من وحي المتنبي وبحر المقتضَب للشاعر رجا القحطاني

بقلم: أحمد فضل شبلول
الخيل والليل والبيداء

أي قارئ دارس لعلم العروض، سيتوقف طويلا أمام قصيدة "فارس الجزيرة العربية" بديوان "من وحي المتنبي" للشاعر الكويتي رجا محمد القحطاني (ص ص 99 ـ 102) ليس لأن وزنها جاء من أحد البحور الشعرية المهملة، وهو بحر المقتضَب، ولكن لأن الشاعر أضاف وتدًا مجموعًا (فعو ـ ـ 5) إلى التفعيلة الثانية (مستفعلن أو أحد مشتقاتها من: متفعلن ومستعلن) على أصل بحر المقتضب الذي هو: مفعولاتُ مستفعلنْ *** مفعولاتُ مستفعلنْ ويجوز دخول الطي (حذف الرابع الساكن) على تفعيلة مفعولاتُ (بتحريك التاء) فتصبح مفعلاتُ، وتتحول إلى ـ أو تنطق ـ (فاعلاتُ) بتحريك التاء. كما يجوز دخول الخبن (حذف الثاني الساكن) على التفعيلة مستفعلن، فتصبح متفعلن، وأيضا الطي (حذف الرابع الساكن) فتصبح مُسْتَعِلُن.
وهو ما استخدمه شاعرنا القحطاني بنجاح في قصيدته المشار إليها.
ومن أشهر الأمثلة الشعرية على المقتضَب، قصيدة الحصري القيرواني: حاملُ الهوى تعبُ *** يستخفُّه الطربُ
إن بكى يحقُّ له *** ليس ما به لعبُ
فاعلاتُ مستعلن *** فاعلاتُ مستعلن
فاعلاتُ مستعلن *** فاعلاتُ مستعلن
والتي عارضها أحمد شوقي، فقال: حفَّ كأسها الحببُ *** فهي فضةٌ ذهبُ
فاعلاتُ مستعلن *** فاعلاتُ مستعلن
أما الشاعر رجا القحطاني، فيقول: جئتُ ها هنا ليلةَ السمرْ
أعزفُ الهوى طاهرَ الوترْ
وهنا نلاحظ أن تفعيلات مقتضَب القحطاني، جاءت على النحو التالي: فاعلاتُ مستفعلن فعو
فاعلاتُ مستفعلن فعو
بزيادة وتد مجموع ـ ـ 5 (فعو) على أصل بحر المقتضب.
وهذا يدل على روح التجريب العروضي لدى شاعرنا رجا القحطاني، الذي على الرغم من تمكنه العروضي (في العمودي والتفعيلي) فإنه كتب قصيدتين مما يمكن أن نطلق عليه "قصيدة النثر" هما: آمنة بلا أمان، ورسالة.
وحقيقة لم أدر ما هو الدافع الفني الذي دفع القحطاني لكتابة هاتين القصيدتين على هذا النسق النثري؟ هل لإثبات أنه يستطيع أن يفعل ذلك؟ أم أن هناك ضرورة فنية فرضت نفسها عليه أثناء عملية الإبداع، فنثرَ القول، وقال على سبيل المثال في قصيدة "رسالة" ص 121: ها هو الليل أسدل ستائره
وقتلت الضوضاء نفسها
والتقطت النجوم أنفاسها
وتوشح القمر رداءه الفضي
وها أنا
أقلب القلم بين أناملي
هذا الصديق الذي طالما
حمل مشاعري المتناثرة
إلى حضن الورقة البيضاء
.. الخ ..؟
عدا ذلك جاءت كل قصائد ديوان "من وحي المتنبي"، وعددها ست وأربعين قصيدة، من الشكلين: العمودي، والتفعيلي، وإن تفوق العمودي، بنسبة أكثر من ستة أضعاف، فبلغ عدد قصائده ثمان وثلاثين قصيدة (أغلبها من الكامل، ثم البسيط، وأقلها من الطويل)، بينما بلغ عدد قصائد التفعيلي ست قصائد فقط (أغلبها من تفعيلة الكامل متفاعلن).
