شخصية العربي في رواية الغريب لـ 'كامو'

بقلم: حسن سلمان
خصوصيات كامو

"إنه ليس من السهل أن تجعل قتل إنسان ما يبدو أمراً غير ذي موضوع، اللهم إلا أن ينساق المرء بحيث يعتبر على نحوما أن المقتول ليس إنساناً وهو بالضبط ما تفعله رواية الغريب". كونر كروز أوبراين.

لا ريب أن قارئ رواية الغريب لـ ألبير كامو 1913-1960، والتي تعد واحدة من أعظم روايات القرن العشرين، حيث صدر منها حتى نهاية عام 2000 أكثر من 7 ملايين نسخة، سوف يتوقف طويلاًعند شخصية بطل الرواية مورسو.
فمورسو، كما يصوره كامو، شخصية غريبة عن المجتمع لأنه يرفض أن يهادن عرفه وتقاليده، فهو لا يرى أية صلة بين موت أمه وبين ذهابه مع عشيقته ماري لمشاهدة فيلم هزلي، ثم قيامه علاقة غرامية معها بعد وفاة أم بيومين فقط.
إنه لا يعرف الحب ولا الندم وأكثر الانفعالات إنسانيةً لا يؤثر فيه، لذلك نراه يجيب على المحامي حيث يسأله هل كنت تحب أمك بقوله: بدون شك كنت احب أمي كثيراً، ولكن هذا لا يعني شيئاً، لقد كان جميع الأصحاء يتمنون موت أحبائهم، لذلك نرى المجتمع يدين مورسو ويحكم عليه بالإعدام، لا لأنه قتل عربياً بل لأنه لم يبك والدته في جنازتها.
بالاختصار مورسو كما يراه كثير من النقاد والدارسين هو الرجل الذي يرفض أن ينافق، أو كما يعبر كامو إنه الرجل الذي يؤثر الموت على الكذب.
غير أننا إذا جانبنا الحقيقة في دراستنا لشخصية مورسو في الرواية، نجد أنه ليس بالضبط الشخص الذي يصوره المعلقون والنقاد فمورسو في الرواية يكذب مثلاً وهو يكتب لجاره ريمون الرسالة التي يراد بها خداع الفتاة العربية وتعريضها للإذلال.
وعندما يقدم ريمون على ضرب الفتاة يرفض مورسو استدعاء البوليس لأنه لا يحب البوليس. لكن كرهه للبوليس لا يعني مطلقاً كرهه للظلم الاجتماعي،لأنه لم يتخذ أية خطوة لصد الظلم الاجتماعي الذي كان ماثلاً على نحو ملموس في غرفة ريمون نتيجة الرسالة التي كتبها مورسو بالذات
أما السبب الحقيقي لامتناعه عن استدعاء البوليس فهو إخلاصه لمشاعره الخاصة إنه يكره مجرد فكرة البوليس، لكنه لا يبالي بضرب الفتاة.
ثم إن مورسو يكذب فيما بعد على البوليس ليتمكن من إطلاق سراح ريمون بعد ضربه الفتاة، وإذن فليس صحيحاً أن مورسو لا يلين في احترامه المطلق للحقيقة كما يقول كامو نفسه في تعليقه اللاحق على الرواية. (1)
فهذه المشاهد تبين أنه لا يكترث للحقيقة بقدر عدم اكتراثه للقسوة والشر. ذلك أن إسهامه في تلك الأعمال هو الذي يطلق سلسلة الحوادث التي تفضي في النهاية إلى قتل العربي على الشاطئ.
بيد أننا إذا انتقلنا إلى مستوى آخر لنحاول رسم ملامح الشخصية العربية في الرواية نجد أنها منفية داخل ذاتها، غائمة الملامح، مجهولة الاسم والرسم حتى أنها تبدو في أدوارها المرسومة لها ككائنات وهمية في وطنها، وفي حركتها المحدودة كالأشتات الصامتة المستبعدة، وإطار الصورة لا يتسع إلا للمليون مستوطن فرنسي ولا يمنح التسع ملايين جزائري أية مساحة، لنستعرض ما يقوله الراوي:بالقرب من التابوت كانت هناك ممرضة عربية في جلباب أبيض وتغطي نفسها بمنديل ملوث، ويضيف عندما توجهت إلى باب الخروج قال الحارس إنها مصابة بتقرح، وكانت الممرضة تغطي وجهها بقناع أبيض اللون لا يرى منها سوى عينيها. هذه الممرضة لم تنبث بنبت شفة ولم تشارك برد فعل في المساحة المخصصة لها.
