عن معنى تكريد اسمي رأس العين وعفرين

تعقيب على مقالة مناف جاسم في ميدل ايست اونلاين وعامودا.كوم. أشكرك على تضامنك مع نيل الأكراد لحقوقهم الثقافية والإدارية والسياسية في سوريا وأرجو ألاّ تخشى على المثقفين السوريين من أن يخدعهم المثقفون الكرد لسببين الأول أن المثقفين السوريين الحقيقيين ليسوا جهلاء بالواقع السوري رغم تحريض بعض الكتبة العنصريين من الأخوة العرب والعديد من الفضائيات والصحف الصفراء والتي لم تجد أفضل من الكرد لتفريغ كل أحقادها فيهم! والثاني أن المثقفين الكرد يحاولون وبشق النفس رد اتهامات هؤلاء عنهم. فالكرد متهمون دوما وكما حاولت أنت أيضا تارة بأنهم إسرائيل ثانية وتارة بأنهم خانوا صدام حسين لأنهم لم يدافعوا عن نظامه الإرهابي العنصري وهكذا الى ما لا نهاية!
وقبل مناقشة موضوع تعريب أسماء القرى والمدن الكردية سأبدأ من اتهامك للأكراد بأنهم يكرّدون أسماء المدن في الجزيرة السورية وأبدا بناء على رغبتك "برأس العين" كما بدأت وأنقل لك المعلومات من الكتب التاريخية واللقى الأثرية المكتشفة في جاغر بازار وتل الفخيرية وتل موزان وحسب علماء الآثار الغربيين. هذا مع أنك لم تحدد الى أي كتاب علينا الرجوع اليه لاثبات مدى التزوير الذي تمارسه بعض المواقع الكردية كما اتهمت!
ففي كتاب "الحوريون تاريخهم وحضارتهم" للكاتب "جرنوت فيلهلم" عضو اللجنة العلمية الآثارية في برلين سأسرد من الكتاب ما يريحك حتى لا تتوقع بأن مثقفينا وصلوا الى درجة غش الآخرين. ففي فترة حكم أشهر حكام مملكة ميتاني وهو الملك "شوستر" في الفترة التالية لحملات "تحوتمس" الثالث أي حوالي 1400 ق م يقول "لقد استطاع شوستر توحيد مملكة ميتاني المضطربة من جديد واحتل آشور وعقد تحالفا مع مصر كما فرض نفوذه على بلاد موكيش = ألالاخ الممتدة حتى البحر المتوسط وكذالك على أوغاريت أهم المدن التجارية وفي الشرق كان ملك أرّبخا =كركوك خاضعا لسلطته وبذلك فان مناطق نفوذه شملت كل المناطق الحضارية الناطقة باللغة الحورية.ويحمل ملوك المملكة الحورية التي نشأت في القرن السادس عشر ق.م وعرفت باسم مملكة ميتاني أسماء آرية من حيث أصلها واشتقاقها اللغوي."
كانت عاصمة شوستر هي مدينة "وشّو كاني" ويعتقد أن الاسم تطور الى "أشّو كاني" في العصر الآشوري الوسيط ثم الى "سي كاني".
ويوصف بأنه اسم مدينة تقع عند رأس نبع الخابور حيث تذكر كلمة "سي كاني" مرارا في نقوش العصر الآشوري الحديث 912- 612 وفي نقش مدون على تمثال بازلتي عثر عليه عام 1979 في موقع تل الفخيرية المجاور لمدينة رأس العين... "سي كاني = الينابيع الثلاثة "باللغة الكردية"
وهناك لوحة محفوظة في متحف اللوفر في باريس تعرف بـ "أسد أوركيش أو لوحة عامودا"وقد تسبب ذلك في خطأ شاع زمنا اعتمادا على كلام تجار آثار أكدوا أنها وجدت في تل شرمولا في عامودا لكن التنقيبات التي قام بها الانكليزي مالون وزوجته الكاتبة المعروفة آغاثا كريستي خلال 1935-1937 أكدت وجود أوركيش في تل موزان وهي لملك حوري اسمه "آري-شين"ويسمي نفسه في اللوحة ملك أوركيش وناجوار.
ولأنك مهتم بالتاريخ الآرامي سأنقل لك ما يذكره المؤرخ "ف. فون زودن" في كتابه "مدخل الى حضارات الشرق القديم"يقول : ظهرت بدءا من نحو 1300 ق م في بلاد الرافدين مجموعات بدوية سامية جديدة أقامت مستوطنات في وديان الأنهار أطلق الآشوريون عليهم اسم أخلام أي الغلمان=جماعة الشباب ثم اسم آرام = الآراميين وكانت هذه القبائل الآرامية التي قدمت حديثا الى المنطقة أولى البداة الذين استخدموا الجمال في جنوب غرب آسيا.
أمّا أولى الممالك الآرامية قد نشأت في سوريا حوالي 1000 ق م ثم دونت نقوشهم الكتابية بالخط الفينيقي بعد عام 850 ق م وسيطروا رويدا رويدا على كل المناطق السهلية والمدن الصغيرة في بابل!