***
ولعلنا نستطيع أن نقسم قصائد الديوان إلى أقسام عدة، منها ما كتبه في الكويت، أو عن الكويت مفاخرًا، مثل قصيدته "الكويت أحدوثة البحر" (ص 7) التي يقول فيها: لي أن أفاخر بالكويت مآثرا
تشتاق بعض علوها الجوزاءُ
جلٌّ مكارمُها؛ ضئيلٌ حجمُها
رغم الضآلة لا تعاب ذُكاءُ
وذُكاء (بالضم): اسم من أسماء الشمس. أو كما يقول لسان العرب هو اسم الشمس، معرفة لا ينصرف، ولا تدخلها الألف واللام. نقول: هذه ذُكاء طالعة، وهي مشتقة من ذكت النار تذكو، ويقال للصبح: ابن ذُكاء، لأنه من ضوئها، ومن الأمثلة الشعرية: فَوَرَدَتْ قبل انبلاجِ الفجرِ
وابنُ ذُكاءٍ كامنٍ في كفْرِ
وإلى جانب القصيدة السابقة، هناك قصيدة "لن يرهبوا الكويت" (ص 16) التي يقول فيها الشاعر رجا القحطاني: كويتُ المنى فيضُ أحدوثة
صدى العزِّ ينقشُ عنوانها
كأنَّ السفائنَ تطوي البحار
مضيًا لتلثمَ شطآنها
والشاعر حينما يتغنى بالكويت، فإنه يتغنى بالوطن والعروبة والأرض والأهل والحب والوفاء والخلان، يتغنى بالقيم النبيلة والأصيلة المترسخة في أعماق الإنسان العربي الذي نشأ وترعرع على أرض شطآن الخليج. وهو ما يقودنا إلى قصيدة أخرى بعنوان "ألق الإباء" (ص 19) يقول في مطلعها: وطني رحابة بحره الشرفُ
وطني صلابة بره الأنفُ
يسبي الورى من حسنه طرفٌ
ويثير من إحسانه طرفُ
***
ومن الكويت إلى الهم العربي، لنلاحظ قسما آخر من القصائد عن القدس، كانت درته قصيدة "واقدساه" (ص 25) التي يقول في مطلعها: أهناك غبن عربدت حمَّاهُ
أقسى من الغبن الذي نحياه
أهناك عارٌ قد تجاوز عاتيا
أعتى من العار الذي نلقاه؟
وتبلغ القصيدة ذروتها، أو لحظة تنويرها ـ على حد تعبير أهل القصة ـ في قول الشاعر: يا أمة العرب انهضي من رقدةٍ
كهفيةٍ، بلغ الهوان مداه
حتَّام إسرائيل تقتل أهلنا
والشجب لا عملٌ لنا إلاهو
ويمثل هذان البيتان مركز قصائد هذه المجموعة، أو هذا القسم من القصائد التي منها: قومية الكلام، وطال الرحيل التي ينهيها بقوله (ص38): صاح طال الرحيلُ والقدس يشكو
قبضة الأسر .. صاح طال الرحيلُ
ولأن الرحيل قد طال على هذا النحو الذي نراه في واقعنا المعاصر، وترجمت له هذه القصيدة، فلم يجد الشاعر سوى اللجوء إلى خير خلق الله كلهم، النبي محمد صلى الله عليه وسلم، منقذ البشرية في قصيدة تفعيلية (من تفعيلات الرمل: فاعلاتن) بعنوان "منقذ البشرية" (ص 39) يقول فيها: جئت بشرى
رحمةً تمحو قلاع الظلم كبرى
تنقذ العالمَ من رقدته
في أحابيل الخطايا
في أضاليل الحكايا
نحو دينٍ ينسج الأرواح طهرا
***
وتبرز وسط مجموعات قصائد الديوان، القصيدة التي عنون بها الشاعر ديوانه باسمها "من وحي المتنبي" (ص 48) التي يقول في مطلعها: سأرثيك رغم مضي القرون
لأذهب شيئا ـ أبا الطيبِ
وماذا سيجدي انهمار الدموع
على روح أجلى بني يعرب
ولعل القارئ يتساءل: ولماذا المتنبي من بين آلاف الشعراء العرب؟
وتأتي الإجابة بقلم الشاعر (ص 3) فيقول: "القريبون مني يعلمون مدى عشقي لشعر أبي الطيب المتنبي ذلك الشاعر العظيم، وإعجابي الشديد بشخصيته "الكاريزمية" بكل ما يكتنفها من ثورة وطموح ورحيل ومغامرة وحكمة وآمال لم تتحقق، لا أظن أني أحتاج إلى إجراء استبيان كي أؤكد أن المتنبي في طليعة، إن لم يكن، أول اسم يلمع في ذاكرة الأجيال جيلا بعد آخر. منذ أن تلمست أبجديات الشعر والمتنبي شاعري الأول، أعود إلى ديوانه مرات ومرات، وفي كل قراءة أجده متجددا ومتوقدا بأغوار النفس وفلسفة الحياة.
