مكتبة البابطين تفتح ابوابها للزائرين

كتب: أحمد فضل شبلول
يومٌ من أيام الثقافة العربية

بدأت مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي فتح أبوابها للجمهور والزائرين والمستفيدين من خدماتها اعتبارا من يوم الثلاثاء 11/4/2006 بعد أن افتتحها رسميا مساء السبت 8/4/2006 محمد ضيف الله شرار نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي نيابة عن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وفي حضور جمع غفير من الوزراء والمسئولين وأعضاء مجلس الأمة، وأبناء الشعب الكويتي، وضيوف الكويت من وزراء الثقافة العرب، والشعراء والكتاب والمثقفين والإعلاميين والمكتبيين الذي بلغ عددهم أكثر من 250 ضيفا، عبروا جميعا عن إعجابهم بالمكتبة في مبناها وتخصصها الفريد على مستوى العالم، فلم يحدث من قبل أن تم بناء مكتبة خاصة تعنى بالشعر العربي، مثلما حدث مع مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي.
وكان ممثل راعي الحفل قد أزاح الستار عن اللوحة التذكارية للمكتبة، ثم قام بجولة تفقدية في معية رئيس المؤسسة الشاعر عبد العزيز سعود البابطين، ومديرة المكتبة السيدة سعاد عبد الله العتيقي، وكبار المسئولين.
ثم بُدئ حفل الافتتاح الذي قدمه الكاتب المسرحي عبد العزيز السريع ـ أمين عام مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، بالسلام الوطني الكويتي، وآيات من الذكر الحكيم للمقرئ أحمد الطرابلسي.
وفي كلمته الافتتاحية، قال محمد ضيف الله شرار: يسعدني ويشرفني أن أنوب عن سيدي حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله ورعاه، وأن أنقل لكم تحيات سموه وترحيبه بكم في بلدكم الكويت، التي تحتفي اليوم بإنجاز فريد في ميدان الثقافة العربية، مع افتتاح مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي، لتشرق بذلك على أرض الكويت منارة جديدة من منارات الفكر والثقافة، تعنى بالشعر العربي، جمعا، وتوثيقا، وفهرسة، وبحثا، ونشرا.
وأضاف شرار قائلا: لقد تفضل حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، في السادس من يناير لعام 2002 برعاية كريمة بوضع حجر الأساس لهذه المنارة الثقافية الشعرية الجديدة، التي يحتويها هذا المبنى الأنيق، إيمانا من سموه، حفظه الله ورعاه، بأهمية مختلف روافد التراث الثقافي العربي في تعزيز حاضر الأمة ومستقبلها، وفي إطار حرص دولة الكويت، شعبا ومؤسسات وقيادة على بذل كل جهد من أجل إعلاء الهوية العربية، وتعزيز الثقافة العربية. الشعر العربي احتاج إلى ديوان حافظ يجمعه ويوثق له وعن دور المكتبة في الحفاظ على الشعر العربي قال شرار: لقد كان الشعر العربي ديوانا للعرب، حفظ وأرخ مسيرتهم وإنجازاتهم، عاداتهم وتقاليدهم، أفراحهم وأحزانهم، غير أن هذا الديوان احتاج بدوره إلى ديوان حافظ يجمعه ويوثق له، وينشره ويجدده، وهي مهمة نأمل أن تقوم بها "مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي"، على أكمل وجه، كأول مكتبة متخصصة في الشعر العربي في العالم، متسلحة في مهمتها هذه بأحدث ما وصلت إليه التقنيات وعلوم المكتبات والاتصالات الحديثة في مجال الحفظ والتبويب والاطلاع والنشر.
ويضيف شرار قائلا: إنني على قناعة كبيرة بأن هذه المكتبة الفريدة، والتي هي أحدث حلقة في سلسلة طويلة من إسهامات الكويت في خدمة الثقافة العربية، ستكون مكملا أساسيا لمشروع البناء الجديد للمكتبة الوطنية الكويتية، التي سترى النور قريبا، بإذن الله تعالى، ولباقي المكتبات الوطنية المنتشرة في ربوع عالمنا العربي.
ثم يوجه شرار كلامه للحضور، قائلا: لعلكم تتفقون معي، وأنتم تمثلون صفوة مثقفي أمتنا العربية والإسلامية، أن مجتمعاتنا لم تعرف بعد كتاب الله، ثم المناهج التربوية التعليمية السليمة، ما هو أفضل من الشعر كحافظ للغتنا العربية الجميلة وتقاليدها العريقة، ونقلها إلى أجيال المستقبل، مع تربية ناشئة تتقن لغتها وتمسك بنواصي الكلمة الطيبة، وتعي قيمة تراثها وموروثاتها، ناشئة تتمسك بهويتها الدينية واللغوية، تحافظ عليها وتصونها، تستوعبها وتعتز بها.
