هل حقاً الناس جياع في سوريا؟

لا شك أن ما ورد على لسان الرئيس السوري بشار الأسد في حديثه لشبكة "بي بي أس" الأميركية، بأن الناس في بلاده جياع ويعانون من الفقر، يشكل مفاجأة من العيار الثقيل ويثير الكثير من التساؤلات.. الرئيس الأسد اعتبر أيضاً أن الإصلاح في المجال الاقتصادي "لا يستطيع الانتظار، ويمكن للناس أن ينتظروا بالنسبة للمجالات الأخرى".
وليست المفاجأة هنا في أن الشعب السوري جائع ويعاني من الفقر، فهذا بات معروفاً للقاصي والداني، ولكن المفاجأة أن يأتي ذكر ذلك والاعتراف به من قمة هرم السلطة في سوريا، بعد أن كانت الغالبية الساحقة من المسؤولين السوريين ترفض مجرد البوح بمثل هذا الاعتراف الخطير.. خاصة أن العادة درجت في أحاديث وتصريحات المسؤولين السوريين على المكابرة وعدم الاعتراف بالحقائق الموجودة على أرض الواقع، سواء على صعيد الوضع المعيشي أو الأصعدة الأخرى.
وبما أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده.. فإن المواطن السوري ما زال يعاني الأمرين لتأمين نفقات منزله ومتطلبات أسرته الأساسية، ولو فكر مرة بشراء مسكن أو اقتناء سيارة فإن الأحلام تختلط بالكوابيس وقد يفقد عقله إن استمرت تلك الحالة أكثر من الوقت المخصص لها.. لأن الحلم بالسيارة يبقى محرماً في بلادنا ما بقيت الحكومة تفرض ضريبة رفاهية على من يود امتلاكها باعتبارها وسيلة ترفيه لا وسيلة نقل كما هي في غالبية دول العالم.
أما التفكير بامتلاك المسكن فهو غير وارد هذه الأيام وقد تحول إلى كابوس فعلي لأن أسعار العقارات اشتعلت، ويبدو أن الحكومة التي ما زالت تدرس "قانون الاستثمار العقاري" لم تعد قادرة على إطفائها دون تلقي المساعدة من تجار العقار ومحتكري صناعة البناء، أو من جهات أخرى من المستثمرين القادمين من الخارج في ظل هروب أموال الأثرياء من السوريين إلى الخارج.. وهنا لا بد من سؤال هذه الحكومة كيف تسعى لجذب استثمارات غير السوريين إذا كان السوريون أنفسهم يضعون أموالهم في بنوك أوروبية ويستثمرون أموالهم خارج سوريا..؟!
إن ما ورد على لسان الرئيس الأسد هو إقرار بواقع الحال بل هو الحقيقة بعينها.. ولكن ما فائدة مثل هذا الكلام في ظل استمرار النهج المتبع والخطط الخمسية المتوالية التي لم تنعكس بشيء ملموس على أرض الواقع، ولم تسفر عن تحسين الوضع المعيشي المتردي للمواطن وعن حل مشكلاته المتفاقمة يوماً بعد يوم.. وبماذا ينفع الاعتراف بالحقيقة إن لم تقدم الحكومة السورية على خطوات جدية وعملية لتغيير هذا الواقع المرير..؟!
المفارقة أن المسؤولين السوريين ما زالوا يعلنون في أكثر من مناسبة أن سوريا من أقل دول العالم مديونية وأن الاقتصاد السوري قوي وواعد.. وأن الليرة متماسكة ومحافظة على قيمتها الشرائية.. وأن المواطن هو الهم الأول والأخير بالنسبة إليهم.. إذا صح كل ذلك.. فلماذا يبقى هذا المواطن فقيراً جائعاً إذاً.. وما هي المشكلة بالضبط.. وأين مكمن الخلل في تلك المعادلة الغريبة العجيبة غير القابلة لأي حلّ.. ألا يحق لهذا المواطن المسكين أن يعرف..؟!
إذا سلمنا بأن الوضع الاقتصادي مرتبط بالمناخ الإقليمي والضغوط الأميركية والدولية، وقبلنا بأن المؤامرات الخارجية تعيق عملية الإصلاح، وآمنا بأن الضغوط على سوريا لم تتوقف يوماً بل تواصلت بوتائر متفاوتة.. فهل تكون المواجهة بمزيد من الانغلاق وكم الأفواه وقمع الرأي الآخر، واستمرار الاعتقالات في صفوف المعارضين للسياسات المتبعة، والضغط على كل من يرفع صوته ليقول نفس ما يردده الرئيس الأسد في كثير من الأحيان..؟!
صحيح أن الحالات غير الوطنية تشوش في الأزمات، ويجب التعامل معها بحزم ولكن هل من يبدي رأيه أو ينتقد وضعاً شاذاً من باب الحرص على مصلحة الوطن يشكل حالة غير وطنية ويخون ويكفر ويلعن..؟!
يبدو بوضوح أن هناك خلط مقصود أو غير مقصود بين الحالات غير الوطنية والحالات الأخرى المتمثلة بالمعارضة الداخلية التي يكفيها لإثبات وطنيتها أنها تتمسك بالإصلاح الشامل والتغيير الديمقراطي السلمي، وترفض الإستقواء بالأجنبي وركوب دباباته وقبول دولاراته، وتصر على الحوار مع النظام الذي يجيبها بكثير من صم الآذان ومزيد من القمع والاعتقالات.
إنّ الأجدى بالنظام السوري، إذا ما أراد حقاً مواجهة هذه الضغوط والتكيف مع ذاك المناخ، أن يعمل على اتخاذ تدابير وإجراءات فورية تقوم وتتمحور على مصلحة الوطن والمواطن، وتُدعّم بإشراك التيارات الوطنية كافة من خلال "قانون الأحزاب" المنتظر طرحه للاستفتاء، والذي يشكل خطوة أولى لا بديل عنها في دفع مسيرة الإصلاح السياسي.. وكفانا الحديث عن أولويات منفصلة عن بعضها لأن الأوضاع بمجملها أضحت أولوية.. الوضع الاقتصادي أولوية ويحتاج بالتأكيد إلى إصلاح ولكن ذلك لم ينجح حتى الآن.. والاستمرار في المراهنة على نجاحه بمعزل عن الإصلاحات الأخرى هو إضاعة لمزيد من الوقت.
لا يمكن لأي إصلاح أن يرى النور ما لم يأتي في إطار خطة إصلاح شامل على مختلف المستويات وفي المجالات كافة بما فيها المجال الأمني باعتباره الضمانة الأولى للاستقرار والنمو والازدهار، ولكن من غير المقبول أن يبقى الهاجس الأمني معشعشاً في عقولنا على الدوام، بشكل يعيقنا عن الانطلاق نحو حل المشاكل الأخرى المتزايدة والمتراكمة منذ عقود.. ولا يمكن أن يكون الأمن منفصلاً عن بقية المجالات بل على العكس تماماً إن الأمن يتعزز ويترسخ في ظل مناخ ديمقراطي حقيقي يتيح تداولاً سلمياً للسلطة وتنافساً عليها تحت سقف القانون والدستور.. "والله الموفـق". شادي جابر Shadi2000sa@yahoo.com