كثر هم عشاق هذا الشاعر الأسطوري، إلا أنني تشرفت بتسمية كتابي البسيط باسم المتنبي تقديرا ومحبة لشاعر حظي بالنصيب الأكبر من اهتمام النقاد والباحثين على مدى العصور..".
***
ثم يحلق قارئ الديوان في مجموعة من القصائد الإنسانية العامة يبدؤها الشاعر بقصيدة عن الأم، ثم قصيدة إنسانية أخرى صورت مأساة إحدى الفتيات، وقد تجلى في تلك القصيدة الحس القصصي للشاعر، فالقصيدة عبارة عن قصة شعرية عن فتاة زوجوها ـ غصبًا ـ من شيخ في عمر جدها، أو من رجل معمر في مقام جدها، فكان بيتها بيت تعاسة، فحاولت الانتحار، ولكن أراد الله لها عمرا، فلم تفلح المحاولة.
وقد استطاع الشاعر إبراز بعض العناصر الجمالية مثل الأضداد من خلال بعض الصور الشعرية المعبرة والمتساوقة مع الحدث، مثل قوله (ص 60):
وفي اللحية (البيضا) سوادُ حياتها
وفي القامة العوجاء كيف اختفى العدلُ
***
وإذا كان الشاعر نزار قباني، تحدث في بعض قصائده عن الفتاة التي تدخن السيجارة، فقال في قصيدة "المدخنة الجميلة" بديوان "قصائد": حارقة التبغ اهدأي فالدجى
من هول ما أحرقتِ إعصارُ
إلى أن يقول: تلك اللفافات التي أُفنيتْ
خواطرٌ تُفنى وأفكارُ
إن أطفأتها الريحُ لا تقلقي
أنا لها الكبريت والنارُ
أو تحدث عن التي تحب من يدخن السيجارة، فقال في قصيدة "صديقتي وسجائرها" بديوان "حبيبتي": أشعلْ واحدةً من أخرى
أشعلْها من جمر عيوني
ورمادُك ضعه على كفي
نيرانك ليست تؤذيني
فإن رجا القحطاني يتوقف طويلا في قصيدته "الحسناء والسيجارة" (ص 62) عند هذه الظاهرة المجتمعية، فيعطي لنا أنموذجا آخر، أو أنموذجا مضادًا أو مغايرًا، للحسناء المدخنة التي اعتلَّ صوتها، وزادت حشرجاته، وازدادت وجنتاها سمرة، فخسرت من جمالها لمحات، ليس من الصعب تعويضها إذا توقفت عن التدخين: كيف يعتلُّ صوتها حشرجات
كيف تزدادُ وجنتاها سمارة
خسرتْ من جمالها لمحاتٍ
ليس صعبا تعويض تلك الخسارة
وتأسيسا على ذلك يرفض الأنثى الجميلة واللطيفة التي تعتريها متاعب السيجارة، على عكس شخص قصيدة نزار قباني الذي يشجع حبيبته على التدخين، بل لديه استعداد لأن يكون الكبريت والنار التي تشعل سيجارتها.
