اعترافات صحافي... 'عميل للامريكان'

بقلم: علي الصراف

- لا تقول شيئا عن "المحافظين الجدد" الا ويلصقون ما تقوله بأمريكا كلها. وكأنه لا أحد هناك غيرهم. ولكنك تعرف -قال متحمسا- امريكا نعوم شومسكي ليست كامريكا دونالد رامسفيلد. ومع ذلك فانهم مثل "عراق صدام حسين" ينظرون الى امريكا على انها ملكهم وحدهم، وهم يُسخّرونها، بل ويسخرون منها، لخدمة أتفه مصالحهم الشخصية ولخدمة نزعاتهم الايديولوجية المتطرفة.
- ولكنك صرت واحداً من أتباعهم. كل ظني هو انك وقد اصبحت رئيسا لتحرير جريدة يمولها الاحتلال قد تحولت الى واحد من إمّعاتهم، وتريدني اليوم ان اصدق ما تقول. ولطالما كنت أسأل نفسي: أمعقول هذا الذي تفعله؟ أهو انت؟ لقد دمرت صداقتنا، يا ابن الحرام انت. كيف انقلبتَ كل هذا الانقلاب؟ كيف جاز لك ان تمد يديك اليهم؟ أتريد شهرةً ام مالاً؟ ألم تكن انت الذي يقول "ان شرف الانسان كنزه الذي لا يفني". يا خسارة. انت تذكر كم مرة تعرضت حياتنا للخطر. كان يمكن لنا ان نموت، انا وانت، بواحدة من تلك المواجهات الدونكيشوتية المسلحة في كردستان، عندما كنا "مناضلين" ضد الدكتاتورية. لماذا كنا نفعل ذلك؟ ألاننا كنا حمقى، ام لانه كان لدينا شرف وقيم وطنية نريد الدفاع عنها؟ لعشرات المرات كان بيننا وبين الموت شعرة واحدة. وكنت تسخر، بعد كل نجاة، قائلا "والله لو كان بيني وبين الموت شعرة معاوية، لما قطعتها". وها انت الآن تقطع الشعرة مع نفسك ذاتها. كيف حصل ذلك كله؟.
سمع كلماتي وكانت ابتسامة خبيثة باديةً على وجهه. قلت بنبرة غضب واضحة: إحكِ. رد. لعنةُ الله عليك. لماذا تضحك؟ فاندلعت ضحكته، كما لو انه كان يحبسها في طنجرة ضغط. كان يمكن لقهقهاته ان تكون مسموعة على بعد أميال.
***
- اسمع، قال، هل سبق لك ان ذهبت الى الاردن؟
- لا، لم يحصل لي الشرف بعد.
-للأردنيين مثل شعبي لم أسمع بمثله في أي مكان آخر، وهو من قوة الحكمة بما يغني عن الكثير، ويقول: "شارك الخـ....، إخسر وخسّره". وانا واحد من شركاء "المحافظين الجدد". او كما قلت "واحد من اتباعهم". تعال وشوف. هل كان يمكن لأي أحد ان يتوقع خسارة كالخسارة التي تكبدوها في العراق. لا أزعم اننا، نحن عملاء الاحتلال -الوطنيين- كنا نخطط لهذا الأمر سلفا. كل ما في الأمر، كان تصورنا هو انه لن يمكننا بأي حال من الاحوال تغيير النظام السابق من دون قوة عسكرية قاهرة. وشيئا