ثم يتوجه شرار في كلمته إلى الشاعر عبد العزيز سعود البابطين، فيقول: أغتنم هذه المناسبة لأشيد بالأخ الكريم عبد العزيز سعود البابطين ـ رئيس مجلس أمناء "مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري" الذي حمل على عاتقه الاهتمام بهذا الفرع من الآداب، والاعتناء به وإثراءه من خلال مختلف إنجازات المؤسسة، من مهرجانات شعرية تخلد ذكرى الشعراء العرب والمسلمين، ومن إنتاج ثقافي متميز، عبر مختلف الإصدارات القيمة من معاجم ودواوين شعرية ومراجع ومسابقات ومنشورات، وآخرها هذه (يقصد المكتبة).
ويختتم ضيف الله شرار كلمته بقوله: باسم الكويت، وهي تعيش الإسلام دينا، والعروبة وطنا، والتعاون طريقا، والسماحة شعارا، والسلام غاية، لكم منا التحية والشكر والترحيب. يومٌ من أيام الثقافة العربية بعد ذلك يلقي الشاعر عبد العزيز سعود البابطين كلمته في افتتاح المكتبة التي تحمل اسمه، فيقول: هذا يوم مجيد من أيام المؤسسة، ومن أيام الثقافة العربية، إذ لأول مرة على مر تاريخنا يجد الشعر العربي ـ هذا الكائن الأسطوري الجميل ـ مهادا يأوي إليه بكل فرسانه الذين تواصلوا عبر الزمان والمكان العربيين، رافعين راية الشعر فوق القلاع والمساجد والأسواق تعلن سلطة الكلمة المجنحة التي تحرر النفس البشرية من عجزها ومحدوديتها ولتشعل الفضاء ببهجة القول حين يتعانق مع الفعل فيكون جذرا أو ثمرة له. حلم آخر يتحقق ويضيف البابطين قائلا: في هذا اليوم يتحقق حلم آخر من أحلامنا، بعد أن كانت المؤسسة حلمنا الأول، وكان هذا الحلم امتدادا، لخصلة متجذرة في النفس العربية منذ فجر التاريخ، وهي احتفالها الدائم بالشعر، لا كمجرد براعة لغوية، بل كفروسية متجسدة في حقل اللغة، والعرب لازمهم عشق الفروسية، وسعوا من مفهومه ليشمل مختلف جوانب المشهد الإنساني، واحتفاء بفن الفنون، رفعوا المعلقات على أقدس جدار لديهم: جدار الكعبة، ونقشوها في أخص مكان: على جدران صدورهم لتبقى سلاحهم في الحرب، ورفيقتهم في السفر، وهديتهم للحبيبة، وبكائيتهم أمام الطلل. ولكن الصدور لم تستطع أن تحمل إلينا كل ما اختزنته من مرويات الشعراء، فاختفى بغيابها الكثير من روائع القول. وفي الزمن الإسلامي أضاف نزول القرآن الكريم إلى الشعر ألقا جديدا، إذ أصبح القول الشعري شاهدا على إعجاز القرآن البلاغي، ومفسرا لدقائق تراكيبه المدهشة، فأضيفت إلى فروسية الشعر القداسة الدينية، ولم يترك العرب للصدور وحدها حفظ هذا التراث بل أضافوا إليها السطور، فأصبح نسخ الكتب عبادة يتقرب بها المرء إلى ربه، واحتراما للكلمة ولمن أبدعها، نسخ العرب بأيديهم قبل عصر الطباعة، ملايين المخطوطات، وهو مجهود حضاري لم تعهده أمة من الأمم.
ولكن هذه الثروة من المخطوطات عدت عليها عوداي الزمن من جهل وتعصب وغزو خارجي، فأصبح قسط كبير منها طعاما للنيران ومدادا لمياه الأنهار، ونُهب قسط آخر إلى مختلف متاحف العالم. من الإسكندرية إلى القاهرة إلى الكويت ويكشف البابطين عن سر إقامة المكتبة وتشييدها في الكويت، قائلا:
لقد أدركت المؤسسة منذ قيامها الأمانة الثقيلة الملقاة على عاتقها أمام تآكل هذا الإرث الشعري الذي يجسد معلما أساسيا من معالم هويتنا القومية، ووجدت أن واجبها الأول يتمثل في جمع ما تبقى من المنجز الشعري والحفاظ عليه، فخطرت لها فكرة إنشاء مكتبة خاصة بالشعر، وقد ورد ذلك في تقرير للأمانة العامة للمؤسسة في منتصف التسعينيات من القرن الفائت، وكعادة المؤسسة في المبادرة إلى احتضان الأفكار الخصبة، تحولت الفكرة إلى مشروع، وجرى البحث عن مكان تنفيذه، وتنقلت فكرة المكان من الإسكندرية إلى القاهرة، ثم استقرت في دولة الكويت، تعزيزا للدور الثقافي الذي اضطلعت به الكويت منذ خمسينيات القرن الماضي حين تبنت حكومتها الرشيدة أن تكون الكويت مركز إشعاع ثقافي للوطن العربي.