***
وإذا كان عبد الله بن المقفع قد فتح الباب على مصراعيه للأدباء والشعراء، ليتحدثوا على ألسنة الطير والحيوان، عندما ترجم من الفارسية "حكايات كلية ودمنة" للفيلسوف الهندي بيدبا، فإن الشاعر القحطاني، يستثمر هذا الجانب التراثي أيضا، ويكتب قصيدته "حوار في الغابة" التي يقول في مطلعها (ص 90): أقبل الثعلب يشكو للأسد
مستفيض الغيظ مملوء الكمد
لبس الضعف قناعا وارتمى
وتباكى بدموع المضطهد
ولعل هذا التوجه يصلح للأطفال، أكثر منه للكبار، حيث استخلاص العبرة والعظة، التي تفيد الأطفال في مقتبل حياتهم، ومن هنا فإننا نميل إلى تصنيف تلك الحكاية الحوارية من حكايات القحطاني على أنها من الشعر المكتوب للأطفال، وفي هذا نتذكر أن أدب الأطفال في العصر الحديث نشأ في حضن الحكايات على ألسنة الحيوانات والطيور، واعتبرت حكايات كليلة ودمنة، وخرافات إيسوب اليوناني، وحكم وأمثال لقمان الحكيم من المصادر الأساسية لأدب الأطفال سواء في الغرب أم في الشرق.
وقد لاحظ المتخصصون في أدب الأطفال، أنه عندما أراد الأديب الفرنسي لافونتين ( 1620 ـ 1696 ) كتابة أدب متخصص للأطفال اعتمد على هذه المصادر اعتمادا أساسيًّا.
ومن خلال قراءة مثل هذه القصيدة للقحطاني نلاحظ أن أسده كان حكيما، ولم يستطع الثعلب خداعه عندما طلب منه ألا يساويه بأخلاط البلد، أو أخلاط الغابة. لقد ذكر الأسد أمثلة لحيوانات الغابة وحشراتها وأنهارها التي تعمل وتكد وتكدح وتفيد الآخرين، كي تحصل على قوت يومها، أو تعطي شرعية لوجودها وفائدتها ضمن منظومة الكون الكبرى. وفي هذا يقول الشاعر على لسان الأسد: هذه النحلة تسعى جهدها
دون لغو حيث تأتي بالشهد
ها هو البلبل أوهى طائرٍ
يخرس الأطيار بالصوت الغرد
والغدير العذب يسقي هادئا
هل أفاد البحر في قذف الزبد؟
ويستطيع قارئ هذه القصيدة سواء من الصغار أو الكبار، أن يستقطر الحكمة أو القيمة التي يحض عليها الشاعر، وهي قيمة العمل، وقيمة التواضع التي تكسب صاحبها الاحترام والتقدير: فتواضع وتخلَّص من "أنا"
لست في أدنى ولا أقصى العدد
بل إن الأسد يحاول تشجيع الثعلب على العمل مع بقية الفريق، ويحاول أن يحببه في تلك القيمة، فيقول له مشجعا: أنت تحوي قدرة نحتاجها
وسواها قدرات تُعتمد
***
هذه هي بعض المحاور التي دارت حولها قصائد الشاعر الكويتي رجا محمد القحطاني في ديوانه "من وحي المتنبي" استطاع من خلالها أن يتفاعل مع الحياة من حوله، وأن يؤرخ أيضا لبعض الأحداث المهمة التي وقعت في منطقتنا العربية في العقود الأخيرة، ومنها غزو الكويت، ثم تحريرها، أيضا اتضح لنا بجلاء تفاعل الشاعر مع الحياة في بعض البلدان العربية، ومنها المملكة العربية السعودية، التي كتب فيها تجربته العروضية من بحر المقتضَب، فكانت عن فارسها الملك عبد العزيز آل سعود "فارس الجزيرة العربية". أحمد فضل شبلول ـ الكويت