لذلك ليس غريبا أن تكون سميت "ريش عينا" في فترة ما من قبل الآراميين وسمّيت "سري كاني"أي رأس النبع أو العين في فترة حكم الميديين الذين سيطروا على المنطقة بعد القضاء على الدولة الآشورية عام 612 ق م وفي فترة الحكم الأيوبي كانت بنفس الاسم وقد تكون سميت بأسماء أخرى كثيرة مثل الكثير من المدن في كل مكان في العالم خاصة وأنها مدينة ينابيع الخابور وكانت عاصمة لعدد من الممالك القديمة، ولن أذكر لك أسماء مدن أخرى حتى لا تتهمني بمحاولة تكريد جديدة! وما ذكرته ليس نفيا للآخر كما حاولت أنت بل إثبات لوجود موزاييك جميل من اثنيات وأديان في جزيرتنا الخضراء.
كل هذه التفاصيل ذكرتها لك كي تهدأ ولا حاجة لصيحة الرعب التي أطلقتها لأن الأكراد تحولوا الى محتلين ومحاولة تشبيههم بإسرائيل على طريقة خلفاء المرحوم ميشيل عفلق! فاذا كان أكراد العراق وبعد كل المآسي التي حلت بهم بقوا مصّرين على البقاء ضمن حدود الدولة العراقية فهل اذا طالب الكرد السوريون برفع الغبن عنهم يعني أنهم يريدون تفكيك وحدة سوريا التي يمثلون فيها القومية الثانية بل وجزءا هاما من الشعب السوري الى جانب اخوته العرب والسريان وباقي أطياف الشعب السوري.
فالأكراد صدقا لم يتقنوا فن الخداع بعد ولو أنهم أتقنوا ذلك لما خدعوا مرارا ممن يسمون بالأشقاء قبل الأعداء.
أم بالنسبة الى كرداغ أو عفرين كما تشاء فان ما ذكرته من أن الأكراد أتوا اليها في القرنين الماضيين هربا من الأتراك مردود لسبب بسيط وهو أن المنطقة كلها كانت تركية حتى 1920 فكيف تفسر ذلك!
أما هجرتهم من إيران فكانت قبل 6000 عام أي 4000 ق م بينما الآراميون وصلوا الى المنطقة حوالي 1500 ق م والعرب مع الإسلام بينما الأتراك حوالي 1000م. أما طلبك من الأكراد الاعتراف بغير الحقيقة مقابل أن تعطيهم حق اللجوء مثل الاخوة الأرمن الذين هربوا من المذابح فهذا ولتعذرني فهو محاولة عنصرية رخيصة لتزييف للتاريخ.
فحين قامت ألمانيا بمد خط سكة حديد برلين- بغداد عام 1912 وقسمت القرى الكردية الى شمال وجنوب الخط وبعد تطبيق معاهدة سايكس بيكو وأصبح خط سكة الحديد هي الحدود الجديدة وفصلت بين الأخ وأخيه وأفاق الناس ووجدوا بأن أحدهم أصبح سوريا بينما الآخر تركيا لم يصدقوا ذلك ولهذا ما زال كبار السن يسمون أكراد تركيا بسكان فوق الخط وهم يسمونا بأهل تحت الخط أي شمال وجنوب الخط وكانت المصيبة الأكبر حين زرعت تركيا الألغام الأرضية التي قتلت العشرات من الناس حين كانوا يريدون رؤية أهلهم الذين منعوا من زيارتهم على طرفي الخط الحديدي بسبب مرورهم فوق تلك الألغام.
اذا كنت من منطقة الجزيرة السورية لابد أنك سمعت بمعركة بياندور التي قتل فيها عدد من الجنود والضباط الفرنسيين المحتلين وكذلك العشرات من المدافعين الكرد والعرب وغيرهم من أبناء الجزيرة السورية ولابد أنك سمعت بالطائرات الفرنسية التي قصفت بلدة عامودا وقرى ديكية وتل حبش فهذه الحوادث لم يمض عليها سوى عشرات السنين.
لن أرد على أسلوبك الساخر حين تشكر الله بأن الأكراد لم يطالبوا بضم دمشق لأن فيها أكراد أيضا أعتقد أنك تعلم أن أكراد دمشق هم نوعان من المهاجرين قسم منهم من بقايا جيش صلاح الدين الأيوبي حين أخذهم معه الى الشام وفلسطين لتحريرها من الصليبيين والقسم الآخر هجروا من الفقر الذي أصابهم حين حرموا من أراضيهم ومصادر رزقهم وسحبت بطاقة الجنسية منهم فتحولوا الى العاصمة علهم يجدون قوت يومهم هناك بعد أن حرموا من الحياة الكريمة في منطقتهم,هل سمعت بذلك؟
ان رفض الأكراد لتعريب أسماء القرى الكردية هو رفض للأفكار العنصرية التي فرضت عليهم.
وكما قلت لك فالأسماء تغيرت عبر التاريخ ولكن التاريخ والحقائق تبقى مهما حاول البعض طمسها. حسين عيسو hussein_issa@maktoob.com