هل شقت فيروز والرحابنة درب الحداثة الغنائية؟

دمشق
الإرتباط بالوطن ونبذ الهجرة ومحاربة الطائفية

ارتبط اسم فيروز بالرحابنة ليشكلا معا أسطورة في عالم الموسيقى والغناء أنتجت عبر نصف قرن مئات الأغاني والمقطوعات الموسيقية وصاغت مذهبا جديدا في الفن العربي ونموذجا اعتمده الكثير من الفنانين طريقا إلى النجاح والشهرة.
وفيروز التي صاغت تذكارات اكثر من جيل، "حافظة ذكرياتنا" كما تعبر ماجدة الرومي، مازالت كل صباح تأسر بصوتها الشجي الآلاف على امتداد هذا الوطن الكبير، هذا الصوت الذي قيضت له عبقرية موسيقية تمثلت في البداية بالأخوين رحباني (عاصي ومنصور)، ولاحقا إلياس، الذين صاغوا موسيقى تجمع بين البساطة والتناغم ضمن مفردات مستمدة من البيئة الريفية ليجعلوا منها تجربة رائدة عبروا بها جميع أصقاع العالم، واستمرت هذه التجربة مع جيل الأبناء (زياد ومروان وغدي وغسان) الذين أغنوا المدرسة الرحبانية بمفاهيم جديدة اعتمدت على التزاوج بين النمط الغربي والشرقي. ولن ننسى أن المدرسة الرحبانية خرجت عشرات الفناين المتميزين، فبالإضافة إلى فيروز كان نصري شمس الدين، وديع الصافي، هدى حداد، أنطوان كرباج، وليم حسواني، جوزيف عازار، هيام شماس، ملحم بركات، إيلي شويري وغيرهم.
ولكن كيف كانت البداية؟ الانطلاقة الصعبة في ظل المدرسة الكلثومية لقد كان النموذج الفني الذي قدمه الرحابنة عبر صوت فيروز خروجاً صارخاً عن المألوف السائد آنذاك. وقوبلت هذه التجربة الوليدة بسيل من الانتقادات اللاذعة من قبل أقلام شهيرة في المجال الفني والإعلامي. إلا أن ذلك التيار لم يستطع الوقوف طويلاً في مواجهة الأصالة التي ميّزت هذا الاتجاه الفني، مما اضطر الأقلام الناقدة لإعادة النظر في موقفها والانضمام إلى الإعجاب الجماهيري الهائل الذي رافق الانطلاقة.
إن الأغنية "السندويتش" التي قدمتها فيروز لم تكن تماشياً مع الطابع الحداثي لهذا الزمن فحسب، بل هي أيضاً تجربة رحبانية ذكية وناجحة، هدفت إلى إيجاد نوع من التوق و"الجوع" - إن صح التعبير - إلى مزيد من الغذاء الروحي من خلال أغنية قصيرة لا تتجاوز ثلاث دقائق في معظم الأحيان ولكنها تمنح كمية كبيرة من الإطراب والتفاعل العاطفي مع الأغنية ضمن هذا الوقت القصير، مما يعطي للمتلقي شعوراً داخلياً يطلب المزيد. وعلى نقيض المدرسة الكلثومية التي اعتمدت على إحداث نوع من "التخمة" لطالب الغذاء الروحي، نجد المستمع خارجاً من حفلة كلثومية تستغرق فيها الأغنية الواحدة ساعة وبعض الساعة، وفيها الكثير من التكرار لمقاطع الأغنية الواحدة، وقد حفظ الأغنية عن ظهر قلب.