فشيئا، غرقنا. هم الذين كانوا يخططون. وكانوا يبحثون عن مطايا. وكل ما فعلناه في البداية هو اننا كنا نقول لهم ما يرغبون بسماعه. فصدقوا. ولكن هل تعرف كيف صاروا يعاملوننا. الخرفان كان يمكن ان تلقي معاملة أفضل. جاءوا الى العراق وهم يعتقدون انه صار اقطاعية من اقطاعياتهم السابقة في امريكا اللاتينية. قلنا لهم، هذا عراق، وليس بوليفيا، انه بلد حضارة تمتد لسبعة آلاف عام. البلد الذي وضع حروف الابجدية وأول قواعد الحساب والارقام والفلك وخرائط البحار، وهو بلد الخلافة العباسية.... ولكنهم لم يصغوا لأحد؟ هل تعرف لماذا كان بول بريمر يرتدي ملابسَ مدنية وحذاءً عسكرياً؟ بوضوح كان يقول لنا: انا حاكم مدني. ولكن نحن هنا من يقرر بقوة هذا الحذاء. فماذا كنت تريدنا ان نفعل بعد ان "وقع الفأس بالرأس"؟ الكثيرون اختاروا العودة الى المنفى. البعض الآخر وجد نفسه متعاطفا مع المقاومة ان لم يساعدها مباشرة. ولكن هناك من آثر البقاء حيث هو، أي في موقع "العمالة" انما بنوايا وطنية. وبالاستعانة بحكمة الاردنيين، فقد كنت واحدا ممن قرروا مشاركة "الخـ...". ولئن خسرنا فمن اجل ان نخسر معا. هذه هي كل القصة، يا ساذج انت. الحياة معقدة. ولكنك ما تزال على حماقاتك القديمة. لم تتغير. "لقد جرت في النهر مياه كثيرة" وما تزال تسبح ضد التيار بحثاً عن مياه نقية.
***
- أهذه هي استراتيجيتك الجديدة؟ أنت احمق فعلا. أتظن انك، وجماعتك من "الوطنيين العملاء"، كما تسميهم، تستطيع ان تضحك على كل أولئك الخبراء والمخططين الاستراتيجيين الذي يعجون ويضجون، مثل الجرذان، في كل ثقب من ثقوب البنتاغون؟
-أي خبراء؟ وأي بطيخ؟ هل تحسب ان خرقة الممسحة كوندليزا رايس خبيرة بأي شيء؟ المسألة، يا صديقي، أبسط كثيرا مما تصور. عندما كنا ما نزال شيوعيين ومشردين في بيروت، هل تذكر ماذا كان يقول لنا صديقنا وليد جمعة، لا فُضّ فوه؟
- لا، لا أذكر، فقد كان يقول الكثير. واحسبه ما يزال يهذي.
- كان يقول انتم الشيوعيين ترتدون "حنكيرة"، وكان يقصد قطعة الجلد التي توضع على رأس الحمار لتجعله لا ينظر الا في اتجاه واحد. لقد اقتضي الامر منك ومني عدة سنوات فيما بعد لندرك اننا كنا نرتدي تلك "الحنكيرة" بالفعل. فاستقلنا والحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.
- ها، الآن، صرت ابن لادن آخر. يا فاسد.
فضحك ثانية.
- لا. ولكن، ...