وعن احتفالية الافتتاح يقول البابطين: وإذ نحتفل اليوم بتحول هذا الحلم الكبير إلى حقيقة، وننعم في ظلال هذا الصرح الثقافي، فلابد أن نذكر الأيادي الخيرة التي وقفت جانبنا تشد من أزرنا، وتتابع معنا تخلق هذا الجنين في تحولاته المختلفة إلى أن غدا كيانا سويا.
وفي هذا الصدد يذكر البابطين كلا من الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح الداعم المعنوي للفكرة، والمتابع لها منذ بداياتها، والأمير الوالد الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، عندما كان وليا للعهد ورئيسا لمجلس الوزراء، والأمير المحبوب الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح الذي رعى وضع حجر الأساس، ورعى حفل الافتتاح، ومعالي الدكتور سعد بن طفلة وزير الإعلام الأسبق، والدكتور محمد الرميحي الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب سابقا، وعبد الكريم سعود البابطين الذي أهدى مكتبته التي تزيد على مائة ألف كتاب انتقاها كتابا كتابا على امتدادا سنوات عمره.
كذلك يوجه البابطين الشكر للشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح رئيس مجلس الوزراء، ولكل الضيوف الذين تحملوا مشاق السفر للمشاركة في فرحة الافتتاح والاحتفال بهذا الإنجاز الكبير.
ولا ينسى البابطين في كلمته الإشارة إلى أن المكتبة ستتيح المنجز الشعري للقارئ العربي متذوقا أو باحثا بأيسر السبل، مستخدمة كل وسائل التقنية الحديثة، وإلى أن أبواب المكتبة ستكون مشرعة للحوار مع مختلف مراكز الثقافة العربية، لتبادل الخبرة وللتعاون في كل ما يمكن من النهوض بهذه الثقافة، وتجديد دمائها.
ويؤكد البابطين على أن الطموح الأكبر أن تصبح هذه المكتبة مرجعية للشعر العربي على مستوى الوطن العربي، يرجع إليها في كل أموره وتجلياته. هدية البابطين من الموقع الثابت إلى الموقع الإلكتروني أما السيدة سعاد عبد الله العتيقي ـ مديرة المكتبة، فقد قالت في كلمتها: تعجز الكلمات عن وصف مشاعر الاعتزاز الحقيقية التي توهجت فينا بتشريفكم لهذه الاحتفالية الثقافية، فالآن فقط يمكننا القول بأن البناء اكتمل.
ثم تضيف قائلة: إن هذا الصرح، بل هذا الوعاء المعرفي، هو الهدية التي أراد الشاعر عبد العزيز سعود البابطين أن يقدمها إلى قراء العربية، والمهتمين بالأدب العربي في كل أرجاء العالم، سواء عبر الموطن الثابت للمكتبة الذي يحتضننا الآن، أو من خلال موقعها الإلكتروني السابح في فضاءات الإنترنت. فلقد حرصت مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي، أن تحقق التوافق بين الأصالة بأمسها البهي، وبين العصر بتقنياته المتسارعة، وذلك حين تم توظيف التكنولوجيا توظيفا أدبيا من شأنه أن يمد جسور القراءة، ويحقق التواصل الخلاق بين الأجيال، كي تبقى الحكمة نبراسا تستهدي به المجتمعات، وهي ترتقي بفكرها إلى مصاف الحضارات المتقدمة. وكان لهذه الخطوة التقنية التي اتخذتها المكتبة أثرها البارز، إذ سرعان ما دبَّت الروح في المخطوطات النادرة، وسرى النبض في أمهات الكتب والمطبوعات القديمة، التي كاد الزمان أن يغيبها في عتمة النسيان.
***
بعد ذلك أُعطيت إشارة إطلاق موقع مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي على شبكة الإنترنت، وعنوانه www.albabtainlibrary.org.kw ثم وزعت الدروع التذكارية.
ثم قام ضيوف الحفل بجولة داخل أقسام المكتبة، بعدها بدأت الأمسية الشعرية الأولى على مسرح المكتبة الذي يتسع لأكثر من أربعمائة شخص، وقد أحياها ثمانية شعراء عرب، هم ـ حسب الترتيب الذي قدمهم به عريف الأمسية الشاعر د. محمد مصطفى أبو شوارب ـ: سامي القريني (الكويت) د. عبد الولي الشميري (اليمن) عماد غزالي (مصر) غنيمة زيد الحرب (الكويت) إبراهيم صديقي (الجزائر) نبيلة الخطيب (الأردن) عبد العزيز سعود البابطين (الكويت) جواد جميل (العراق)، لينقشوا بذلك أسماءهم في سجل المكتبة، أنهم أول من أنشد شعرا فيها. أحمد فضل شبلول ـ الكويت