ولاتزر وازرة وزر أخرى: أوقفوا هذه المظلمة بحق الشعب الدنماركي

لاشك أن مقام النبوة والرسالة في قلوب المسلمين هو أكبر من أن يوصف باللسان أو يعظم مقامه أي بيان، فبأبي أنت وأمي يارسول الله كلمة أكتبها وتكاد عيناي تغرق دموعا وشوقا الى هذا المقام العظيم الذي لم ولن تبلغه أعظم قيادات ورجالات ولد ادم عليه الصلاة والسلام
كلمات الوفاء والحب والشوق والهيام لن تفي بذرة واحدة من مقام أعظم جامعة انسانية واسلامية عرفتها البشرية قبيل خمسة عشر قرنا من الان، ولكن حبه صلى الله عليه وسلم في ألا يمس بسوء اللسان أو البنان تدفعني الى الالتزام بروح رسالته العظيمة في ألا نمارس الظلم على الاخر، فالظلم ظلمات يوم القيامة كما ورد في أعاظم توجيهات خاتم النبيين والمرسلين عليه أزكى الصلاة وأزكى التسليم.
مضت أسابيع متوترة على العالم بأسره شرقه وغربه نتيجة ما خلفته أزمة الرسوم من صدمة عميقة في مقل وأنفس المسلمين بعيد نشر ايلاندز بوستن الدنماركية لتلكم الرسوم القذرة والساقطة في حق سيد المرسلين، وتطورت الأمور شيئا فشيئا الى التظاهر في أغلب أقطار العالم شرقه وغربه احتجاجا على سفالة وحقارة ما أوردته ريشة الكاريكاتير، ولم تكن الأمور لتقف عند هذا الحد بل تدحرجت الى استعمال سلاح المقاطعة الاقتصادية من قبل دول العالم الاسلامي في حق شعب ظريف ولطيف في غالبه ألا وهو الشعب الدنماركي، وتناسى المسلمون في خضم ذلك اية قرآنية عظيمة نصها الحرفي "ولاتزر وازرة وزر أخرى" حيث أجمع فقهاء الأمة وعلماؤها على استنباط حكم شرعي من هذه الاية الكريمة مفاده بأن العقوبة شخصية ولا ينبغي تعديها الى غير الجاني وبناء على ذلكم أخذت كل قوانين الدنيا مدنيها وجنائيها بروح ولفظ هذه القاعدة ليتم التنصيص حرفيا وفي كل القوانين العالمية وبمختلف مدارسها الوضعية والسماوية على حرمة تعدي الضرر الى غير الجاني.
لقد تناسينا جميعا في أثناء تفاعلنا الحراري والوجداني مع حب مقام النبوة هذا المبدأ القرآني وغنى أكثرنا لسلاح المقاطعة الاقتصادية وانفلت زمام الأمر ليتحول الى حرق وتعد على المصالح الديبلوماسية الدنماركية والاسكندينافية في بلاد العرب والمسلمين، وتخلف دور القيادات الاسلامية والحركات الوسطية ذات التوجه الاسلامي في ضبط ردود الأفعال.
واليوم تجدني أعلنها بصراحة أن نتداعى جميعا كمسلمين وفعاليات اعلامية وطاقات فكرية ومعنيين بالشأن العالمي واستقراره لصالح الانسانية جمعاء الى ايقاف هذا التدهور الخطير الحاصل في علاقات المشرق بالمغرب ودول الشمال بدول العالم الاسلامي، وذلكم من منطلق الرغبة المبدئية في تهدئة الأمور على أساس قواعد الاسلام العظيمة والتي شرحناها في بداية هذا المبحث الحساس والخطير.
بلا شك أن القيادات المسلمة لا ينبغي أن تنساق وراء العواطف وضغط الجماهير التي يشحنها الاعلام دون تقدير لخطورة الموقف على مستواه العالمي، فمسألة الرسوم انقلبت الى مستوى كرة الثلج التي باتت تنذر العالم بأسره بمرحلة عسيرة من الحروب الدينية وهو مايخطط له سماسرة الحرب وتجار اللحم البشري.
أقولها وبكل صراحة وبلا خجل أو استحياء، أوقفوا هذه المظلمة بحق الشعب الدنماركي الذي لا يتحمل مسؤولية رسام أو رئيس تحرير، فهذا الشعب المتحضر احتضن المسلمين المضطهدين من ديار العرب والمسلمين وعاملهم على قدم المساواة القانونية مع السكان الأصليين وأفسح لهم باب المشاركة السياسية والاقتصادية بما لم تفتحه لهم ديار العرب والمسلمين، بل انه ساعدهم ماديا ونقديا على بناء دور العبادة والمساجد ومحاضن التعليم، وأفسح لهم فرصا أكاديمية وجامعية لم يلقوها في بلادنا الأم.
يضاف الى كل هذا أنه ساعدهم على حمل جنسيته ودخول مجلسه النيابي والاشراف على المجالس البلدية لبعض مدن الدنمارك، فهل هذا جزاؤنا لهذا الشعب العظيم الذي لا يجوز لنا أن نعاقبه جماعيا على سلوك هجين وغير مسؤول من قبل واحد من أحد مواطنيه؟
انني أراهن من خلال هذا النداء على العقول الاسلامية الواعية التي لا تنساق وراء العواطف الجياشة التي لاتضبطها العقول، ولعلني بهذا أكون قد بلغت شيئا من الأمانة الى قادة الأمة ورواد نهضتها ومفكريها ومبدعيها وطاقاتها الواعدة من أجل وضع حد نهائي لهذا الانهيار الجليدي الخطير القادم من البلاد الاسكيندينافية باتجاه بلاد العالم بأسره، وأظن أن المستفيد الأكبر منه هم أعداء الأمن والاستقرار والنماء في كل أنحاء بلادنا.
وأخيرا أذكر شعوبنا بأن ماتوفره الدنمارك من حريات أساسية ومناخات ديمقراطية ومجالات نهوض علمي وتقني وأعلى نسب الدخل الفردي في العالم، كل ذلك ينبغي أن يكون مطلبنا الجماعي تجاه حكوماتنا وقياداتنا ونخبنا وشبابنا في القادم من أيامنا وتاريخنا المعاصر المشهود، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار قداسة عقائدنا وأركان ديننا وتعاليمه الشرعية السمحاء التي لا ينبغي أن نتطاول عليها باسم حرية الرأي والتعبير.
اللهم اني قد بلغت اللهم فاشهد!
مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي مقيم بألمانيا reporteur2005@yahoo.de