وفي مكان آخر من الرواية، يلتقي مورسو بجارهريمون في الجزائر العاصمة ويخبره الأخير عن العربي الذي تحرش به بسب أخته، عشيقه ريمون التي يصورها كامرأة مخادعة ومبتزة له، كما أنها تعود إليه مرة أخرى بخدعة يشاركه فيها مورسو بكتابة خطاب لها، وعندما تكتشف الخدعة تصفعه ويضربها ريمون ضرباً مبرحاً. ونرى الشخصية العربية هنا مبتزة للمال، مهينة وخائفة، والمنطق السائد المفسر للحدث منطق ريمون الذي تشير إليه الرواية على أنه يتكسب من وراء النساء.
ويستمر الراوي يسرد القصة فيقول عندما يتأهب ريمون ومورسو وماري للذهاب للشاطئ: نظرت ورأيت مجموعة من العرب أمام حانوت التبغ.
وبعد تناول الغداء مع صاحب الكوخ ماسون وتنزههم على الشاطئ: لاحظت أن هناك على الشاطئ- بعيداً عنا - اثنين من العرب يرتديان ثياباً زرقاء ويأتيان باتجاهنا فنظرت إلى ريمون قال لي: إنه هو، ناهيك عن المواجهة التي حدثت مع العربيين واللذين لقيا بالطبع هزيمة منكرة لم ينطق فيها أحدهما ولو بآهة توجع، لولا سكين العربي التي جرحت ريمون جرحاً سطحياً أعقبه انسحاب العربيين.
يتابع الراوي: عند النبع وجدنا العربيين يرقدان بهدوء ويبدو عليهما السعادة، وكان أحدهما ينفخ في قصبة قصيرة وتترد نغمات ثلاث في الفراغ ، ويهدد ريمون بقتل غريمه لكن مورسو يأخذ منه المسدس حتى لا يتهور وينسحب العربيان مرة أخرى.
وعندما يعودون للكوخ لا يصعد مورسو معهم بل يستدير نحو الشاطئ مرة أخرى ويمضي عليه بطريقة عبثية تحت لهيب الشمس الحارق، تقوده قدماه للنبع فيجد العربي وحيداً راقداً على الأرض، وعندما يراه الأخير ينهض واضعاً يده في جيبه لإخراج سكينه وهنا تصل الرواية إلى نقطة الذروة وانقبضت يدي على المسدس وتحرك الزناد ووضعت إصبعي على المقبض اللامع.... وعندئذٍ بدأ كل شيء خلال هذا الدوي الجاف الذي يصم الآذان.....لقد تخلصت من الشمس والعرق..... وشعرت أنني قلبت توازن هذا النهار وخرقت السكون العجيب الذي كان مخيماً على الشاطئ الذي منحني السعادة وأطلقت عندئذٍ أربع رصاصات أخرى على الجسد الهامد.
من جانب آخر إذا اعتبرنا أن كامو كان دقيقاً إلى حد ما في معالجته لسيكلوجيا مورسو في الرواية- لا في تعليقه اللاحق عليها- فإنه لم يكن دقيقاً في تصويره للمجتمع الذي يحكم على مورسو بالموت، فواقع الحال أن المحاكم الفرنسية في الجزائر ما كانت لتدين أوربياً بالموت لمجرد قتله عربياً استل سكينه مهدداً، وكان قد طعن منذ وقت قصيراً جداً أوربياً آخر، ومن المؤكد أنه كان في وسع محامي الدفاع أن يركز على موضوع الدفاع عن النفس، لافتاً النظر إلى الصورة المثيرة للذعر العربي يحمل خنجره في يده، غير أن الرواية لا تتضمن أية إشارة إلى دفاع كهذا أو حتى إلى ظهور نوع من التضامن الأوربي في القصة.
