه اذا كان النظام لا يعبأ بالفن ولا بالتراث فان مناخا اكثر تسامحا بدا يسود كما اتاح فتح مراكز ثقافية اوروبية مساحة اكبر للفنانين.
ويؤكد ان "الذين يتولون السلطة يعرفون انني لست معهم ولكن يبدو انهم يتغاضون عن الامر".
وتمكن دياب من ان يجسد فكرته التي يتحدث عنها كأنها حلم من الطفولة.
واقتضى الامر ثلاث سنوات ومليوني دولار حتى يتمكن من تشييد على ارض في حي جديد بالعاصمة السودانية "مركز فنون رشيد دياب" وهو مبني من طراز معماري حديث يستوحي طرازا سودانية تقليدية.
وتبلغ مساحة المركز 3200 متر مربع تم اقامة المبنى على الف منها.
ويقول الفنان السوداني "لا يمكننا ان نقدم شيئا للغرب سوى الفن فما الفائدة من ان نحاول تكرار ما سبقتنا اليه الدول الغربية كأن نصعد للقمر مثلا"؟
ولا يريد دياب المجادلة كثيرا حول "صدام الحضارات" او ازمة الرسوم الكاريكاتورية. ويقول انه ينبغي "الخروج من كل ذلك من خلال الابداع، ابداعنا الذاتي في مواجهة التأثيرات الغربية".
ويتحدث رشيد دياب عن فنون سودانية متنوعة بتنوع القبائل الـ550 القاطنة في هذا البلد الواسع الذي يبلغ عدد سكانه 30 مليون نسمة.
ويؤكد ان الفن الإثني شبه غائب باستثناء فنون قبيلتي البونغو وبيلاندا في الجنوب.
ويضيف "لم يتم اثراء هذه الفنون في مرحلة ما بعد الاستعمار وسوف نقوم بملء هذا الفراغ"، ويشير الى ان العديد من الفنانين السودانيين اصبحوا مشهورين لكن في الخارج مثل ابراهيم الصالحي وحسن موسى.
وتم انشاء موقع على الانترنت في الولايات المتحدة عنوانه "سودان ارتستس. اورغ" هو بمثابة معرض ومتحف في ذات الوقت نظرا لعدم وجود متحف للفن الحديث في الخرطوم.
ويعتقد دياب ان الوقت حان للعودة الى السودان. ويقول الفنان الذي لا يستطيع السودانيون اقتناء اعماله بسبب ارتفاع ثمنها "ان الامر سياخذ وقتا واتمنى ان احصل على دعم مالي دولي ولكني سأظل هنا لاقوم بثورة فنية".
وفي حديقة المركز، بالقرب من المسرح الذي يجري انشاؤه، يقوم مجموعة من الاطفال بتعلم الرسم اذ ان هذا النوع من الانشطة غير متوافر في المدارس.
ويامل رشيد ان يتمكن هؤلاء الاطفال الذين يرعاهم فنانون شبان متطوعون من ان يصنعوا بخيالهم وبألوانهم وتشكيلاتهم المتفجرة نهضة السودان في المستقبل.