رحيل الماغوط يفقد الثقافة العربية احد المع وجوهها

القاهرة - من رياض ابو عواد
شاعر الصعلكة والحرمان والقهر والحزن واليأس والأمل

اعتبر مثقفون عرب ان العالم العربي فقد برحيل الكاتب والشاعر والمسرحي السوري محمد الماغوط احد ابرز وجوهه الثقافية وابرز رواد قصيدة النثر والمع الكتاب السياسيين الساخرين.
وقال الناقد والروائي السوري خليل صويلح الذي اصدر كتابين عن اعمال الراحل ويعتبر احد اصدقائه الشباب، "كتب الماغوط قصيدة النثر التي انطلق بها ولم يع ذلك الا بعد ان بدأ حديث الاوساط الشعرية عن هذا الامر، ومن بينها الشاعر السوري الكبير ادونيس".
وولج الماغوط عالم قصيدة النثر عندما اطلق اولى قصائده من دون ان يدرك انه خاض في عالم جديد، وذلك بعد خروجه من سجن المزة قرب دمشق حيث امضى تسعة اشهر عام 1955 كمعتقل سياسي ينتمي الى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان لم يتجاوز العشرين من عمره.
وكان الماغوط تحدث عن بدايته الشعرية قائلا ان "الفقر والسجن واحذية الجنود والهزائم جعلت منه شاعرا وكاتبا لم يختره ولم يكن يعتقد انه سيكونه".
من جهته، اعتبر الناقد الفلسطيني فيصل دراج ان الماغوط "من الشخصيات البارزة في الزمن العربي المتآكل، فهو مرآة للثقافة العربية منذ نهاية الخمسينات ووصل الى حدود السخرية الفاقعة في مقالاته الانتقادية للواقع العربي متوجها فيها الى رجل الشارع الذي يشاركه حياته البسيطة".
واضاف "بدأ هذا الرجل حداثيا مجددا مناضلا مبدعا، وكان ولا يزال من رواد قصيدة النثر التي انتسبت اليها لاحقا اجيال شعرية عربية كثيرة، ورغم انه لم يكن مكثرا في كتابته ولا من المروجين للشهرة او الباحثين عنها فقد بقي حتى اليوم المؤسس الحقيقي والرائد الاول لقصيدة النثر".
ولفت دراج الى "تعدد مستويات ابداعات الماغوط، فهناك قصيدته وهناك مسرحياته الشعرية وهناك مسرحياته الهجائية التي تعاون فيها مع دريد لحام وهناك مقالته النثرية".
واضاف "ربما يكون كتابه 'ساخون وطني' تعبيرا حزينا عن الانسان الصادق الذي يبدأ متقدا بالحماس ثم ينتهي انسانا هامشيا يقاتل كي يحتفظ بهامشيته، وربما يكون من الحالات الشعرية القليلة جدا التي عبرت عن اغتراب الانسان العربي منذ اوائل الستينات".
وجدد الناقد السوري المقيم في باريس صبحي الحديدي تأكيد انجازات الماغوط في قصيدة النثر وريادته فيها وقال "كان الماغوط الرائد الحق لما نسميه اليوم قصيدة النثر العربية، ليس بمعنى انه كتب نماذجها الابكر، بل في ما يخص ثلاثة إسهامات كبرى أخذت صيغة انفرادات ريادية بالفعل".
فكان اولا "الصانع الأمهر في تفجير الطاقات الإيحائية والتعبيرية الشعرية الهائلة التي ينطوي عليها النثر، وكانت فطرته في هذا فطرة الشعر الخالص والشعر الطبيعي".
وهو ثانيا "احدث ثورة في موضوعات قصيدة النثر، حين نقلها من الذهني والميتافيزيقي إلى شؤون الشارع العريض، وشعريات الصعلكة والحرمان والقهر والحزن واليأس والأمل".
كما انه عمل ثالثا "على ترسيخ تلك الحداثة الخاصة ذات الطراز الفريد التي انفرد بها حين أفلح في النجاة من داء تقليد الحداثات الغربية".
من جهته، قال الروائي الفلسطيني حافظ البرغوثي رئيس تحرير يومية "الحياة الجديدة" الصادرة في رام الله انه برحيل الماغوط " يختفي اخر العمالقة الساخرين، لكن ابتسامته تبقى شاهدا مثل كتاباته على ذئبية نظامنا العربي وبدائية مجتمعاتنا، وكان يحاول ان يحضنا على الصعود لكننا بقينا نراوح مكاننا".
واعتبر ان تواضع الشاعر "جعله يقترب اكثر من واقعه، فكتب مقالات ومسرحيات نقلت المجتمع العربي بنخبته ونظامه ورعيته الى خشبة المسرح، وظل يرقب من بعيد".
واكد انه "حال متفردة في شعره ومقالاته ومسرحياته المليئة بالسخرية".
رحل الماغوط مساء الاثنين في دمشق عن 72 عاما بعد صراع طويل مع المرض الذي اقعده بعدما اغنى الحياة الشعرية العربية بصفته رائدا لقصيدة النثر.
وله العديد من المؤلفات الشعرية اهمها "حزن في ضوء القمر" و"غرفة بملايين الجدران"، واخر كتبه "البدوي الاحمر" الذي تضمن الشعر والنص الادبي الساخر.
وعلى صعيد اغناء الساحة الفنية في العالم العربي قدم اهم مسرحية عالجت هزيمة 1967 "ضيعة تشرين" واتبعها بمسرحية "غربة" عن الاغتراب الذي يعيشه المواطن العربي بعد حرب 1973، الى جانب "كأسك يا وطن" وكلها ادى البطولة فيها الفنان السوري دريد لحام وزميله الراحل نهاد قلعي.
ومن اهم المسلسلات التلفزيونية التي الفها "حكايا الليل" و"وين الغلط" و"وادي المسك" الى جانب فيلمي "الحدود" و"التقرير" مع دريد لحام.
وولد الماغوط عام 1934 في السلمية التابعة لمحافظة حماه (210 كلم شمال دمشق) وسيدفن الاربعاء في بلدته.