العضَّاضون: لماذا يعضُّ الآدميون بعضُهم بعضاً؟

بقلم: رجب سعد السيد
قوة تدميرية هائلة

طالعنا في الأنباء، منذ زمن قصير، خبراً مفاده أن برلمانيين عربيين احتدّ أسلوب حوارهما حول قضية ساخنة، وانتهى الأمر بأن انقضّ أحدهما على زميله، فقضمت أسنانه أذنه! وقبل هذه الواقعة بقليل، رأينا بأعيننا – على شاشة التلفاز – ملاكماً يعض أذن منافسه، عجزاً أو كمداً. وتصادف أن كنت أقرأ تقريراً عن "العضاضين" في الولايات المتحدة، نشره موقع في شبكة المعلومات العالمية، فرأيت أن أنقله لقرّائنا، لعلنا نلتمس العذر، أو بعض العذر، للنائب البرلماني الذي قضم أذن زميله، وللملاكم الخائب…
***
من بين شرائط السينما، التي رُشِّحت لنيل جائزة الأوسكار، لعام 1992، شريط بطله طبيب أمراض نفسية، يتحوَّل إلى سفَّاح، يقتل ضحاياه، عضَّاً!. وفي مدينة ديترويت الأميركية، هجم أربعون من سكان المدينة على اثنين من أفراد طاقم الإسعاف، وأشبعوهما ضرباً وعضَّاً، لتأخرهما عن نجدة ضحايا حادث تصادم!. وفي مدينة نورفوك، بولاية فيرجينيا الأميركية، حوكم تاجر جوَّال، بتهمة عض أنف إحدى عاملات الفندق الذي كان ينزل فيه. أمَّا نجم المسلسلات التلفازية الشهير جيمس جارنر، الذي يجسِّد البطل الأميركي المتفوُّق دائماً على كل أعدائه، فقد صدم بسيارته راكب درَّاجة بخارية، فما كان من الراكب إلاَّ أن أمسك بالبطل المشهور، وأوسعه ضرباً؛ ولم يجد النجم وسيلة للتخلُّص من خصمه إلاَّ: العض!
هذه بعض النماذج، تشير إلى تزايد عدد الآدميين الذين يستخدمون أسنانهم كوسيلة للتعامل فيما بينهم. لقد أصبحت هذه الظاهرة المتنامية مصدر قلق للسلطات الصحية في الولايات المتحدة، وترى فيها مشكلة صحية خطيرة.. فقد ثبت أن العضَّة الآدمية قد تكون أشد قسوةً وخطورةً من عضَّة الحيوان، فالفم البشري ممتلئ بعدد كبير من أنواع البكتيريا والكائنات الدقيقة الممرضة؛ وعلى ذلك، فإن عضَّة الآدمي للآدمي ينتج عنها، في الغالب، جرح ملوَّث؛ كما أن بعض العضَّات العنيفة يمكن أن تُحدث تشوُّهاتٍ في منطقة العضّ، أو بتراً للجزء المعضوض؛ وقد يعجب البعض إذا علم أن ثمة حوادث عضٍّ انتهت بموت الضحية!
والغريب، أن العضة الآدمية لم تلفت نظر الأطباء الأميركيين إلاّ حين فكّر طبيب، يعمل بالإدارة الصحية لمدينة نيويورك، في أن يضيف إلى إحصائياته السنوية، عن حوادث عض الحيوانات للآدميين، عموداً يرصد فيه حالات عض الآدميين للآدميين. وفي نهاية العام 1997،
فوجئ الطبيب بأن مجموع الحوادث في العمود المضاف إلى جداوله الإحصائية هو 892 حادثاً، نتج عنها جميعها تهتك بالجلد وإسالة لدماء الضحايا!!. وفى العام 2000، قفز الرقم إلى 1027 حالة عض، في مدينة نيويورك وحدها!. وقد جاوز هذا الرقم مجموع حوادث العض التي كان الطرف الجاني فيها غير آدمي، مثل الفئران والقطط والببغاوات؛ أمّا عضّة الكلب،فإن عدد حوادثها يفوق مجمل عدد حوادث العض لكل الحيوانات، بالإضافة للعضّات الآدمية.
وتتمثل خطورة هذه الإحصائية الأميركية في إشارتها الواضحة إلى أن ثلاثة آدميين كانوا يعضُّون ثلاثةً آخرين، في كل يوم، في مدينة واحدة، بصورة تجسّد جريمة اعتداء على النفس، قام الضحايا بإبلاغ السلطات عنها .. فماذا عن حالات العض التي وقعت بولاية نيويورك، ولم يتم الإبلاغ عنها؟! .. وماذا عن أخبار العض والعضاضين في سائر الولايات الأميركية؟!
ويعلِّق علماء الاجتماع والطب النفسي على هذه الظاهرة، فيرون أنها مظهر من مظاهر تفشّى العنف والجريمة في المجتمع الأميركي، ويتوقعون أن تكون موجودة، وربما بحجم أكبر، في مدن مثل فيلادلفيا وشيكاجو وهيوستون، حيث تنتشر الجريمة بمعدّلات أعلى. وفى محاولاتهم لدراسة ظاهرة العض الآدمي في نيويورك، اهتم العلماء بالإجابة عن بعض الأسئلة، منها : متى تكثر حوادث العض؟.. وأي الأجزاء من الجسم البشري يفضلها العضاض الآدمي؟.