وقد أدركت السيدة أم كلثوم بأن تلك الصبيّة القادمة من جبال الأرز الشامخة سيكون لها شأن عظيم في عالم الفن. ولم تحتفظ كوكب الشرق بهذا الرأي لنفسها فحسب، بل أعلنت على الملأ في أكثر من مقام بأن فيروز هي وريثة عليائها الوحيدة على عرش الأغنية العربية. تقديم التراث بقالب جديد وعلى الرغم من أن التجربة الرحبانية كانت ثورية في حينها، ولكنها في الوقت نفسه لم تتمرد على التراث، بل تماشت معه وطوّرته وأضافت إليه الكثير. وهكذا نجد أن فيروز غنت الموشحات، والقدود الحلبية والتراث اللبناني والسوري (الشامي بشكل عام)، والأندلسيات، وحتى اللون البدوي. كما أعاد الرحابنة تقديم بعض أعمال سيد درويش. وحتى أدواره القديمة كدور "أنا هويت" غنته فيروز في العديد من الحفلات. كما لا يخفى على عشاق صوتها أن فيروز غنت العديد من الأغاني التي غناها صباح فخري أيضاً مثل "يا شادي الألحان"، "يا مال الشام"... إلخ. ونجحت فيما بعد تلك التجارب الجديدة التي قدمها الرحابنة بترسيخ وجودها في عقل المستمع العربي (قبل أذنه) جنباً إلى جنب مع التراث حتى أصبحت تلك الحداثة تراثاً بحد ذاتها، وهو ما يعتبر قمة في النجاح.
ومن المؤكد أن تجربة التجديد وروح المغامرة الفنية التي تميزت بها هذه المدرسة ورافقتها على مدى مسيرتها الطويلة كانت من أهم عوامل النجاح. فقد نحت إلى تطوير الموسيقى والغناء العربي وقفزت إلى الأمام بخطوات كبيرة على مستوى اللحن والموضوع وحتى على مستوى التوزيع اللحني الأوركسترالي. مفهوم جديد في الموسيقى لقد أثرت الموهبة الرحابنة الشعرية على الإبداع "التأليفي" الموسيقي، فارتبطت الجملة اللحنية دائماً بالنص الشعري الحر الذي لم يتم تأطيره ضمن قوالب الأوزان التقليدية. وأدى ذلك إلى تحرر الأغنية الرحبانية من المفهوم الضيق للتلحين، انطلاقاً بها إلى فضاء التأليف الموسيقي الأرحب.. فلم تكن الموسيقى خاضعة أو تابعة للنص وإنما نبعت من دفقات حسيّة أساسها الموهبة الإبداعية الخارقة. ولعل تناغم الموهبة الشعرية والتلحينية لدى الرحابنة جعلت الأفق مفتوحاً أمامهم على ما لا يضاهى من التنوع والغنى. وبنفس الوقت تطلب ذلك من الرحابنة جرأة المغامرة والقدرة على المواكبة بين الأصالة والتجديد بوعي ومعرفة وحساسية شعرية عالية.
ولا شك أن التجربة الفيروزية مع زياد الرحباني تعتبر امتداداً طبيعياً لما بدأه الجيل الأول من الرحابنة، وسلوكاً أصيلاً في الجمع بين الموروث الأصيل والجديد المبتكر، وإن كان زياد قد اتخذ السوريالية اللحنية والنصيّة مدخلاً للتجديد. فيروز وقضايا الإنسان العربي شكلت الأغنية الفيروزية منذ بداياتها الأولى إطاراً للدعوة إلى التحرر والتماسك والوحدة في مواجهة الظلم. ولم يرتبط هذا الصوت الثائر بنواحٍ ظرفيةٍ عابرة أو بمناسبات معينة - كما هو حال الفن اليوم - بل ارتبط بالرغبة المستمرة بالنهوض وإيجاد مناخ من التحفز والأمل بالوصول إلى الأهداف السامية للأمة.
لقد نذرت هذه الفنانة العظيمة صوتها لقضايا الإنسان العربي بشكل خاص، فأنشدت الكثير لوطنها الصغير - الكبير، لبنان، وأنشدت للعواصم والمدن العربية وأتقنت استخدام الدلالات الرمزية للوطنية كما في أغنياتها للإمارات ومصر ودمشق وبغداد ومعظم الدول العربية، ولم يعرف هذا الصوت حدوداً في تفانيه وإخلاصه للقضايا، فحرض الإنسان، كل إنسان، على تقديس الحرية حتى لا يسود حكم الطغاة.