ولا شك ان هذه الصورة تخلو من الواقع بقدر ما يخلو منه افتراض محكمة أمريكية يقدم أمامها رجل أبيض بتهمة قتل رجل أسود يحمل في يده خنجراً مسلولاً،فلا يحاول محامي الدفاع إثارة موضوع ما يثيره السود في قلوب البيض من مخاوف ولا تتحرك مشاعر أعضاء المحكمة بدافع من هذا الواقع، أيضاً نفس الأمر ينطبق على إسرائيلي قتل عربي أشهر في وجهه سكيناً.
إن تصوير المحكمة و كأنها في وضع غير منحاز بين رجل فرنسي وآخر عربي هو إنكار ضمني للواقع الاستعماري السائد في تلك الفترة، وإذن فإن الانطباع الذي حمله الكثير من القراء بأن الرواية ترفض الواقع الجزائري وتتمرد عليه تمرداً جذرياً هو انطباع خادع، لأن في صميم الرواية تكمن أسطورة اجتماعية محددة جوهرها تأييد الوضع الراهن في الجزائر.
وإذا أردنا التأكيد على قولنا السابق، لننتقل إلى شخصية كاتب الرواية الذي ينتمي بحكم الولادة إلى الجزائر،حتى أن الكثير من أدباء المغرب العربي يعتبرونه مبدعاً جزائرياً قلباً وروحاً كما يقول حسونه المصباحي في مقال له بعنوان: ألبير كامو مبدعاً جزائرياً. غير أن كامو-خلاف ذلك- كان فرنسياً كاملاً من حيث ثقافته، فرغم فلسفته الوجودية الإنسانية وأفكاره عن الحرية والمبادئ العليا للإنسان والتي ظهرت جلياً في كتابه الإنسان المتمرد، إلا أنه كان متناقضاً كلياً مع هذه الأفكار في نظرته للقضية الجزائرية، حيث ساعد بموهبته المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية، دون أن يفعل ذات الشيء مع المقاومة الجزائرية -التي أسماها الأحداث الجزائرية- ضد الاحتلال الفرنسي إبان الثورة الجزائرية الكبرى، ورغم انتقاده للمستوطنين الفرنسيين من بني جلدته إزاء معاملتهم للعرب الذين أسمائهم أيضاً غير الأوربيين، فإنه لم ير فيهم صورة المحتل الغاصب لأرض الغير، كذلك عندما دعى إلى جزائر مسلمة في إطار فرنسا الأوربية، وعندما عقد صداقات مع من يتفقون مع أفكاره كالحركة الوطنية الجزائرية وزعيمها عباس فرحات الذي نادى بالاندماج مع فرنسا، ولم ينجح مع بن باديس، الذي قال: شعب الجزائر مسلم وإلى العرب ينتسب/ من حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب.
لقد كان كامو ممزقاً بين وطنه الأم فرنسا والوطن الذي ولد وعاش على أرضه الجزائر يقول: ما زلت أؤمن بالعدل لكنني أخشى على سلامة والدتي التي لازلت تعيش في الجزائر، وفي أعماله الكاملة حذف المقالات التي تنتقد سلوك مستوطنينه الفرنسيين، حتى أن كاتبا ًفرنسياً شهيرا ًهو جان جاك بروشيه قال في كتابه ألبير كامو فيلسوف الأقسام النهائية أن كامو اتخذ موقفين متمايزين ومتناقضين في آن، حيث أنه قبل الثورة كان يشجب في مقالاته تصرف المستعمرين الفرنسيين وتعرض للطرد من عمله بسبب موقفه هذا،لكن هذا الموقف تغير بعد اندلاع الثورة الجزائرية،حيث أوضح بروشيه أن كامو تعاطف مع العرب الجزائريين فقط ضمن المقياس الذي ظهروا فيه أغبياء ويمكن استغلالهم.
من جانب آخر فإن كامو الذي حاول أن يؤكد على وحدة البحر الأبيض المتوسط وعلى الزواج القائم فيه بين الشرق والغرب، من خلال محاضرة ألقاها في باريس عام 1937 نجده يكشف عجزه عن التفكير إلا من خلال مقولات فرنسية،حيث يشير في معرض الدراسة إلى أسماء ومنجزات أوربية كثيرة دون أن يلفت النظر إلى أية فئات غير أوربية دون أن يلفت النظر إلى أية فئات غير أوربية أسهمت في الثقافة المتوسطية،باستثناء إشارة غامضة لما أسماه الأفكار الشرقية العظيمة.