واتضح لهم أن عضة الآدمي تشترك مع عضة الكلب في الانتشار الموسمي، فيتزايد عدد حوادث كل منهما في فصلى الربيع والصيف؛ كما وجد أن أكثر أجزاء الجسم عرضة للعض، اليد والأصابع والذراع والكتف، وفي حالات قليلة، يكون الوجه والرقبة هما المستهدفان؛ أما حالات العض في البطن والأطراف السفلي، فهي أقل حدوثاً. وأثبت التحليل الإحصائي أن ضحايا العضة الآدمية من الذكور أكثر من الإناث، بصفة عامة، فيما عدا المرحلتين العمريتين: من 10 إلى 20 سنة، ومن 55 إلى 60 سنة، فيكون العكس! . كما تشير إحصائيات العض الآدمي في مدينة نيويورك، أيضاً، إلى أن 75 % من الحالات كانت مرتبطة بالعنف والجريمة، بينما حدث الباقي أثناء المباريات الرياضية، سواء بين اللاعبين المتنافسين، أو بين المشجعين المتعصبين!.
وفي حوادث العنف، بعامة، يلجأ الجاني (لتحقيق غرضه)، وكذلك الضحية (دفاعاً عن النفس) إلى كل الوسائل والأسلحة المتاحة، بما فيها الأسنان، التي لا يجب الاستهانة بها، كسلاح في مجموعة أسلحة الدفاع الآدمي، التي تشمل القبضة والقدم، وقد تكون أقواها جميعاً، فهي أكثر حدةً، وتعدُّ (المينا) – المادة البنائية للأسنان – واحدة من أكثر المواد المعروفة صلابةً. إن إدراك هذه الحقيقة، حول قيمة الأسنان كسلاح مؤثر، جعل بعض قادة الجيش الأميركي يفكرون في إضافة (العض) إلى تدريبات جنود القوات الخاصة، في أعمال القتال التلاحمي!. ويقول أحد العلماء، مفسراً العض كسلوك آدمي، إن للناس أسبابهم المتباينة التي تجعلهم يضطرون إلى استخدام أسنانهم كسلاح. وقد لوحظ أن الذكور من الشباب، في السن من العشرين إلى الثلاثين، هم الأخطر والأشد عنفاً، ليس فقط في العض، ولكن في السلوكيات غير السوية، بصفة عامة، وأنهم يعضون بعضهم بعضاً، في معظم الحالات؛ بينما يعضُّ الأطفال والناشئة بعضهم بعضاً، كما يعضون الكبار أيضاً، أثناء اللهو، وعلى سبيل المداعبة!. ويرى جانب من العلماء أن سلوك الصغار في هذا المجال ليس إلاّ تمرينات تمهيدية لسلوكيات سيجربونها عندما يشتد عودهم، تماماً مثل شغف الأولاد باللعب بالمدافع، وميل البنات إلى الدمى، فثمة ميل غريزي عند الأولاد، ينمو معهم، وثمة تأصُّل طبيعي لغريزة الأمومة عند البنات .. هكذا تقوم الهرمونات بعملها!
ومن الشائع، أيضا، أن يلجأ الآدمي إلى العض إذا فقد الحيلة أمام خصم متمكن، يكيل له اللكمات، أو يقبض على رقبته، كما حدث مع نجم التلفاز والملاكم الأميركيين. ويتعرّض رجال الشرطة، أحياناً، لعض أصابعهم، في حملاتهم لفض الشغب؛ كما يتعرض أطباء الأمراض العقلية وأطباء الأسنان للعض من مرضاهم، مع اختلاف الدوافع في الحالين.
ويأتي دور أنصار التحليل النفسي، لتفسير الدوافع النفسية للعض الآدمي، فيصنفون الظاهرة على أنها نكوص إلى مرحلة من الطفولة، حيث يمثل الفم منفذاً لمشاعر الغضب والعنف؛ والمفروض أن يتخلى الطفل عن هذا السلوك بعد أن يصل عمره إلى سنتين، حين يعلمه أبواه أن العض سلوك مستهجن، فيلجأ إلى قبضتيه وقدميه، لكماً وركلاً!. غير أن معظم الناس يحتفظون بآثار أو درجات متفاوتة من تلك المرحلة الفمية؛ ومن هنا، فإن معظم البشر- إن لم يكن كلهم- لديهم الرغبة الكامنة في أن يعضوا.. وليراجع كل منّا تصرفاته، ليرى أنه – إن لم يعض غيره – يقرض أظافره، أو يعض طرف قلمه؛ كما أن الإنسان يعض في حالات خاصة جداً، فلا يبدو الأمر غريباً، بل قد يكون جزءاً من طقوس اعتيادية!.
ويرى خبراء الطب الشرعي في العضة قرينة دامغة، لها نفس قوة بصمات الأصابع، فأسنان البشر تختلف فيما بينهم، ولا يوجد اثنان لهما نفس سمات الأسنان .. وقد استخدمت بصمات الأسنان، فعلاً، في إدانة بعض المتهمين في جرائم قتل مقترنة بالعضِّ.
لقد كانت الأسنان أقدم سلاح عرفه الإنسان الأول، ولم يتخل عنه إلاّ بعد أن عرف غيره من الأسلحة: السيف، ثم البندقية، ثم الأسلحة المتطورة، ذات القوة التدميرية الرهيبة، والتي يبدو أنها لم تغنه تماماً عن سلاحه القديم! رجب سعد السيد ragabse@yahoo.com