ففي لبنان الأخضر الحلو، أضحت فيروز أيقونة الوطن الطاهر، أيقونة الثورة على أعداء المحبة الذين اغتالوا كلما هو جميل. وكما هي عادة الأبطال المناضلين، خاضت فيروز معركتها من داخل الوطن، ضد الذين "سكروا الشوارع وزرعوا المدافع"، معركة ضد الذين قتلوا المستقبل في عيون شادي، ومعركة في مواجهة شذاذ الآفاق الذين اغتصبوا الجنوب، وخرجت من الحرب منتصرة، مكللة بمحبة أبناء وطنها وأمتها.
وفي مجال أغنية القضية الفلسطينية، أصبح صوت السيدة مرتبطاً بفلسطين في ذاكرة الإنسان العربي، ولعل ما قاله الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش يعتبر أفضل ما يمكن الاستشهاد به في هذا المقام، إذ يقول: "قدمت فيروز والرحابنة فنياً لفلسطين ما لم يقدمه الفلسطينيون أنفسهم، ولقد أشهر الفلسطيني هويته الجمالية بالأغنية الفيروزية حتى صارت هي إطار قلوبنا المرجعي، هي الوطن المستعاد وحافز السير على طريق القوافل".
ويكفي السيدة فيروز فخراً، ويكفينا فخراً بها، أن يصل الحقد الإسرائيلي إلى حد القيام بحملة إعلامية شرسة ضد فنانتنا العظيمة التي ألهبت مشاعر الثورة في نفوس المقاومين بغنائها. فقد كتب صحفي من صحيفة معاريف الإسرائيلية قائلاً: "اسم (فيروز) يدل على البخل، فصاحبة هذا الاسم لم تعط هارون الرشيد في ألف ليلة شيئا إلا بصعوبة بالغة! وهي بالفعل تغني في حفل عام كل خمس سنوات." واعترف الكاتب مباشرة أن صوت فيروز يشبه "أمواج من البحر العربي الذي يريد أن يغرقنا." وأضاف قائلاً "لم احب أبدا صوتها، انه صوت يهدر من جبال الظلام التي لم نكن لنصل إليها إلا بعد اتفاقيات السلام. إنها لا تتحرك على المسرح أمام الجمهور المتحمس، كأنها كتلة من الملح أو الثلج!" ثم كشف الصحفي عن سر غضب الإسرائيليين من فيروز بقوله: "أكتب هذا الانتقاد وأنا حزين فهذا يدل على أن اندماجنا في المنطقة حلم حزين، إن أغانيها تصيبني بالدوار فهي الأغاني التي تنادى بقذفنا للبحر." الرسالة الرحبانية لقد آمن الرحابنة بأن للفن رسالة مقدسة في المجتمع، لذلك لم يكونوا مرآة تعكس الواقع المظلم في مجتمعنا فحسب، بل شكلوا منارة تشع قيما وأخلاقا ومحبة لإنقاذ مجتمعنا من تخبطاته، فركزوا في أعمالهم على الإرتباط بالوطن ونبذ الهجرة، ومحاربة الطائفية، والتأكيد على وحدة الجوهر في الإنجيل والقرآن،وهذا واضح في نتاجهم كلّه، وخصوصا في المسرح الرحباني.
فمسرحيات "جبال الصوان"،"ميس الريم"،"لولو"،"يعيش يعيش"،"بياع الخواتم"،
والكثير من الإسكتشات والأفلام مثل:"بنت الحارس"،"سفربرلك" جميعها تشهد على ذلك، وإن كنا قدمنا توصيفا سريعا لهذه الظاهرة النادرة والتي رسمت ملامح الفن العربي ضمن الرؤية الفلسفية التي قدمها الرحابنة أنفسهم معتمدين على الصوت الفيروزي الذي يداعب أفئدتنا كل صباح، فإننا لن نجد خاتمة أجمل مما قاله الشاعر الكبير نزار قباني في وصفه للسيدة فيروز بقوله: "جاءت السيدة ذات الصوت المائي. جاءت فيروز، هجمت علينا كغمامة، هجمت كقصيدة، هجمت كمكتوب غرام قادم من كوكب آخر، هجمت كتفاصيل حب قديم وبعد ثلاث سنين من التوحش، مررنا تحت أقواس صوتها الحضاري، فتحضرنا". حسن سلمان