- -قاطعته- قل لي "شنو الربّاط" -ما هو الرابط بين هذا وذاك؟
- الخبراء الذين تتحدث عنهم، يرتدون "حنكيرة". انهم حمير انفسهم. لا يرون، ولا يريدون أن يروا أي شيء غير ما تقوله لهم أوهامهم الايديولوجية. ومع ذلك فالنتائج خير برهان. تعال وشوف. كل يوم يقتل منهم 4 الى 5 جنود. اما الجرحى فحدث ولا حرج. ثلاثة أرباعهم عادوا الى أمريكا من دون رجل او يد او حتى من دون... هل تعرف لماذا يمارسون التعذيب بوحشية؟ لانهم صاروا متوترين الى درجة الجنون. ولا يعرفون ماذا يفعلون. جاءوا وهم مقتنعين ان العراقيين سوف ينثرون عليهم الزهور. ولكن إخوانك العراقيين لم يقصروا في الرد على جرائمهم اليومية. في البدء كنا، أنا وكثيرين، نعتقد انها مجرد أخطاء من عواقب كل حرب، ولكن بالطريقة التي عوملنا بها نحن -عملاؤهم- كان واضحا انهم يريدون إذلالنا واحتلالنا بالمعنى الحرفي للكلمة، اي كما يحتل الاسرائيليون الاراضي الفلسطينية، بل أسوأ. هل تعرف لماذا استقال محسن عبد الحميد زعيم الحزب الاسلامي الذي كان عضوا في مجلس الحكم تحت قيادة بريمر؟ هل تريد "عميلا" أفضل من هذا؟ ولكن دعني أقول لك لماذا استقال. فعلى أساس بعض الشبهات، اقتحمت دورية امريكية منزله، وألقاه الجنود على الأرض، ووضع ضابط حذاءه فوق رأسه لمدة 20 دقيقة أمام زوجته وأطفاله. لا تنس. هذا الرجل كان يمكن ان يصبح رئيسا للعراق. ولكنه رضي من الغنيمة بالإياب، قائلا: "كفاها الله". وهم فعلوا أشياء مماثلة كثيرة بآخرين. فماذا كنت تريدنا ان نفعل؟
في البدء اعتقدوا انهم، بعزل السنة، يكسبون "الاغلبية الشيعية". ولكنهم خسروا السنة ولم يكسبوا الشيعة. فانتهوا خاسرين من الجانبين. لم يدركوا ابدا الثقافة العشائرية العراقية القائلة "انا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب". انت تعرف، الشيعة حاربوا مع السنة ضد الايرانيين. ولكنهم لن يحاربوا مع الامريكيين ضد الايرانيين. العكس هو ما سيحصل. وأكثر من أي وقت مضى، يدرك الامريكيون اليوم، كم انهم مكروهين. ولكنهم لا يعرفون لماذا. وحتى اذا عرفوا فانهم لا يريدون ان يصدقوا، بسبب "الحنكيرة" التي يضعونها على رؤوسهم. والمؤسف انه لن يمضي وقت طويل حتى يفروا.
- واذا فعلوا ذلك، فان استراتيجيتكم السخيفة هذه سوف تنتهي.
- ليس بالضرورة. سوف نحاول اقناعهم بالبقاء في العراق، بزعم ان الحكومة العراقية غير قادرة على حماية نفسها. وحيث انهم يتحدثون اليوم عن "الخطر الايراني"، فاعتقد انه من المناسب تماما تشجيعهم للتورط في حرب ضد ايران. الآن الآن وليس غدا. وسنقول لهم ان ابن لادن يتعاون مع النظام السوري، وانه الممكن ان يذهبوا لكسب "قلوب وعقول السوريين" وخاصة في سجن المزة، كما كسبوا قلوب وعقول العراقيين في سجن ابو غريب. ثم لا تنس حكاية الديمقراطية. هل لاحظت؟ قالوا ديمقراطية، فجئنا لهم بالاخوان المسلمين في مصر. وقالوا ديمقراطية، فزدنا على هذا بفوز حركة "حماس". ولن يمضي وقت طويل قبل ان يكسب ابن لادن السلطة في أول انتخابات ديمقراطية في الخليج، وسيعود طالبان الى حكم افغانستان. وكل هذا بسبب "الحنكيرة". لا أحد يستطيع ان يهزم أمريكا أفضل من أمريكا نفسها. لهذا السبب، يجب ان نشجعهم على البقاء، وليس الرحيل. ليس من مصلحة المستقبل ان ترحل قوة البلطجة الدولية قبل ان تُهزم نفسها بنفسها. والسبيل الوحيد لذلك هو كما قلت لك: "شارك الخـ....، إخسر وخسّره". وطالما هناك "حنكيرة" فأفضل ما يمكن ان تفعله هو ان تتعظ بقول الشاعر: أعزُّ مكانٍ في الدنا سرجُ سابحٍ، وخيرُ جليسٍ في الزمان حمارُ. علي الصراف