بضع تمرات تكفي ولكن، هل هذا هو حقاً ما نريد؟

بعد أن أوشكت على اليأس والقنوط من الحالة التي وصلنا إليها نحن العرب والمسلمين من سوء التقدير وعدم التبصر في العواقب، أعادت الى أحداث الأيام الأخيرة بعض الثقة في قدرتنا على التحليل. فها نحن قد اخترنا، دون دول العالم التي ساهمت بالاساءة إلينا عبر التاريخ، دولة صغيرة معروف عنها انتاج الجبن والزُبْد، يكاد ذكرها يغيب عند الحديث عن السياسة وشؤون الحرب، لننقضّ عليها ونعاقبها بسلاح المقاطعة، فنعلن التوقف عن استهلاك منتوجاتها.
لم أجد العرب والمسلمين متحدين كما هم عليه الآن، وهذا ليس بالأمر المستغرب، فالاساءة التي لحقت بمشاعرهم كبيرة، خاصة وأنها أتت بعد تلقي سيل من الإساءات التي وجهها إليهم مشاغبون كبار على مدى سنوات عديدة.
بدأت القصة عندما أراد مؤلف أطفال دنماركي أن يضع على غلاف كتاب جديد له صورة للنبي محمد، ورفض رسام الكاريكاتير المكلف باعداد الغلاف رسم هذه الصورة، فقرر المؤلف إقامة مسابقة لرسم الرسول، حيث تقدم لها 12 رساماً أرسلوا 12رسماً اعتبرها المسلمون إهانة لمشاعرهم. وقد التقطت صحيفة يمينية دنماركية هذه الرسوم ونشرتها رغم احتجاج مسلمي الدنمارك البالغ عددهم 200 ألف على قرار النشر ورفعهم مذكرة الى الحكومة الدنماركية يطلبون منها التدخل لوقف النشر، إلآّ أنّ الحكومة رفضت مطلبهم بذريعة "حرية التعبير".
***
مرّ على هذا الحدث أكثر من خمسة أشهر، فلماذا أختير له التصعيد الآن؟
لمعرفة الجواب دعونا نبدأ بالاجابة على أول سؤال يخطر بذهن محقق مبتدئ عند محاولة فك طلاسم أية جريمة، ونعني به السؤال الكلاسيكي: من هو المستفيد من كل ما يحدث؟
من بين الدول الغربية سارعت أميركا الى إبداء تفهمها لمشاعر المسلمين وما لحق بهم من أذي، فانبري الرئيس السابق كلينتون، في دفاع غير مسبوق، موجهاً نقداً لاذعاً لما أسماه تعليقات وأحكاماً يسمح بعض المسؤولين في أوروبا لنفسه باطلاقها حول معتقدات وآراء الآخرين، معتبراً أنها من القسوة ما يدفع المرء الى التقزز. ولم يقتصر الأمر على ملاحظات رئيس متقاعد، بل انبري الرئيس الحالي بوش، الذي أعلن منذ خمس سنوات إنطلاق حربه الصليبية، للدفاع هو الآخر عن مشاعر المسلمين.
تعاطف جميل لم نألفه من مسؤول أميركي في السابق. فما بالك عندما يصدر عن رئيسين!
لقد اعتدنا أن نفكر أنّ هناك مؤامرة تحاك للايقاع بنا عندما تجري الرياح ضد رغباتنا، وتأخذنا النشوة عندما تجري الأمور كما نشتهي.
هكذا نحن في الشرق. أماّ في الغرب فإن الشك يستحوذ على العقول عندما تسير الأمور بشكل أفضل مما هو متوقع، ومن هنا كان قولهم "بلغ الأمر حداً من الجودة ما يصعب معه أن يكون حقيقة"!
لقد صدقنا في الماضي بسهولة أنّ نابليون حامٍ للاسلام والعروبة، واطلقنا على هتلر لقب الـ"حاج"، ولن أستغرب أن نسبغ اللقب نفسه على السيد بوش ونطلب بركاته.
كل هذا يدفعني الى لقول أنّ المستفيد الوحيد من المواجهة الحالية هو أميركا!
فالمواجهة والقطيعة بين العرب والمسلمين من جهة وبين الدول الأوروبية من جهة أخري تخدم المصالح الأميركية. وتدهور هذه العلاقات سيفتح الطريق واسعاً لواشنطن للانفراد بأسواقنا وبترولنا.
***
كان حريّاً بنا أن نواجه الاساءات التي تصدر عن أميركا ضدّ الاسلام والمسلمين، والتي لا تقتصر على أفلام هوليود والكتب والأغاني والرسوم، بل هي صفة تتسم بها الممارسة السياسية اليومية، قبل أن ينصبّ غضبنا كله ضد الدولة التي لا يعرف عنها إلاّ إنتاج الجبن والزبد.
ولكن، مهلاً، لا تعتقدوا أنني أدعو الى مقاطعة البضائع الأميركية، فنحن أعجز من أن نتخذ قراراً مثل هذا.
الولايات المتحدة لا تنتج البرغر والبيتزا والكوكاكولا والبيبسي فقط، ونحن إن استطعنا مقاطعة مثل هذه المنتجات، كيف لنا أن نقاطع تكنولوجيا السلاح والطيران وأجهزة الاتصال وبرامج المعلوماتية وتكنولوجيا الوراثة وتطبيقاتها، وكيف لنا أن نقاطع الانتاج الثقافي والمعرفي الضخم للولايات المتحدة.
لقد ربح الغرب المعركة منذ زمن طويل بالتركيز على التعليم والتكنولوجيا المتقدمة. إن امتلاكنا للبترول، الفضيلة الوحيدة التي تميزنا، لا يعني امتلاكنا للعالم. الاقتصاد الأميركي لن ينهار بسبب المشروبات الغازية أو بسبب التوقف عن التهام البرغر والبيتزا.
شعار المقاطعة بالٍ وقديم، رفعه في الماضي بعض الحكام لدغدغة عواطف شعوبهم. العرب أحوج الى الغرب من حاجة الغرب إليهم، فنحن لا نستطيع الاستغناء عن انجازاتهم، بينما في وسعهم الاستغناء عن منجزاتنا. إذا حدث واستغني الأميركيون عن المادة الوحيدة التي ننتجها (عفوا، أقصد التي وهبها الله لنا) كيف سيكون حالنا؟
نعم، نستطيع أن نعلن مقاطعة الغرب، تماماً مثلما أعلن عليه المقاطعة بن لادن والزرقاوي. الأول، باللجوء الى كهوف تورا بورا. والثاني، بالاختفاء في فيافي الرمادي. عندها تكفينا بضع تمرات وشربة حليب وليذهب الى الجحيم زبد الدنمارك وجبنها.
ولكن، هل هذا هو حقاً ما نريد؟! علي قاسم