ومن الواضح جداً ان كامو يعني بثقافة البحر الأبيض المتوسط ثقافة أوربية ويعني بالنسبة للجزائر ثقافة فرنسية، أما بالنسبة للعرب الذين لهم دور في هذه الثقافة، فإنه يقصد أولئك العرب الذين سيكونوا حينذاك قد تفرنسوا.
أما ما تبقى من أفكار الرواية فإن العواطف لم تدخل فيها عبر العلاقات بين الأوربيين والعرب، فالعربيان اللذان كانا يحدقان إلينا بصمت كما لو كنا قطعة من الحجارة أو أشجار يابسة. لم يبديا شيئاً مما تخيلته جيرمين بري في كتابها ألبير كامو (2) من تجانس عنصري رائع بين سكان دول البحر الأبيض المتوسط، فجميع شخصيات الرواية من الأوربيين يسمون بأسمائهم مورسو – ريمون – ماسون – ماري أما الرجل المقتول فلم يعطه المؤلف اسماً ولم يعط للقارئ انطباعاً بأن العلاقة بين المؤلف وبين الرجل المقتول ورفيقه هي علاقة إنسان بإنسان، إنه ينظر إليهم كما لو كانوا قطعاً من الحجارة أو الأشجار اليابسة، وعندما يطلق المؤلف النار على هذا المخلوق النكرة ويجعل مورسو يفرغ في جسده - بعد الموت- أربع رصاصات أخرى لا يكاد القارئ يحس بأن مورسو قتل إنساناً ذلك أنه إنما قتل عربياً. حسن سلمان
كاتب وصحفي سوري
*** هوامش (1) يقول كامو في تعليقه على شخصية مورسو في الرواية: إن مورسو بالنسبة إلي، رجل مسكين عار يعشق الشمس التي لا تلقي ظلالاً، وهو ليس مجرداً تماماً من الشعور والإحساس لأن بين جنبيه عاطفة متقدة وعميقة لكنها صامتة تنطلق نحو الحق والمنطق.
(2) تقول جرمين بري في كتابها ألبير كامو أن كامو وصف كما لم يصف أحد من قبل جمال الساحل الإفريقي وأبهة الشمس الساطعة الدائمة وحسب، بل وصف الطابع الخاص المميز لمزاج السكان الجزائريين الأصليين و أخلاقهم و مواقفهم و لغتهم، و أوضح بجلاء أنه لم يكن يحس بالغربة بينهم، بل كان يحس أنه أقرب إليهم أكثر من أية فئة أخرى من الناس، و تمضي بري لتقول: إن الفرنسيين و الإسبان و الإيطاليين و اليهود و كذلك العرب و البربر الذين ينتسبون إلى الطبقة العاملة في الجزائر هم جميعاً أشد مناعة ضد التمييز العنصري من أولئك الذين ينتسبون إلى الطبقة الوسطى.أما العرب و البربر فلم يكونوا قط غرباء بالنسبة لكامو.

*** مراجع البحث

1- ألبير كامو: الغريب، ترجمة وتقديم إبراهيم حلبوني، دار الأنوار، دمشق 1995 ص 13 – 78-95.
2- كونر كروز أوربراين: ألبير كامو، ترجمة عدنان كيالي – المؤسسة العربية للدراسات، بيروت 1972 ص21- 30.
3- جيرمين بري: ألبير كامو، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا المؤسسة العربية للدراسات ط2 1981 ص9.
4- جون كروكشانك: ألبير كامو وأدب التمرد، ترجمة وتعليق جلال العشري الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1986.
5- مورفان لوبيك: كامو بقلمه، ترجمة إلياس خليل، المنشورات العربية،بيروت 1981.
6- روبير دولوبيه:كامو و التمرد، ترجمة سهيل إدريس،مطابع الآداب،بيروت ط2 1955.
7- محمد عبد الهادي:العربي الغريب في الغريب لألبير كامو، المجلة العربية عدد/335/ يناير 2005.